مواطنون لهم حرية التعبير | الديمقراطية في العالم

27 نيسان/إبريل 2009

الفكر اللاعنفي عبر التاريخ الأميركي

 
الاحتجاجات اللاعنفية ضد حرب فيتنام في الستينات من القرن الماضي حذت حذو حركة الحقوق المدنية.
الاحتجاجات اللاعنفية ضد حرب فيتنام في الستينات من القرن الماضي حذت حذو حركة الحقوق المدنية.

التقاليد الفكرية للفكر والعمل اللاعنفي، ذات الجذور في أوروبا القرن السادس عشر، تطوّرت في الولايات المتحدة في القرنين التاسع عشر والعشرين ثم انتقلت من هناك إلى آسيا وأفريقيا.

آيرا تشيرنوس أستاذة في الدراسات الدينية في جامعة كولورادو في بولدر، وهي مؤلفة كتاب "اللاعنف الأميركي: تاريخ فكرة".

عندما يُقرّر الناس إحداث تغيير اجتماعي، عليهم أن يقرروا ما إذا كانوا سيستخدمون العنف لتحقيق غاياتهم. بعض الذين يختارون اللاعنف قد لا يكون لديهم اعتراض على العنف من حيث المبدأ. إنهم يعتقدون فقط ان العنف لن ينجح في تحقيق أهدافهم، أو يخشون التعرّض للأذى، أو ليس بمقدورهم إقناع الآخرين بالانضمام إليهم في العمل العنيف. فاللاعنف بالنسبة لهم هو عمل ملائم وسهل، أو هو ما يسمى باللاعنف العملي.

لكن عبر القرون، كان هناك العديد مِمّن كان بإمكانهم تحقيق أهدافهم عبر العنف، أي توفرت لديهم الوسائل والشجاعة والقوة لممارسة العنف، لكنهم قرروا بكل حرية عدم اللجوء إليه مهما كانت الظروف. لقد اتّبعوا طريق اللاعنف المبدئي. ومع ان الكثيرين ألهمهم تبنّي اللاعنف المبدئي لأسباب عاطفية او ثقافية، إلاّ أنهم تأثروا أيضاً بالتقاليد الثقافية الغنية التي تُقدّم حججاً منطقية لمُناصرة اللاعنف.

التقليد الفكري ينساب كما لو كان تيارا تحت الأرض عبر مجمل التاريخ الأميركي. فجذوره تعود إلى المسيحيين المؤمنين بتجديد المعمودية في أوروبا القرن السادس عشر، وهي الحقبة التي بدأت فيها المسيحية البروتستانتية. كان هؤلاء المسيحيون القائلون بتجديد المعمودية ينبذون العنف لأنهم التزموا البقاء منفصلين عن المجتمع السائد الرئيسي ونزاعاته المتعددة. وقد أتى بعض المتحدّرين منهم إلى الولايات المتحدة حيث أسسوا ما عُرف بكنائس السلام التاريخية.

جاءت المُساهمة الأميركية المُميّزة عندما قرر مسيحيون آخرون، كانوا منخرطين بعمق في نزاعات المجتمع، السعي وراء التغيير السياسي والاجتماعي عن طريق استخدام وسائل لاعنفية فقط. بدأت هذه العملية أيام الاستعمار، قبل أن تُعلن الولايات المتحدة استقلالها عن بريطانيا، بين أعضاء جمعية "الأصدقاء" المعروفة بالكويكرز. قاد التزام هؤلاء باللاعنف بعضاً منهم إلى معارضة دفع ضرائب الحرب، واسترقاق الأميركيين الأفارقة، واضطهاد وتهجير الشعوب الأميركية الأصلية. لكن الكويكرز كانوا بالدرجة الأولى مجموعة دينية قادتها معتقداتها إلى اللاعنف.

نقطة التحوّل الكبرى جاءت في العشرينات والثلاثينات من القرن التاسع عشر عندما بدأت مجموعة تنتمي إلى خلفيات دينية مختلفة تُطالب بإلغاء الاسترقاق في الولايات المتحدة . كان هؤلاء المطالبون بالإلغاء جميعهم تقريباً من المسيحيين، ولم يكونوا جميعهم مُلتزمين السعي وراء أهدافهم بوسائل لاعنفية. لكن الملتزمين منهم شكلوا أول مجموعة حول هدف التغيير السياسي الاجتماعي ثم اختاروا اللاعنف كوسيلة لهم. كانوا يؤمنون بالله الحاكم الأسمى للكون. لذلك، قالوا انه لا يجوز مطلقاً لأي إنسان أن يُمارس سلطة على إنسان آخر. وعلى هذا الأساس شجبوا الاسترقاق. لكن لمّا كان العنف دائماً هو الطريق لممارسة السلطة، فقد انقادوا بصورة منطقية إلى نبذ العنف أيضاً.

هذا الخط من التفكير نفسه كان له تأثير على كاتب المقالات الكبير هنري ديفيد ثورو، فجعله يدخل السجن بدلاً من دفع الضرائب لحكومة كانت تدعم الحرب والرق. ففي مقالته الشهيرة سنة 1849، "العصيان المدني"، شرح ثورو انه لن يُطيع أبداً قانوناً ظالماً بصرف النظر عن العقوبة التي سوف يتلقاها، لأن على الناس إتباع ضمائرهم بدلاً من أن يتبعوا كل مطالب الحكومة دون اعتراض. كان هدف ثورو الرئيسي الحفاظ على فضائله الأخلاقية الخاصة وحريته في التصرف وفقاً للحقيقة كما يراها هو. لكنه أشار أنه لو كان هناك عدد كاف من الناس الذين يرفضون إطاعة القوانين الظالمة، فسوف يكون بإمكانهم "تعطيل آلة" الدولة.

تولستوي وغاندي

ألقى وندل فيليبس، المُنادي بإلغاء الاسترقاق، خطاباً ضد العبودية في مجلس عموم بوسطن في نيسان/إبريل 1851.

كتابات المنادين بإلغاء الاسترقاق، كما كتابات ثورو، ألهَمَتْ الكاتب الروائي الروسي الكبير ليو تولستوي الذي أصبح مدافعاً غيوراً عن اللاعنف المسيحي. فقد ساعدت كتاباته، بدورها، في صياغة أفكار أعظم نشطاء اللاعنف على الإطلاق، وهو زعيم الحركة الاستقلالية الهندية، مُهنداس ك. (المهاتما) غاندي. وفي القرن العشرين، انتقلت أفكار تولستوي وغاندي إلى الولايات المتحدة وألهمت العديد من الأميركيين الذين لم يعرفوا في معظم الأحيان أن الكثير من نظرية اللاعنف قد انطلقت أصلاً من بلدهم.

كان اللاعنف بالنسبة لغاندي مسألة نيّة أكثر مما كان سلوكاً فعلياً. فقد عرّف "العنف" على انه النيّة لإكراه إنسانٍ آخر على عمل شيء لا يريد الآخر أن يفعله. الأعمال اللاعنفية، مثلها مثل المقاطعة، والحصار، وعصيان القوانين قد تبدو انها إكراهية، لكن إذا مورست بروح اللاعنف الحقيقية، تكون مجرد طرق لإتباع الحقيقة الأخلاقية كما يراها المرء. كما أن الذين يمارسونها يتركون للآخرين حرية الاستجابة لعملهم بالطريقة التي يختارونها. يقول أحد أتباع اللاعنف على طريقة غاندي، وبنفس روحية ثورو، "أنا أقوم بما أشعر ان علّي ان أقوم به. والآن، بإمكانك أنت أن تفعل ما تشعر ان عليك القيام به. بإمكانك سجني، وضربي، أو حتى قتلي. لكن ليس باستطاعتك سلبي حريتي أو حرماني من أن أكون صادقاً مع ضميري".

أعترف غاندي بأنه كان يدعو الناس إلى العمل حسب نظرتهم الشخصية إلى الحقيقة. فما من أحد يمكنه معرفة كل الحقيقة، كما كان يقول، وعلينا أن نكون منفتحين تجاه إمكانية أن نرى لاحقاً اننا كنا على خطأ. ولهذا السبب لا يجوز أبداً ان نهدف إلى فرض وجهات نظرنا على الآخرين. لكن يجب أن نتخذ لأنفسنا موقفاً ثابتاً، وحتى لغاية الموت، حول الحقيقة حسبما نراها الآن. عندها فقط يمكننا الاكتشاف بأنفسنا ما هي الحقيقة في أي حالة مُعيّنة من الحالات.

وطالما ان اللاعنف المبدئي يعني عدم الإكراه، فان الناس الملتزمين باللاعنف يؤمنون بأنهم لن يحاولوا أبداً جعل وضعٍ ما يتحول إلى الطريقة التي يريدونها. انهم لا يعملون لأغراض أنانية ولكن لصالح العالم أجمع كما يرونه. فالواقع، وفقاً لغاندي، ان هؤلاء الناس يجب ان لا يقلقوا أبداً بشأن نتيجة أعمالهم. عليهم مجرد التأكد بأنهم يقومون بعمل الشيء الصحيح أخلاقياً في كل وقت. فاتباع الحقيقة الأخلاقية هي في آنٍ واحد الوسيلة والهدف للاعنف، فالعملية الصحيحة تكون هي الهدف. لذا، لا يجوز الحكم على اللاعنف من خلال قدرته على إعطاء نتائج.

أشهر مُناصر للاعنف في الولايات المتحدة كان د. مارتن لوثر كنغ جونيور، المتحدث الكبير باسم الحقوق المدنية للأميركيين الأفارقة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. اتفق كنغ مع غاندي على ان أعمال اللاعنف يجب اتخاذها دائماً بسبب الهواجس المتعلقة برفاهية جميع الناس، بمن فيهم الظالمون والمستبدّون. فأعلن يقول، "إننا عالقون في شبكة لا مفر منها من التآزر المشترك، ونحن مرتبطون في ثوب واحد من المصير. فكل ما يصيب الواحد مباشرة، يُصيب الجميع بصورة غير مباشرة".

ولكن، خلافاً لغاندي، كان كنغ يعير اهتماماً لنتائج أعماله. كان يحكم على استراتيجيات حركة الحقوق المدنية ليس حسب قيمتها الأخلاقية الداخلية فحسب، بل وأيضاً حسب فعاليتها في إنهاء التمييز ضد الناس السود. كان يريد إثارة النزاع وتحقيق انتصارات سياسية.

لكن طالما كان يعمل المرء بطريقة لاعنفية في سبيل العدالة والمساواة، كما قال كنغ، فان النزاع سوف يثمر عدالة وسلاماً أكثر لكل إنسان. وهكذا، كان يرى انه ما من تضارب بين نجاح الفرد وفائدة المجتمع: "نحن في وضع محظوظ يلتحم فيه أعمق شعورنا الأخلاقي مع مصلحتنا الذاتية". ويضيف، حتى وعندما لا تنتج أعمالنا اللاعنفية المواجهات والضغوط، وطالما كانت دوافعنا هي الحب غير الأناني المُقدّم بالتساوي لطرفي النزاع، فإننا نعمل لأجل خلق الانسجام بين الطرفين وتحسين حياة الجميع. كان غاندي سيوافق على هذه النقطة بكل تأكيد.

نتائج اللاعنف

أثبتت حركة الحقوق المدنية ان بإمكان اللاعنف تحقيق النتائج إذا اختار المرء الحكم عليها حسب هذا المعيار. في الستينات من القرن الماضي، قامت حركة اللاعنف لإنهاء حرب فيتنام، والتي استلهمت إلى حد كبير عملها من نجاحات نشطاء حركة الحقوق المدنية، بلعب دور هام في إقناع الحكومة الأميركية بسحب قواتها من فيتنام.

حتى الستينات من القرن الماضي، كانت المعتقدات الدينية المسيحية هي التي تُحرّك معظم الأميركيين الذين التزموا مبدأ اللاعنف. لكن حركة الاحتجاج على حرب فيتنام جاءت بالكثيرين ممن لم يكونوا مسيحيين. فقد نمت بصورة ملحوظة "زمالة السلام اليهودية" (التي تأسست سنة 1941). كما قامت حركة سلام بوذية ناشئة كانت تسير حسب تعاليم ثيتش نهات هان، ولاحقاً، الدالي لاما.

لقد اجتذب اللاعنف أعداداً أكبر من الأميركيين الذين ليست لهم انتماءات دينية. كانوا يجدون الإلهام في كتابات باربرا ديمينغ، المناصِرة لحقوق المرأة. فقد كتبت ديمينغ ان اللاعنف هو بالضرورة قسري. لكنه لا يجبر الناس سوى على التوقف عن فعل الأشياء التي ليس لهم حق أخلاقي في فعلها. فهو لا يمس حرية الناس في فعل أي شي لهم الحق بفعله. وهكذا، فان اللاعنف هو أكثر طريقة فعالة لإجراء تغييرات اجتماعية وسياسية دائمة لأنه الأقل احتمالاً في استعداء الناس الذين يجبرون على التغيير.

منذ ستينات القرن الماضي، شهدت الولايات المتحدة اهتماماً متنامياً باللاعنف المبدئي المطبق في عدة قضايا سياسية، وان كان لا يزال لا يضم سوى أقلية صغيرة جداً من الناس الملتزمين به.

لقد ساعدت الحركات اللاعنفية في الولايات المتحدة أيضاً في بروز الكثير من الحركات المشابهة لها حول العالم. وحققت هذا الحركات تحسينات كبرى في الظروف المعيشية للناس، وعلى وجه الخصوص، في قلب الأنظمة الاستبدادية التي كانت قائمة في أوروبا الشرقية والفيليبين. وساعد نشطاء اللاعنف في إنهاء النزاع الطويل والمرير في أيرلندا الشمالية، وغواتيمالا، وتيمور الشرقية، من جملة أماكن أخرى. والحركة نشطة الآن على عدة جبهات في مناطق النزاعات حول العالم. تقف الولايات المتحدة اليوم، غير النظرة الطويلة للتاريخ، في وسط عملية جارية للتغيير الاجتماعي والسياسي اللاعنفي.

____________________

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الأميركية.  

 

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي