27 نيسان/إبريل 2009

بقلم ديفيد تالبوت
أظهر انتصار أوباما في انتخابات العام 2008 ان الأدوات القائمة على شبكة الانترنت للتبرّع بالمال ولحشد جهود أعداد كبيرة من المتطوعين يُمكنها أن توفّر قوة خارقة.
ديفيد تالبوت هو مراسل رئيسي لمجلة تكنولوجي ريفيو.
أظهرت الانتخابات الرئاسية الأميركية سنة 2008 القوة الهائلة للشبكات الاجتماعية القائمة على شبكة الإنترنت في إحداث التغيير.
في عامي 2007 و 2008، استخدمت حملة باراك أوباما السياسية شبكة الانترنت استخداماً واسعاً جداً، فأنشأت نقاط اتصال للمؤيدين كي يقوموا بتنظيم أنفسهم، والتبرّع بالمال، ونشر التوعية حول قضايا محددة، مثل إصلاح العناية الصحية والاتصال بالناخبين. وتمّ ذلك على نطاق لم يتعد كل ما حصل خلال الانتخابات السابقة فحسب بل وتخطّى أيضاً عمليات منافسي أوباما على الإنترنت، أي السناتور جون ماكين في الانتخابات العامة، وقبله، السناتور هيلاري رودام كلينتون في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي.
شكلت إستراتيجية حملة أوباما على شبكة الإنترنت تطوراً طبيعياً لجذوره كمنظم للمجتمعات المحلية في شيكاغو، كما استفادت الحملة من الاهتمام الجديد الواسع الذي أحاط بالشبكات الاجتماعية القائمة على شبكة الانترنت بوجه عام.
خلال السنوات الأخيرة، اندفع مئات الملايين من الناس حول العالم نحو المواقع الإلكترونية للشبكات الاجتماعية مثل ماي سبايس، وفايسبوك، وهاي 5، وأوركوت، حيث وجدوا انها توفر طرقاً شديدة القوة والبساطة للاتصال بالأصدقاء، وتنظيم المجموعات، ومشاطرة الهوايات، والانخراط في القضايا المشتركة. وقد رسّخت حملة أوباما وجودها داخل بعض هذه المواقع، من بينها، على وجه التخصيص، موقع فايسبوك، الذي تضمن شبكة هائلة من مؤيدّي أوباما.
غير ان الأهم من ذلك هو أن الحملة خلقت لنفسها موقعاً خاصاً لشبكتها الاجتماعية يدعى my.barackobama.com، أو ماي بو (MyBo) للاختصار. تمّ تصميم هذا الموقع طِبقاً للحاجة المرجوة منه على يد شركة خاصة تدعى بلو ستيت ديجيتال (Blue State Digital) مقيمة في واشنطن العاصمة. جاءت النتائج مُثيرة للإعجاب حقاً. فقد جمعت حملة أوباما 500 مليون دولار من التبرعات على الانترنت من أكثر من 3 ملايين فرد. وبفضل موقع ماي بو، كما بفضل إستراتيجيات أخرى، من بينها الطلب من الناس خلال اجتماعات الحملة الحاشدة بأن يرسلوا عناوينهم الإلكترونية في رسائل نصية إلى مركز الحملة، فقد تمكن أوباما من إنشاء جيش هائل من المتطوعين على شبكة الانترنت. وعند نهاية الحملة، كان قد أصبح لديه قائمة تضم 13 مليون مؤيد، مع عناوين بريدهم الإلكتروني. وشكّل هذا إنجازاً ضخماً جداً.
وفرة من الخيارات
كانت السمّة المُميزة لموقع ماي بو البساطة والتركيز المتواصل على حثّ الزوار للقيام بما يساعد الحملة. فلدى زيارتك ماي بو، كانت تظهر أمامك تشكيلة متنوعة من الخيارات. كان بوسعك الضغط على زر للحصول على استمارة للتبّرع بالمال. وكان بوسعك الضغط على زر آخر لتنظيم حفلة صغيرة لأوباما في منزلك، وإنزال منشورات الحملة من الكمبيوتر لتوزيعها على أصدقائك وجيرانك خلال الحفلة.
