مواطنون لهم حرية التعبير | الديمقراطية في العالم

27 نيسان/إبريل 2009

هل تنتهي الحروب أبداً؟

 
يجد علماء الانثروبولوجيا علاقات متبادلة بين الحروب والتوترات البيئية كالجفاف.
يجد علماء الانثروبولوجيا علاقات متبادلة بين الحروب والتوترات البيئية كالجفاف.

بقلم جون هورغان

الحروب لا تُشكِّل جزءاً من الحالة الطبيعية للبشر. فالحضارة تشجع اعتماد طرق أقل عنفاً لتحقيق التغيير.

جون هورغان صحافي في مجال العلوم ومدير مركز الكتابات العلمية في معهد ستيفنز للتكنولوجيا، في هوبوكن، بولاية نيويورك. تشمل كتبه كتاب: "نهاية العلم، العقل غير المُكتشف، والتصوف العقلاني."

الحرب، أي العنف المنظم المميت بين مجموعتين أو أكثر، تشكل أعمق أشكال العنف البشري تدميراً. فطوال التاريخ البشري تنبأ رؤيويون متنوعون مثل، إيمانويل كنت ومارتن لوثر كنغ جونيور، نهاية الحروب، أو حتى التهديد بالحرب كوسيلة لحل النزاعات بين الدول.

لكن اليوم، واستناداً إلى استطلاعات أجريتها خلال السنوات القليلة الماضية، وجدت ان معظم الناس توصلوا إلى قناعة بأن تجنب الحروب والاستعدادات العسكرية أمر غير ممكن. عندما طرحت السؤال، "هل سيتوقف بنو البشر في يوم ما عن شنّ الحروب"؟ أجابت نسبة 90 بالمئة من الطلاب في جامعتي "بكلا". وعندما طلبت منهم تبرير وجهة نظرهم هذه، أجاب العديد منهم ان الحرب "متأصلة في موروثاتنا".

تبدو الأبحاث الحديثة حول الحرب والعدوان، للوهلة الأولى، أنها تدعم هذا الاستنتاج الحتمي. يقدر عالم الانثروبولوجيا لورانس كيلي من جامعة إلينوي أن أكثر من 90 بالمئة من المجتمعات القبلية التي سادت قبل ظهور مفهوم الدولة، شاركت في حروب بين الحين والآخر على الأقل، وحارب الكثير منها بشكل متواصل. كانت الحروب القبلية تتضمن في العادة مناوشات وكمائن أكثر من المعارك الضارية، ولكن مع مرور الزمن أصبح من المحتمل للقتال أن يؤدي إلى معدلات وفاة تصل إلى 50 بالمئة. يؤكد كيلي ان هذه النتائج تقوض الادعاء الذي عبر عنه الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو، الذي عاش في القرن الثامن عشر، والذي يقول انه قبل الحضارة كان الناس "متوحشين نبلاء" يعيشون في وفاق مع بعضهم البعض ومع الطبيعة.

يعيد بعض العلماء الحرب بالارتداد إلى السلف الأقدم المشترك الذي نتقاسمه مع الشمبانزي، النسيب الأقرب إلينا من الناحية الجينية. لاحظ الباحثون في أفريقيا، ابتداءً من منتصف السبعينيات من القرن الماضي، ان ذكور الشمبانزي من نفس الفصيلة يتوحدون سوية لحراسة منطقتهم، فإذا صادفوا شمبانزيا من فصيلة مختلفة فإنهم يضربونه بوحشية، وحتى الموت في أحيان كثيرة.

يقول عالم الانثروبولوجيا في جامعة هارفرد ريتشارد رانغهام، ان معدلات الموت بسبب العنف بين فصائل الشمبانزي تقارن بصورة تقريبية مع المعدلات التي لوحظت بين الصيادين من بني البشر عندما كانوا في حقبة الصيد القديمة. يؤكد رانغهام ان "العنف المشابه لعنف الشمبانزي سبق ومهد الطريق أمام الحروب البشرية، وجعل الإنسان الحديث الوريث الباقي المذهول لخمسة ملايين سنة متواصلة من عادة الاعتداءات المميتة."

