27 نيسان/إبريل 2009

بقلم كلاي شيركي
أدوات الاتصالات الجديدة البسيطة تقوم بإزالة العوائق بوجه العمل الجماعي للناس العاديين، وبذلك تُغيّر العالم.
كلاي شيركي هو مستشار وكاتب حول التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية لتكنولوجيات الإنترنت كما يُدرّس في جامعة نيويورك. أحدث كتبه يحمل عنوان: "هنا يأتي الجميع: قوة التنظيم دون منظمات."
يوم الاثنين، 27 آذار/مارس 2006، فاجأ طلاب ثانوية في لوس أنجلوس المُدرّسين والإداريين بتنظيم انسحاب من المدرسة احتجاجاً على القانون رقم HR4437، وهو قانون كان قُدم إلى الكونغرس يقترح اتخاذ إجراءات صارمة ضد المهاجرين غير القانونيين. لم يُشكِّل هذا التحرك انسحاباً اعتيادياً حيث أن عشرات الآلاف من طلاب المدارس في جميع أنحاء المدينة قد شاركوا فيه. استلهم الطلاب المنسحبون من المدارس، المتحدرون من أصول إسبانية في معظمهم، هذا العمل من احتجاج قام به راشدون في مجتمعهم الأهلي قبل يومين فقط. وهكذا خرج العديد من الطلاب من مدارسهم وانطلقوا إلى مركز البلدية حيث كانوا يوقفون حركة السير وهم في طريقهم، ما أدى إلى استعراض عام بارز جدا في سبيل قضيتهم.
كان للاحتجاج عدة مظاهر ملحوظة، بدءاً بحجمه حيث شارك فيه عشرات الآلاف من الناس الذين مارسوا سوية عملاً سياسياً مُنسّقاً. أما تنسيق مثل هذا الأمر في مواقع جغرافية متعددة وفي نفس الوقت، فإنه عمل يصعب تحقيقه. وما هو أصعب منه جعل طلاب المدارس الثانوية يقومون بذلك، علماً أن معظمهم لم يصلوا بعد إلى السن الذي يسمح لهم بالمشاركة في الاقتراع. والأصعب من كل ذلك هو اشتراك المهاجرين الذين قد لا يكونوا قادرين أبدا على المشاركة في الاقتراع أبدا. والأمر المدهش دون شك هو قدرة هؤلاء الطلاب على تنفيذ هذا الاحتجاج دون معرفة إدارات مدارسهم، إذ أن إبقاء هذا الأمر سراً مكتوماً بين 30 ألف شخص لم يكن يوماً إنجازاً قليلاً على الإطلاق. أما القيام بكل ذلك خلال 48 ساعة فكان لا بد أن يكون أمراً مستحيلاً. والواقع أنه كان مستحيلاً حدوثه حتى منذ سنة واحدة.
الأمر الذي ساهم في حصول هذا الاحتجاج السريع، والسري، والهائل كان تبني أدوات اتصالات جديدة، وبالأخص موقع "ماي سبيس" (الموقع الإلكتروني للشبكة الاجتماعية المتفاعلة) ورسائل SMS (الرسائل النصيّة عبر الهاتف). كان باستطاعة الطلاب الذين كانوا مسلحين بهذه الأدوات التنسيق مع بعضهم البعض، وليس مجرد التنسيق بين شخص وآخر، بل بين مجموعات كذلك. وبنفس الأهمية تقريباً، كان وصول الرسائل المتبادلة إلى الناس المعنيين بالأمر، أي الطلاب الآخرين، دون أن تصل إلى الإداريين في المدارس.
لكن ما جعل الاحتجاج المدرسي ممكناً لم يكن متماثلاً مع جعله يحدث. والأمر الذي جعله يحدث كان شعوراً سياسياً حقيقياً: كانت لدى الطلاب رسالة يرغبون في التعبير عنها سوية وبصورة علنية. موقع "ماي سبيس" والرسائل النصيّة أدّت إلى تقوية وقع تلك الرسالة من خلال منح أصحاب الرسائل قدرات لم يكونوا يملكونها في السابق. لكن الرسالة بحد ذاتها، أي المطالبة بالمشاركة السياسية في تقرير سياسة الهجرة، كانت شأناً مستقلاً عن الأدوات.
رغم أن بعض الأفكار المثالية الأولى حول أدوات الاتصالات الجديدة كانت توحي بأننا متوجهين إلى نوع من الجنة التي تعقب انهيار سلطة الهيكلية الهرمية، فإن ذلك لم يحدث اليوم، وهو لن يحدث في المستقبل. ولم تختف أي من الميزات المطلقة التي تتمتع بها وسائل الإعلام المحترفة الواسعة الانتشار. بدلاً من ذلك، فإن ما حصل كان غياب معظم الميزات النسبية التي تتمتع بها هذه المؤسسات المحترفة، وذلك بالنسبة إلى وسائل الإعلام التي يسيطر عليها المواطنون مباشرة.
القصة هنا تتعلق بالقدرة الجديدة للمجموعات غير المنسقة على تحقيق نوع الأهداف التي كانت تتقاسمها دائماً مثل هذه المجموعات. بني البشر مخلوقات اجتماعية، وليس عرضياً او بالصدفة، بل على الدوام، والمجتمع ليس مُنتَجاً يخلقه أفراده، إنه منتج تخلقه المجموعات التي يتكون منها أيضاً. وكلما تمكنّا من تحسين قدرة المجموعة على التواصل مع بعضها البعض فإننا نغير الأشياء التي يستطيعون تنفيذها سوية.
الكلام هو عمل من أعمال النشر
يمكننا ملاحظة تلك التغييرات في العلاقة المتبدلة بين المواطنين ووسائل الإعلام: فالقول المأثور القديم إن حرية الصحافة موجودة فقط لدى أولئك الذين يملكون صحيفة هي التي تبيّن أهمية الإنترنت والهواتف الجوالة. ففي عالم المعلومات الرقمية، يكون الكلام هو النشر، والنشر على شبكة الإنترنت هو فتح إمكانية الاتصال مع الآخرين. ومع وصول وسيلة تصبح من خلالها عمليات إجراء الاتصالات بين الأشخاص، والبث العام، والتنسيق الاجتماعي متداخلة ببعضها البعض، تصبح حرية الكلام، وحرية الصحافة، وحرية التجمّع تقوم بنفس الشيء كذلك.
مع مزج عناصر التحدث، والبث العام، والعناصر الاجتماعية سوية في وسيلة واحدة، نكون قد دخلنا عالماً تُشكِّل فيه كل أداة من أدوات الوسائل الإعلامية الرقمية مجتمعاً كامناً: فإن الناس المهتمين بأي جزء من الكتابة، أو الصورة، أو الفيديو سوف يكونون مهتمين في التحدث مع بعضهم البعض كذلك. والقدرة على مزامنة عدة مجموعات عبر وسائل اجتماعية واحدة تضيف مزية جديدة إلى وسائل الإعلام التقليدية. فهي لا تكون قد أصبحت مجرد مصدر للمعلومات فحسب، بل وأيضاً موقعاً للتنسيق. أما في حالة الانسحاب الاحتجاجي للطلاب من المدارس في لوس انجلوس، فقد زوّد موقع "ماي سبيس" مكاناً للطلاب لنشر معلومات حول القانون HR4437 (وظيفة بث)، وللتحدث مع بعضهم البعض مباشرة حول القانون (وظيفة اتصال)، ولاقتراح مسار للعمل المجتمعي (وظيفة تنسيق)، وكلها مجموعة في ميدان واحد.
إذا عبرنا عن ذلك وفق المصطلحات العسكرية، فإن وسائل الإعلام الرقمية يمكنها أن تخلق "وعياً مشتركاً"، أي الشعور ضمن المجموعة ليس بأن كل عضو فيها يفهم ماذا يحدث، بل وأيضاً يكون فيها هذا الفهم متشابهاً بين الجميع، وبصورة حاسمة أكثر، يكون كل عضو يفهم ذلك أيضاً. فالوعي المشترك هو إشارة مفيدة تسبق العمل المنسق، أما القدرة على خلق وعي مشترك فتتحسن مع وسائل الإعلام التي تنقل المعلومات في الوقت الحقيقي ومع وسائل الإعلام الجوالة.
هناك تطبيق حديث يُحسّن "الوعي المشترك" من خلال استعمال رسائل سريعة ورسائل عبر الهاتف الجوال، وهو موقع "تويتر"، أي تلك الخدمة التي تبث الرسائل القصيرة من هاتف او كمبيوتر شخصي إلى أي من أصدقائك المشتركين في خدمة "بث" تويتر. ومع انه من الممكن استعمال موقع تويتر لارسال أي نوع من الرسائل القصيرة، فإن هذه الخدمة نفسها تشير عليك استعمال تويتر للإجابة عن سؤال "ما الذي تفعله الآن؟"
ونتيجة ذلك، تكون معظم المحتويات على موقع تويتر في أي لحظة من اللحظات لا معنى لها. فيما يلي نموذج عشوائي للرسائل التي بثت على موقع تويتر بعد ظهر يوم خميس اخترناه عشوائياً أيضاً:
بول ديزمانغ: أنقل الأجهزة الكهربائية من مكان مستأجر إلى آخر
راديو بالمواين: كينغ ساني آد- أرقص، ارقص، ارقص

ليزاناي: إنني أعيش يوماً سيئاً فعلاً.
باتوراما: يبدو من المستحيل شراء قلم بريشة سوداء صنع فابركاستيل على شبكة الإنترنت. لكن أستطيع شراء مجموعة من عشرة. أعتقد أنه سوف تكون لدي أقلام إضافية.
العديد من هذه المواقع العامة لديها هذه النوعية- الرقص مع كينغ ساني آد، نقل الأجهزة الكهربائية، أيام سيئة– حيث من المحتمل أن يثير المحتوى المتوفر علناً اهتمام معظم المستعملين. وبما أن الكثير من المحتوى لا معنى له، فلا يعني ذلك ان كل المحتوى هو كذلك، كما يمكن ملاحظته من اتصال جرى عبر موقع تويتر من القاهرة عام 2007 (مع تحديد أوقات إرسال الرسالة).
علاء: أنا ذاهب إلى قاضي التحقيق مراد في الدقي الذي اتهمني مع منال بالتشهير (10:11 قبل الظهر، 4 نيسان/أبريل)
علاء: إني أنتظر قرار المحققين ومن المحتمل أن أُمضي الليلة في السجن (1:57 بعد الظهر، 4 نيسان/أبريل).
علاء: إننا ذاهبون إلى مركز الشرطة في الدقي (3:31 بعد الظهر، 4 نيسان/أبريل).
علاء: لم يكن يوجد في مركز الشرطة أي ضابط كبير ولذلك فنحن في حيص بيص (4:29 بعد الظهر، 4 نيسان/أبريل)
علاء: لن يطلق سراحنا من سجن الجيزة وعلينا العودة إلى مركز الشرطة في الدقي (7:59 مساءً، 4 نيسان/أبريل).
علاء: في طريقنا بالعودة إلى مركز الشرطة (10:25 مساءً، 4 نيسان/أبريل)
علاء: أصبحنا أحراراً (11:22 بعد الظهر، 4 نيسان/أبريل)
علاء، أو علاء عبد الفتاح، هو مبرمج مصري وناشط ديمقراطي ومدون إلكتروني يعيش في القاهرة. وهنا يوثق توقيفه، مع زوجته منال، في منطقة الدقي في القاهرة، وهي قصة انتهت بعد 12 ساعة بإطلاق سراحهما. أمر القاضي المصري عبد الفتاح مراد بتوقيف علاء في محاولة منه لوقف استعمال عشرات من مواقع الإنترنت في مصر على أساس ان هذه المواقع "تحقر القرآن والله، والرئيس، والبلاد". عندما بدأ المدونون المصريون المؤيدون للديمقراطية في تغطية أخبار أنظمة الرقابة المقترحة، أضاف القاضي مراد مواقعهم إلى لائحة المواقع التي كان يحاول منعها.
قلب الميزان
ماذا يقدم موقع مثل تويتر، الذي يكون وجهه العام لا معنى له إلى هذه الدرجة، إلى علاء عبد الفتاح والى ناشطين مصريين آخرين؟ وكما وصف عبد الفتاح موقع تويتر: "نستعمله للمحافظة على شبكة وثيقة من الناشطين الذين يكونون على علم بالإجراءات الأمنية خلال الاحتجاجات. ويقوم الناشطون بعد ذلك باستعمال موقع تويتر لتنسيق ردة الفعل." ولكون الناشطين المؤيدين للديمقراطية مراقبين بعناية كبيرة، فإن الموقع يسمح لهؤلاء إرسال الرسائل بالوقت الحقيقي وتنسيق المجموعة التي تساعد في قلب ميزان العمل لصالحهم.
أحد الاستعمالات المبكرة لموقع تويتر مكّن عبد الفتاح وحوالي عشرة آخرين من زملائه من تنسيق التحركات للإحاطة بسيارة كانت الشرطة تحتجز بداخلها صديقهم مالك، وذلك لمنع قطر السيارة وصديقهم. كانوا مدركين بأنهم مراقبون فأرسلوا لاحقاً رسائل توصي بأن عدداً كبيراً آخر من جماعتهم قادمون للانضمام إليهم. أرسلت الشرطة تعزيزات وأحاطت بالسيارة ومنعت تحركها. أبقى هذا العمل مالك في مكانه إلى أن وصل مراسلو الصحف وأعضاء من البرلمان إلى المكان. أدى التهديد بانطلاق دعاية سيئة إلى إطلاق سراح مالك وهي نتيجة كان من الممكن أن تكون صعبة التنسيق بدون موقع تويتر.
القدرة على تنسيق عمل المجموعات المشتتة سوف تستمر في التحسن: فالأدوات الاجتماعية الجديدة يستمر ابتكارها. لكن مهما بدت هذه الأدوات ثانوية، فان أية أداة تحسن الوعي المشترك أو التنسيق بين المجموعات يمكن إدخالها في الخدمة لمصلحة وسائل سياسية، لأن حرية العمل ضمن مجموعة هي سياسية بأساسها. والرسائل الاجتماعية المرسلة بصورة متزايدة من الصين إلى نيجيريا في الوقت الحقيقي تظهر لنا اننا نتبنى هذه الأدوات لتقوية قدراتنا ونعدل أدواتنا لتحسين تلك التقوية.
الأدوات الاجتماعية لا تقوم بخلق العمل الجماعي الآن. إنها ببساطة تزيل العوائق القائمة بوجه تنفيذ هذا العمل. كانت هذه العوائق ذات أهمية كبيرة ومنتشرة بشكل واسع، ولكن مع إزالتها بدأ العالم يتحول إلى مكان مختلف. هذا هو سبب استناد العديد من التغييرات ذات الشأن ليس على احدث ابتكارات التكنولوجيا واكثرها خيالاً فحسب، بل وأيضاً على أدوات بسيطة سهلة الاستعمال كالبريد الإلكتروني، والهواتف الجوالة، ومواقع الإنترنت. هذه هي الأدوات التي يستطيع معظم الناس الوصول اليها، وهي بدرجة حاسمة مريحة لاستعمال الناس في حياتهم اليومية. فالثورة لا تحصل عندما يتبنى المجتمع تكنولوجيات جديدة، لكنها تحدث عندما يتبنى المجتمع أنواعاً جديدة من السلوك.
__________________
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الأميركية.