وفي حال لم تكن راغباً في استضافة مثل هذا الحدث، كان بوسعك العثور على حدث على مقربة من منزلك عن طريق مراجعة خرائط غوغل التي تظهر إشارات رمزية تبيّن الاجتماعات المتوفرة. عندما تضغط على أي من هذه الرموز يصبح بوسعك الحصول على عنوان ومعلومات الشخص المسؤول عن الاتصالات. وكان بإمكانك أيضاً بذل جهودك الخاصة لجمع الأموال للحملة وإشراك أصدقائك ومعارفك في بلوغ الأهداف التي ترسمها أنت.
وتمكنت جهود جمع الأموال للمؤيدين الموجهين ذاتياً، ضمن موقع ماي بو، من جمع 30 مليون دولار من 70,000 فرد. هذا الجزء من جمع الأموال لم يكن يتطلب، عملياً، أية جهود من العاملين في حملة أوباما مما حررهم للقيام بمهمات أخرى.
بعد إعطاء عنوانك الإلكتروني للحملة، كنت تتلقى رسائل من الحملة، موقّعة أحياناً من زوجة أوباما، ميشال، أو حتى من نائب الرئيس السابق آل غور، الذي خسر الانتخابات الرئاسية سنة 2000 ضد جورج دبليو بوش لكنه فاز بجائزة نوبل للسلام لجهوده في مجال الاحتباس الحراري العالمي. هذه الرسائل كانت تطالب الناس بأداء وظائف مُعيّنة مفيدة للحملة آنذاك، وربما الاتصال بالناخبين المترددين في ولايات هامة جداً مثل أوهايو وبنسيلفانيا حيث كانت اتجاهات الانتخابات متقاربة جداً ولا يمكن توقع نتائجها.
وقامت الحملة بتعبئة الناس على أساس جغرافي أيضاً، مثلاً، عن طريق تزويد أعضاء موقع ماي بو بقوائم الناس الذين يقطنون على مقربة منهم والذين لم يسجلوا أسماءهم للتصويت، مع تعليمات للاتصال بهم وتسجيلهم. كما كانت الحملة تطلب من قدامى المحاربين الذين أيدّوا أوباما التطوع للقيام باتصالات هاتفية. كما تمّ تزويد هؤلاء المتطوعين بقوائم أرقام الهواتف لقدامى المحاربين، عبر شبكة الإنترنت، للاتصال بهم في الولايات حيث كانت المنافسة شديدة. الاهتمام بقدامى المحاربين أصبح هاماً بنوع خاص لأن أوباما، الذي لم يخدم أبداً في صفوف الجيش، كان يواجه جون ماكين، المحارب القديم في حرب فيتنام الحائز على وسام وأسير الحرب السابق.

قواعد بيانات متعددة الوظائف
إنّ إتاحة الوصول إلى قواعد بيانات هائلة حول الناخبين الأميركيين جعلت أدوات شبكة الانترنت هذه أقوى بكثير. فقد سبق لكل من الحزبين الديمقراطي والجمهوري ان أنفقا منذ زمن طويل موارد ذات شأن لوضع قوائم دقيقة جداً بأسماء كل ناخب في الولايات المتحدة، إلى جانب أية بيانات يتم جمعها حول الناخب (بصورة رئيسية عبر مقابلات على الهاتف كان يقوم بها متطوعو مختلف الحملات طيلة سنوات). كانت هذه تتضمن معلومات أي حزب سياسي يُفضّله الفرد، سواء كانوا من المؤيدين الأقوياء لذلك الحزب أم فقط من الميّالين إليه، وما هي القضايا التي تحوز على اهتمامهم بوجه خاص.
احتفظ كل حزب بقواعد بيانات خاصة به، وكان الجمهوريون تقليدياً أكثر انضباطاً وتنظيماً بالنسبة لحفظ قواعد بياناتهم على المستوى القومي. ولكن بين 2006 و2008، تمّ تحسين قاعدة البيانات الديمقراطية على يد شركة تدعى فوتر أكتيفيشن نتوورك (فان)، Voter Activation Network (VAN)، القائمة في سُمرّفيل بولاية مساتشوستس. ربطت شركة فان، المتعاقدة مع اللجنة القومية الديمقراطية، قواعد البيانات من 50 ولاية أميركية مع بعضها، وبنت طرقاً بسيطة لكي يصل المؤيدون إلى البيانات بطرق محدودة ومضبوطة عبر الشبكة. وهكذا، أصبحت ماي بو، كما مواقع المرشحين الديمقراطيين الآخرين في سباقات انتخابية أخرى، مرتبطة بقاعدة البيانات المُحسّنة هذه بطرق قوية جداً.
نتيجة لذلك، وعندما أصبح باراك أوباما مرشح الحزب الديمقراطي، كان بإمكان أي متطوع عادي، سواء كان يقوم بتسجيل نفسه على موقع ماي بو، أو يتصل بالموقع من خلال المرشحين الديمقراطيين الآخرين، أو يتصل بالموقع من خلال الموقع الخاص للجنة القومية الديمقراطية، الضغط على زرّ لإنزال وطبع مجموعات صغيرة من أسماء وأرقام هواتف الناخبين من قاعدة بيانات فان. وبالترافق مع هذه القائمة كان يتوفر نص يسأل الناخبين عن آرائهم واستمارة على شبكة الإنترنت لتسجيل أجوبتهم عليها.
أُجريت ملايين الاتصالات من المؤيدين العاديين خلال الحملة التمهيدية. بالإضافة إلى ذلك سمحت أدوات ماي بو للمتطوعين إنزال استمارات تسجيل الناخبين، المُصممة خصيصاً لكل ولاية أميركية، كما قد تدعو الحاجة، وكانت هذه الاستمارات للأشخاص الموجودين على قاعدة البيانات المعروف انهم غير مُسجلين لكنهم على الأرجح من مؤيدي أوباما استناداً إلى المعطيات الديموغرافية.
استخدام حملة أوباما لقاعدة البيانات بمثل هذه الفعالية، وعلى هذا النطاق الهائل، خلال عملية الانتخابات الرئاسية التمهيدية المتحركة بسرعة، ساعده على الفوز في عملية ترشيح الحزب الديمقراطي له. هذه الاتصالات بالناخبين، التي جعلتها أدوات الشبكة ممكنة، جرت أيضاً على نطاق واسع جداً خلال الانتخابات العامة في تشرين الثاني/نوفمبر، عندما واجه باراك أوباما جون ماكين. لكن الإستراتيجية كانت تتغير حسب الحاجة. مثلاً، خلال الأيام الأربعة الأخيرة للحملة، وجه متطوعو ماي بو 3 ملايين اتصالاً بالناخبين، للتأكد بالدرجة الأولى من ان المسجلين منهم سيقترعون، ومن ان الذين يفضلون أوباما فعلاً قد خرجوا من منازلهم وصوتوا.
يقول جاشا فرانكلن – هودج، أحد مؤسسي ورئيس قسم التكنولوجيا في شركة بلو ستيت ديجيتال، ان نطاق كافة هذه العمليات تجاوز أي شيء جرى في أي حملة أخرى. شملت حملة أوباما الإلكترونية ليس موقع ماي بو وحسب، بل وأيضاً الدعم القوي الذي وفرته أدوات وسائل الأعلام الجديدة الأخرى، بدءاً من الرسائل النصية عبر الهواتف الجوالة ووصولاً إلى فيديوهات اليوتيوب. فقد أمضى الناس 14 مليون ساعة يشاهدون شرائط الفيديو المتعلقة بحملة أوباما على اليوتيوب، لما مجموعه 50 مليون مشهد. وكان لأوباما أكثر من 3.4 مليون مؤيد على فايسبوك، أي ستة أضعاف ما كان لماكين.
إستراتيجية متواصلة
كيف سيستخدم الرئيس باراك أوباما كل هذه الموارد الآن بعد أن تولى منصبه؟ فبفضل كافة الاتصالات التي أُجريت بالناخبين، والتي قام بها المتطوعون الذين يعملون على شبكة الانترنت، أصبح الحزب الديمقراطي يمتلك الآن عشرة أضعاف البيانات حول الناخبين الأميركيين عما كان يمتلكه قبل أربع سنوات فقط. يمكن استخدام هذه المعلومات ليس فقط في الانتخابات المستقبلية لتحسين طريقة تنظيم المؤيدين حول قضايا مُعيّنة لأجل إحداث التغيير، بل أيضاً، وبصورة محتملة، للمساعدة في انخراط الأميركيين العاديين في الكفاح من أجل سياسات حكومية جديدة.
لكنه ليس من الواضح إلى أي حدّ سوف يتمكن الحزب الديمقراطي، أو منظمات حملة أوباما من خارج البيت الأبيض، من الاستفادة من قاعدة بيانات الناخبين أو من قائمة أوباما لعناوين البريد الإلكتروني التي تضم 13 مليون عضو لمساعدته في تحقيق برنامج عمله. في اليوم الذي أعقب فوزه في الانتخابات، أطلق فريق أوباما الانتقالي موقعاً جديداً على الشبكة http://www.change.gov. طلب الفريق الانتقالي، عبر هذا الموقع، من الناس التعليق على القضايا السياسية وبث فيديوهات لمرشحيه للمناصب الوزارية، وثم قام بتزويد الأجوبة على هذه التعليقات عبر اليوتيوب. ونشر الفريق الانتقالي على هذا الموقع أيضاً أسماء وأوراق الآراء للمجموعات التي تحاول الضغط على الفريق، وأطلقوا مزية "منفتحون على الأسئلة" حيث يستطيع الزائرون من خلالها الكتابة والتصويت على أسئلة موجهة إلى إدارة أوباما: في أسبوع واحد من شهر كانون الأول/ديسمبر، كان حوالي 20,000 فرد قد طرحوا 10,000 سؤال وأدلوا بمليون صوت حولها.
لكن، في يوم تولي الرئيس المنتخب منصبه (20 كانون الثاني/يناير)، أقفلت إدارة أوباما موقع www.change.gov، وأطلقت النسخة الجديدة من الموقع الرئاسي الاعتيادي www.whitehouse.gov. وبحلول أواخر كانون الثاني/يناير، لم يكن لدى هذا الموقع سوى عدد قليل من المزايا المتفاعلة، لكنه بدأ بنشر نصوص أوامر أوباما التنفيذية مع الوعد بأن أية تشريعات غير طارئة سوف تنشر على الموقع لمدة خمسة أيام، ومع توفير مزية يتمكن الجمهور من خلالها إضافة تعليقات قبل أن يعمد الرئيس أوباما إلى توقيع التشريع ليصبح قانوناً. وفي حين لم يُعرف حتى الآن أية مزايا إضافية سوف تضيفها الإدارة، فقد وعدت حملة أوباما باستخدام الشبكة لتزويد الملفات التي يمكن البحث فيها بسهولة عن الإنفاق الحكومي والنشاطات الأخرى، وكذلك القيام ببث المزيد من الاجتماعات العامة على الشبكة. وكان أوباما قد أنشأ عنواناً للفيديوهات على اليوتيوب، إضافة إلى التقليد المُتبع منذ عقود في البيت الأبيض بتوجيه كلمة أسبوعية عبر الإذاعة.
من غير المُرجّح أن تتجاهل أية حملة سياسية في المستقبل، أو أية حملة واسعة النطاق للتغيير الاجتماعي أو لمُناصرة قضايا أخرى، دروس العام 2008. من الممكن التوقع بأن يرد الجمهوريون بقوة خلال انتخابات الكونغرس سنة 2010 وخلال انتخابات الكونغرس والانتخابات الرئاسية سنة 2012.
أظهر انتصار باراك أوباما ان التنظيم المستند إلى شبكة الانترنت بإمكانه تحويل الناس العاديين إلى قوة تنافس المؤسسات التقليدية ومراكز القوة. وفي الواقع أن هذا الدرس أصبح يؤخذ بعين الاعتبار حول العالم. فقد فتحت شركة بلو ستيت ديجيتال مكتباً لها في لندن لتوسيع عملياتها، كما ان موقع فان أصبح يتلقى العديد من الاتصالات من الخارج. وسوف تكون هناك تحركات مماثلة لدى بائعي قواعد البيانات الميالين إلى الحزب الجمهوري.
من الواضح ان السياسة لن تكون هي نفسها بعد الآن. سنة 1992، اعتاد مدير الحملة تذكير المرشح الرئاسي الديمقراطي، بيل كلينتون، بالموضوع الأهم في الحملة: "إنه الاقتصاد، يا غبي". والآن، حسب قول جو تريبّي، العامل الناشط في الحملات الديمقراطية منذ مدى طويل: "إنها شبكة الانترنت، يا غبي".
__________________
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الأميركية.