يؤكد رانغهام أن الانتقاء الطبيعي فضّل الذكور من الثديات الرئيسية، ومن ضمنها الإنسان، الميالين إلى العدوان العنيف. وكدليل عن ذلك، يشير إلى دراسات جرت على أفراد قبيلة يانومامو، وهي قبيلة يسود فيها تعدد الزوجات وتقطن في غابة المطر  في الأمازون. يشترك رجال قبيلة يانومامو من قرى مختلفة في غارات وغارات مضادة يقتل فيها العديد. وجد نابوليون شانون، عالم الانثروبولوجيا في جامعة كاليفورنيا الذي راقب لعقود أفراد قبيلة يانومامو، ان القتلة الذكور لهم بالمعدل ضعف عدد الزوجات وثلاثة أضعاف عدد الأولاد بالمقارنة مع الذكور الذين لم يَقتلوا أبداً.

لكن شانون يرفض بشدة الفكرة القائلة إن المحاربين من قبيلة يانومامو مجبرون على القتال مدفوعين بغريزتهم العدوانية. يشرح شانون ذلك بالقول ان القتلة المقهورين يُقتلون بسرعة في الواقع، بل بالأحرى انهم لا يعيشون سنوات طويلة لكي يصبح لديهم زوجات وأولاد عديدون.

يقول شانون إن المحاربين الناجحين من قبيلة يانومامو يسيطرون في العادة على تصرفاتهم  ويحسبون خطواتهم. فهم يحاربون لان ذلك هو الأسلوب لتقدم الذكر في مجتمعهم. علاوة على ذلك، أقرّ رجال عديدون من قبيلة يانومامو إلى شانون بأنهم يكرهون الحرب ويرغبون في إلغاء وجودها من حضارتهم. وبالفعل فقد هبطت معدلات العنف بدرجة ذات شأن خلال العقود الأخيرة بعد أن بدأت قرى قبيلة يانومامو تقبل بقوانين وعادات العالم الخارجي.

ليست طبيعة إنسانية

والواقع، ان نمط الحروب التي تندلع وتتوقف تكراراً يقود العديد من الباحثين إلى رفض الفكرة القائلة إن الحرب عاقبة حتمية للطبيعة الإنسانية. يؤكد عالم الأنثروبولوجيا جوناثان هاس، في متحف فيلد ميوزيوم في شيكاغو، ويقول، "إذا كانت الحرب متجذرة بعمق في تكويننا البيولوجي فانها سوف تبقى هناك طوال الوقت، لكنها ليست كذلك بكل بساطة". ويضيف هاس، ان الحرب ليس لها وجود فطري وفق نفس الوجود الفطري للمفهوم اللغوي، وقد أظهرت ذلك كافة المجتمعات الإنسانية المعروفة في كافة الأزمان.

يؤكد أيضاً عالما الانثروبولوجيا كارول وملفين امبر ان النظريات البيولوجية لا تستطيع تفسير أنماط الحرب في المجتمعات التي سادت، إما قبل نشوء الدول أو عند نشوئها. يشرف العالمان على ملفات مجال العلاقات الإنسانية في جامعة ييل، وهي قاعدة بيانات حول 360 حضارة تقريباً سابقة وحالية. ومع ان نسبة تزيد عن 90 بالمئة من هذه المجتمعات شاركت في حروب، على الأقل لمرة واحدة، فان بعض المجتمعات تتحارب باستمرار بينما لا تفعل أخرى ذلك إلا نادراً. وجد العالمان ارتباطات متبادلة بين معدلات الحروب والعناصر البيئية، وبالأخص حالات الجفاف، والفيضانات، والكوارث الطبيعية الأخرى التي تثير مخاوف ندرة المؤن.

يؤكد ستيفن لوبلان، عالم الآثار في جامعة هارفرد، ان السبب الرئيسي للحرب هو الكفاح المالثوسي (نسبة إلى عالم الاقتصاد مالثوس) في سبيل الحصول على الغذاء والموارد الأخرى. ويقول "منذ بداية الزمن، كان الإنسان عاجزا عن العيش في توازن ايكولوجي. وبغض النظر عن أين نقطن على وجه الأرض فإننا في نهاية المطاف نتجاوز ما توفره لنا البيئة. أدى هذا الأمر دائماً إلى حصول تنافس على وسائل البقاء على قيد الحياة، وكانت الحرب العاقبة الحتمية للنزاعات الطبيعية الايكولوجية -الديموغرافية". وهو يعتقد ان هناك طريقتين أساسيتين لتجنب النزاعات في المستقبل، هما ضبط النمو السكاني وإيجاد بدائل غير مكلفة للوقود الاحفوري.

