14 تموز/يوليو 2009
نظام المحاكمة أمام هيئة المحلفين مُعقّد ومكلف لدرجة أنه يُرغم معظم المدعى عليهم على قبول مساومات الإقرار بالذنب سراً. في القضايا القليلة نسبياً التي تحال إلى المحاكمة، يدرس المحلفون في أحيان كثيرة مسائل تقنية تفوق قدراتهم. بيتر جي فان كوبن أستاذ في علم النفس القانوني في كلية الحقوق في جامعة ماتسريتش وكلية الحقوق في الجامعة الحرة، الموجودتين في هولندا. تُنشر هذه المعلومات في عدد تموز/يوليو 2009 من المجلة الإلكترونية إي جورنال يو أس آيه، التي تحمل عنوان "تشريح محاكمة أمام هيئة محلفين."
بقلم بيتر جي فان كوبن
تزور طبيبك في أحد الأيام. ترحب بك هناك هيئة مكونة من 12 فرداً. تخبرك بمرح السيدة التي تبدو أنها رئيسة الهيئة أن هذه الهيئة سوف تحل محل طبيبك خلال الشهر القادم. وتضيف بثقة: "لا تقلق يا عزيزي، مُعظم ما يقوم به الأطباء يعتمد على الفطرة السليمة في أي حال". ماذا تعمل في هذه الحالة؟
في الواقع، أن ما قالته رئيسة الهيئة صحيح: فمعظم ما يقوم به الأطباء يعتمد على الفطرة السليمة. ولكن جزءا مهما من عملهم لا يعتمد على الفطرة السليمة. وهذا الجزء هو الجزء الحيوي لعمل طبيبك. والأكثر حيوية من ذلك، ربما، هو أن طبيبك قادر على التمييز بين القضية الصعبة الغريبة والحالة الخطرة لمريض وبين المرض المتوسط العادي.
المدعى عليه الذي يدخل إلى قاعة محكمة ويقرر عدم الدخول في مساومة الإقرار بالذنب يواجه بمثل هذه المجموعة المرحة من المحلفين. هم موجودون هناك لتقييم الإثباتات وتقرير ما إذا كان المدعى عليه مذنباً أم لا، والسؤال المطروح هو ما إذا كانت هيئة المحلفين هذه أفضل من أي بديل آخر. وسوف أناقش لاحقاً ما أعنيه بكلمة بديل.
قد يفضل بدون شك كل شخص بالطبع طبيباً لديه شهادة تخصص على طبيب عام - هيئة محلفين. وينطبق ذلك على كافة المهنيين تقريباً. لذلك فالسؤال الأول هو: هل أن اتخاذ القرار أو البحث عن الحقيقة في القضايا الجنائية هما شيء يستطيع أي شخص عادي القيام به؟ للإجابة عن هذا السؤال، دعوني أشرّح المشكلة التي تواجه هيئة المحلفين في المحاكمة الجنائية. يجب على هيئة المحلفين أن تأخذ قراراً بشأن الحقيقة. يجيب المحامون الأميركيون فوراً أن المحاكمات الجنائية ليست حول الحقيقة بل حول نسخة معينة من الحقيقة: أي طرف يملك حجة أفضل حول الحقيقة؟
في كلا الطريقتين لا يختلف العمل الذي تقوم به هيئة المحلفين كثيراً عن أي عمل يطلب من عالم القيام به. يجب على العالم أن يستنتج أوضاع الأمور التي لا يمكن ملاحظتها بصورة مباشرة، بالاستنتاج من الأدلة التي يمكن ملاحظتها. هذا هو بالضبط ما يطلب من هيئة المحلفين: اتخاذ قرار حول ذنب المدعى عليه يستند إلى الأدلة المقدمة في المحاكمة. إنها عملية علمية تتجاوز القدرة الفكرية لمعظم الأشخاص العاديين الذين يتم استدعاؤهم للخدمة في هيئة المحلفين.
مناصرو هيئة المحلفين يميلون إلى أن يستعملوا هنا الدراسة الأساسية التي قام بها هاري كالفن وهانس زايزل من عام 1966. في عدد كبير من القضايا، وعندما كان أعضاء هيئة المحلفين يتداولون في غرفة هيئة المحلفين، سأل كالفن وزايزل القاضي المنفرد الذي كان يترأس المحاكمة عن القرار الممكن أن يتخذه ووجد أن القضاة في معظم القضايا كانوا يميلون إلى إصدار نفس القرار الذي اقترحته هيئة المحلفين فيما بعد.
مسائل التدريب
تبرر تلك الدراسة إعطاء بعض الملاحظات وكمثال الطبيب، قد يتفق القاضي المهني وهيئة المحلفين في معظم الأوقات ولكن لا يعني ذلك أنهما يتفقان في القضايا الأكثر أهمية، القضايا التي يكون فيها اتخاذ قرار يستند إلى وقائع القضية صعباً نوعاً ما، وحيث تكون للمعرفة والتدريب أهمية معينة.
لماذا نلجأ إلى القاضي لتقييم نوعية قرارات هيئة المحلفين؟ يفترض هذا الأمر وجود سببين: أن القضاة يتمتعون بكفاءة عالية جداً لدرجة تمكن من استعمالهم كمعيار لتقييم قرارات هيئة المحلفين، وأن القانون له أهمية في مشكلة القرار الذي تواجهه هيئة المحلفين. والنقطة الأخيرة تمثل سوء فهم شائعا. قرار هيئة المحلفين قرار واقعي محض يأخذ شكل القرار العلمي. والأكثر أهمية من ذلك، فإن القانون لا يتدخل بذلك القرار بأي شكل. من الممكن أن يكون القرار مضمناً في كافة أنواع الأصول القانونية، وعلى سبيل المثال الدليل الذي يمكن تقديمه إلى هيئة المحلفين أو يمكن إدخاله في القرار، ولكن ذلك لا يجعل القرار بالذات قراراً قانونياً. مناصرو هيئة المحلفين قد يؤكدون بعد ذلك أن معيار اتخاذ القرار في المحاكمات الجنائية، هو قاعدة قانونية بصورة لا مجال للشك فيها. ولكن الأمر ليس كذلك. فهو نفس نوع قاعدة اتخاذ القرار التي تطبق بصورة واسعة في العلوم، لكن تحت اسم مختلف. فعلى سبيل المثال، تسمى نفس قاعدة اتخاذ القرار هذه في علم النفس "مستوى الأهمية."
والقضاة المنفردون هم بالتأكيد النوع الخطأ من الأشخاص لاستعمالهم كمعايير لاتخاذ القرار العلمي. قبل كل شيء، قد تُشكِّل هيئة القضاة مقارنة أكثر إنصافاً. ففي معظم الدول، تحكم في القضايا التي لا تنظر فيها هيئة محلفين هيئات مكونة من ثلاثة أو خمسة قضاة. لكن، ثانياً، أليس القضاة أشخاصاً عاديين لاتخاذ القرار الواقعي بقدر ما يكون عليه المحلفون؟ إن طلاب كليات الحقوق يفعلون ذلك عادةً لأنهم لا يحبذون التفكير العلمي أو لأنهم يكرهون الرياضيات أو يبغضون إجراء الاختبارات. وبالتأكيد فإن الفكر القانوني ينبثق بدرجة كبيرة من الفكر العلمي. القضاة، بهذا الشكل، ليسوا مؤهلين بدرجة أفضل من المحلفين للكشف عن الحقائق ما لم يكونوا مدربين. وفي الدول التي يخدم فيها قضاة مهنيون، يتم تدريب هؤلاء القضاة. في الواقع عندما أخدم كشاهد خبير في بلدي الصغير، أواجه في أحيان كثيرة محاكم يرأسها قاضٍ واحد أو أكثر ممن كانوا في صفي حيث كنت أعلمهم حول بيانات الشهود، وتحديد وتقييم الدليل. كيف يستطيع مناصرو المحاكمات أمام هيئة المحلفين أن يؤكدوا أن التدريب لا أهمية له على حل نوع المشاكل المعقدة في بعض القضايا الجنائية؟ لماذا يتجاهلون وجود إخفاقات في العدالة في البلدان التي يتّبع فيها نظام هيئة الملحفين، كالولايات المتحدة وبريطانيا بنسبة أكبر من البلدان القارية التي لا تتبع نظام هيئة المحلفين.
سيئات أخرى
يعاني نظام المحاكمات أمام هيئة محلفين من بعض السيئات الإضافية الأخرى التي نادراً ما تتم مناقشتها. أولاً، المحاكمة أمام هيئة المحلفين هي أكثر تعقيداً من المحاكمة أمام القاضي (محاكمة يصدر فيها الحكم قاضٍ واحد أو هيئة من القضاة). ويضع ذلك أعباء أكبر على محامي الدفاع. تحتاج المحاكمات أمام هيئات المحلفين إلى محامين أفضل، ولكن معظم المدعى عليهم في الولايات المتحدة فقراء ولا يستطيعون توظيف محام جيد. أما في الدول التي تجري فيها المحاكمات أمام القاضي، فإن المحامي غير الجيد يمثل سيئة أقل بالنسبة للمدعى عليه.
كما أن المحاكمة أمام هيئة المحلفين تستهلك الوقت والجهد المكثف. في الواقع، إنها مكلفة للغاية لدرجة أنه لا يمكن المحافظة على نظام المحاكمة أمام هيئة المحلفين إذا تم التعامل مع الغالبية العظمى من القضايا بطرق مختلفة. يحدث ذلك في الولايات المتحدة من خلال المساومة على الإقرار بالذنب، وهذا اتفاق يتم التفاوض بشأنه بين الادعاء العام والدفاع مع تدخل هامشي من قبل القاضي. في الممارسة، إنه نظام تنتهي عنده معظم القضايا بطريقة لم يقم بموجبها أي شخص بتقييم فعلي للدليل، ودون تدقيق عام وبسلطة غير متكافئة يملكها الادعاء العام.
باختصار: في نظام المحاكمة أمام هيئة المحلفين تعالج القضايا بالسر، ويتم اتخاذ القرار بشأن عدد ضئيل من القضايا من قبل مجموعات صغيرة من الناس الذين يطبقون أفكارهم الفطرية على مشاكل معقدة تتجاوز تدريبهم.
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الأميركية.