من المعتقد ان تعليم الفتيات يقود إلى الاستقرار السكاني والى تخفيف الاضطرابات الاجتماعية.
من المعتقد ان تعليم الفتيات يقود إلى الاستقرار السكاني والى تخفيف الاضطرابات الاجتماعية.

كشفت أيضاً دراسات حول الثدييات عن أهمية العوامل البيئية والثقافية. فقد أظهر فران دي وال، أستاذ سلوك الثدييات في جامعة ايموري، ان القرد الهندي القصير الذيل (الروسوس)، الذي يبدو عادة على انه عدائي بالسليقة يكون أقل وَلعاً بالقتال إذا أشرفت على تربيته قرود من ذوي الأذناب القصيرة والعادات الحميدة. وقد استطاع دي وال أيضا من خفض النزاعات بين القرود والسعادين من خلال زيادة اعتمادها على بعضها البعض، أي بإجبارها على التعاون من اجل الحصول على الغذاء مثلاً، وتأمين وصولها المتساوي إلى الغذاء.

وإذا تمّ تطبيق هذه الدروس على بني البشر، يرى دي وال ما يعد بالخير جراء قيام التحالفات، كالاتحاد الأوروبي، التي تعزز التجارة والسفر المشترك، وبالتالي الاعتماد المتبادل. ويقول، "إذا جرى تعزيز الروابط الاقتصادية، سوف تزول على الأرجح أسباب الحروب، التي تكمن عادة في الموارد."

ربما كانت الإحصائيات التي تدفعنا أكثر إلى الأمل والإندهاش، والتي برزت من الأبحاث حول الحروب الحديثة، هي ان الإنسانية بمجملها أصبحت أقل ميلاً للحروب مما كانت عليه. أدت الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية وكافة الحروب التي شهدها القرن العشرون، إلى مقتل ما يزيد عن 3 بالمئة من سكان العالم. ان هذا العدد يقل عن متوسط معدلات الوفيات العنيفة للذكور في المجتمع البدائي، والذي كانت أسلحته تتألف من هراوات ورماح وليس مدافع آلية وقنابل.

إذا تمّ تعريف الحرب كنزاع مسلح يؤدي إلى مقتل ألف شخص سنوياً، فيكون قد حدث عدد قليل نسبياً من الحروب الدولية خلال نصف القرن الماضي، كما وانخفض معدل حصول الحروب الأهلية منذ أن وصل إلى ذروته في أوائل التسعينات من القرن الماضي.

تتشكل معظم النزاعات الآن من حروب عصابات، وحالات تمرد وإرهاب، أو ما يسميه العالم السياسي جون موللر من جامعة أوهايو على أنه "فضالة الحروب". يرفض موللر التفسيرات البيولوجية لهذا الاتجاه، لأن "مستويات مادة التستوسترون لدى البشر تبدو أنها لا زالت عالية كما في أي  وقت قضى". بعد أن لاحظ موللر أن الأنظمة الديمقراطية نادراً ما تقوم بمحاربة بعضها البعض الآخر، يعزو موللر تراجع الحروب، منذ الحرب العالمية الثانية على الأقل، إلى ازدياد عدد الأنظمة الديمقراطية حول العالم.

حضارة أكثر

يحدد العالم النفساني ستيفن بينكر من جامعة هارفرد عدة أسباب أخرى محتملة للتراجع الأخير للحروب وأشكال العنف الأخرى. وأول هذه الأسباب هو ان بروز دول مستقرة تتبع أنظمة قانونية فعالة وتدير قوات شرطة نظامية قد قضت على الفوضى السياسية للكل ضد الكل، التي تحدث عنها الفيلسوف هوبس. والسبب الثاني، هو ان التوقعات المتزايدة لطول حياتنا جعلتنا اقل رغبة في المخاطرة بحياتنا من خلال الانخراط بأعمال العنف. والسبب الثالث، هو انه نتيجة العولمة والاتصالات المتزايدة فقد أصبحنا معتمدين بدرجة أكبر على الآخرين من خارج قبائلنا المباشرة، وكذلك متشددين أكثر تجاههم. ورغم ان الإنسانية يمكنها "الانزلاق بسهولة نحو الحرب"، يستنج بينكر ان "قوى الحداثة تجعل الأشياء أفضل وأفضل."

وباختصار، فان خطوطا عديدة من الأبحاث تُناقض الأسطورة القائلة إن الحرب هي أحد ثوابت الحالة الإنسانية. توحي هذه الدراسات أيضاً، بعكس أسطورة الإنسان المتوحش النبيل المسالم، بان الحضارة لم تخلق مشكلة الحرب بل إنها تساعدنا على حلها. فإننا نحتاج إلى حضارة أكثر وليس أقل، إذا رغبنا في استئصال الحرب.

أعطتنا الحضارة مؤسسات قانونية تحل النزاعات من خلال إصدار القوانين والتفاوض بشأن الاتفاقيات وفرض تطبيقها. هذه المؤسسات، التي تتراوح بين محاكم محلية ومنظمة الأمم المتحدة، قللت بدرجة كبيرة من خطر العنف ضمن الدول وفيما بينها. من المؤكد ان مؤسساتنا بعيدة عن أن تكون مثالية. فلا زالت الدول حول العالم تحتفظ بترسانات هائلة من الأسلحة، ومنها أسلحة الدمار الشامل، ولا زالت النزاعات المسلحة تدمر العديد من المناطق. ولذلك ماذا علينا ان نفعل لتعزيز السلام، علاوة على المقترحات الواردة أعلاه؟

يقترح ملفين كونر، عالم الانثروبولوجيا في جامعة ايموري، تعليم الإناث كأسلوب رئيسي آخر لخفض النزاعات. فقد لاحظ ان العديد من الدراسات تظهر ان زيادة تعليم الإناث تقود إلى خفض معدلات الولادة وتكون النتيجة وجود عدد مستقر من السكان مما يخفض الطلب على الخدمات الحكومية والطبية، ويقلل من درجة استنزاف الموارد الطبيعية، وبالتالي  احتمالات حدوث اضطرابات اجتماعية.

إن انخفاض معدل الولادات يُشكِّل أيضاً ما يسميه بعض علماء الديمغرافيا "الأغصان العارية"، أي الرجال الشبان غير المتزوجين والعاطلين عن العمل، والذي تترافق أعدادهم مع زيادة معدل النزاعات العنيفة ضمن الدول وفي ما بينها. يقول كونر، "ان تعليم الفتيات هو أفضل استثمار يمكن ان تقوم به في دولة نامية."

قبول السلام

من الواضح أن إنهاء الحروب ليس بالأمر السهل. ويبدو أنه من الإنصاف القول ان العوامل التي تحدد اندلاع الحروب هي مرتفعة للغاية، أي يمكنها أن تندلع نتيجة أسباب مختلفة. ولذلك يجب أن تكون العوامل التي تحدد تحقيق السلام مرتفعة للغاية إذا كان المطلوب للسلام أن يكون دائماً.

يستطيع العلماء المساعدة في تعزيز انتشار السلام عبر طريقتين: الأولى من خلال الرفض العلني للفكرة القائلة بان الحرب حتمية، والثانية هي ضرورة إجراء أبحاث مكثفة أكثر حول أسباب الحرب والسلام. يتمثل الهدف القصير المدى لهذه الأبحاث بإيجاد طرق لتخفيض النزاعات في العالم اليوم، أينما قد تحدث. ويتمثل الهدف على المدى الطويل بتحديد طرق للإنسانية من اجل تحقيق نزع دائم للسلاح: إلغاء الجيوش، والأسلحة، وصناعات الأسلحة.

يبدو ان نزع السلاح عالمياً لا زال احتمالاً بعيداً جداً الآن. ولكن هل يمكننا بالفعل قبول وجود جيوش وأسلحة، بضمنها أسلحة الدمار الشامل، كمزايا دائمة للحضارة؟ وحتى في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، كانت الحرب النووية تبدو بمثابة احتمال واضح. ومن ثم، وبصورة لا تصدق، تفكك الاتحاد السوفياتي وانتهت الحرب الباردة بسلام. كما انتهى أيضاً التمييز العنصري في جنوب أفريقيا بدون عنف ذي شأن، وتقدمت الحقوق الإنسانية في أماكن أخرى حول العالم. فإذا كانت القدرة على الحرب كامنة في موروثاتنا، كما يخشى العديد من الناس في هذه الأيام، فان القدرة على السلام، والرغبة به، هي أيضا كذلك.

_____________________

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسة الحكومة الأميركية

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي