03 ايلول/سبتمبر 2008
جون سوليفان وألكزاندر شكولنيكوف
جون سوليفان هو المدير التنفيذي للمركز الدولي لمشاريع الأعمال الخاصة (CIPE)، التابع لغرفة التجارة الأميركية. ألكزاندر شكولنيكوف مسؤول برامج في المركز الدولي لمشاريع الأعمال الخاصة. في ما يلي مقتطف من مقالهما حيث يوجزان تكاليف الفساد بالنسبة لشركات الأعمال والمواطن العادي على حدّ سواء. ظهر هذا النص أولاً في مقال "مكافحة الفساد: وجهات نظر القطاع الخاص والحلول"، في عدد أيلول/سبتمبر من "ايكونوميك ريفورم" (الإصلاح الاقتصادي)، وهي نشرة يصدرها المركز الدولي لمشاريع الأعمال الخاصة.
لماذا نكافح الفساد؟ في العديد من الاقتصادات، يكون طابع الفساد مترسّخا مؤسساتياً ويبدو أن التعامل معه على أساس يومي أكثر سهولة من مكافحته. لكن اعتبار الفساد مشكلة اقتصادية فيعني أن الفساد هو أكثر من مُجّرد سلوك خاطئ. فهو يعني أن الفساد، ولو أفاد عدداً قليلاً من الأفراد، مُكلف للمجتمع وللقطاع الخاص، وللحكومات على المدى الطويل، ويجب استئصاله لهذه الأسباب.
الموارد التي كان يمكن توجيهها نحو إنتاج السلع والخدمات، تُكرّس أحياناً كثيرة للفساد. يشمل ذلك الموارد المباشرة كالمدفوعات النقدية، وكذلك الموارد غير المباشرة، مثل التواصل المستمر مع الرسميين الحكوميين، أو إعطاء رخصة لعملية أو لإنتاج ما لشركة أقل فعالية. يُسيء الفساد أيضاً تخصيص الموارد التي كان يمكن استخدامها لتوفير الخدمات العامة. فبدلاً من أن تساهم رسوم التراخيص أو واردات الضرائب في تعزيز الموازنة، فإنها تستقر بكل بساطة في جيوب موظفي الحكومة الفاسدين. ولا تُستخدم الموارد أيضاً بالطريقة الأكثر فعالية لأن الشركات التي تحصل على العقود الحكومية لا تكون بالضرورة الشركات الأكثر فعالية، بل تلك التي تملك العلاقات الأوثق مع الحكومة.
في الأنظمة الفاسدة، كثيراً ما يُولّد المشرعون سياسات وأنظمة لا تهدف إلى تحسين الاقتصاد بوجه عام أو البيئة السياسة، بل تفيد القلائل القريبين من المشرعين أو أولئك الذين يرشون الرسميين الحكوميين لتمرير أنظمة مواتية لهم.
الفساد يُخفّض مستويات الاستثمار
للفساد آثار سلبية على مستويات الاستثمار الخارجي والداخلي في آن واحد. فالمستثمرون سوف يتجّنبون، في نهاية المطاف، البيئة التي يكون الفساد فيها مستشرياً لأنه يزيد تكاليف القيام بالأعمال ويقوّض حكم القانون. كما كثيراً ما ارتبط الفساد بدرجة عالية من الريبة، الأمر الذي يُبعد دائماً المستثمرين.
الرسميون الحكوميون الذين يطالبون برشاوى لتأمين أو رفض الخدمات، مثل الرخص أو الإجازات، يحدّون من عدد الشركات القادرة على دخول السوق، موجدين بالتالي بيئة "تسعى إلى الإيجار" تجبر الشركات التي لا ترغب أو لا تستطيع دفع الرشاوى إلى اللجوء إلى الاقتصاد غير الرسمي. يقود "السعي إلى الإيجار" أحياناً إلى سياسة الحماية التجارية، وأيضاً إلى واقع أنها تؤدي إلى مدخلات إنتاجية من نوعية سيئة أو غير فعالة، الأمر الذي يقلل بدوره من الفعالية، والإنتاجية، والقدرة التنافسية. بالإجمال، فغياب المنافسة يؤذي المستهلكين الذين يتلقون سلعاً أقل تطوراً من الناحية التكنولوجية، وسلعاً من نوعية أدنى، ويدفعون أسعاراً مرتفعة لتلك السلع.
التهرب من الضرائب، الذي هو أحد أكبر التهديدات لتدفق الواردات الحكومية، واسع الانتشار في البلدان الفاسدة لأن الشركات الرسمية لا تعلن عن أرباحها الحقيقية وبالتالي لا تدفع الضرائب. كما أن الشركات أيضاً التي تعمل ضمن الاقتصاد الرسمي، سوف تدفع رشاوى بدلاً من الضرائب عندما تكون إدارة الضرائب فاسدة، أو عندما تتوافر الفرص لإساءة استخدام القوانين الضرائبية بشكل واسع النطاق. علاوة على ذلك، يأخذ عملاء الحكومة الفاسدون لأنفسهم الرسوم والمدفوعات التي يجمعونها من الشركات على شكل واردات لموازنة الدولة، ويحرمون بذلك الحكومة من الأموال اللازمة لتوفير السلع والخدمات الأساسية.
كثيراً ما توفر مشاريع الاستثمارات العامة للرسميين الحكوميين فرص الحصول على الرشاوى. بكل بساطة عندما يواجه هؤلاء إمكانية الاستفادة المباشرة من منح العقود للمحاسيب، فإنهم يشجعون إقامة أكبر عدد ممكن من مشاريع الاستثمار الحكومية. والحقيقة أن هذه الفضائح لا تظهر فقط في البلدان النامية الفاسدة بل أيضاً في دول أكثر تطوراً حيث الفساد أقل استشراءً. في العديد من البلدان، يحدث أحياناً أن المشاريع الممنوحة إلى المحاسيب قد لا تنجز أبداً لأن الأموال تُسرق بكل بساطة. يسبّب الفساد أيضاً سوء إدارة مشاريع الاستثمار العامة ويساهم بالتالي في عجز أكبر في المالية العامة، معرضاً بذلك السياسة المالية السليمة للخطر.
الفساد يخفّض الإنتاجية ويثبط هِمّة الإبداع
في الأنظمة الفاسدة، يصرف الأفراد والشركات الوقت والموارد في الأعمال الفاسدة (يدفعون الرشاوى، ويُقيمون علاقات مع العملاء الفاسدين، الخ...) بدلاً من النشاطات التي تعزز النمو. ويثبط الفساد أيضاً همّة الإبداع، لأن الأنظمة الفاسدة تفتقر إلى مؤسسات حكم القانون التي تحمي حقوق الملكية.
الفساد يزيد نفقات نشاطات شركات الأعمال (يخدم كضريبة على شركات الأعمال)
الوقت والمال المُنفق على رشوة الرسميين الحكوميين والتعامل مع أنظمة مُعقّدة يزيدان من نفقات شركات الأعمال. هذه التكاليف تحوّل إما إلى المستهلكين عبر زيادة الأسعار، أو إلى إنتاج سلع من نوعيات أدنى، أو تخدم كحاجز لدخول السوق بوجه الشركات. كذلك، فإن الأنظمة القضائية الفاسدة تقيّد قدرة شركات الأعمال على تنفيذ العقود، فتعيق العمليات الاعتيادية وتُوصِد الأبواب بوجه الفرص الجديدة.
الفساد يؤذي المشاريع الصغيرة لأن تحمّل تكاليف الفساد المرتفعة (الوقت والمال) أشد بالنسبة للشركات الصغرى منه على الشركات الكبرى. فالشركات الصغرى تملك، بوجه عام، سلطات أقل لتجنب الفساد، وهي تميل إلى العمل في بيئات عالية التنافسية. وبالتالي فهي لا تستطيع تحميل المستهلكين تكاليف الفساد. وهكذا، تواجه الشركات الصغرى في البيئات الفاسدة ظروفاً أصعب للبقاء، وهذا يؤذي معدل النمو الاقتصادي لأن الشركات الصغرى تشكل مُحّرك النمو في معظم الاقتصادات.
يُخفّض الفساد التوظيف في القطاع الخاص عن طريق إجبار شركات الأعمال على الانتقال إلى القطاع غير الرسمي، وعن طريق إقامة الحواجز أمام دخولها، وزيادة نفقات القيام بالأعمال، لأن الشركات لن تكون قادرة على النمو والتوسّع.
تعرض الحكومات الفاسدة أحياناً كثيرة العديد من الوظائف ذات الأجور المتدنية لإرضاء الناخبين الرئيسيين. كما أن نوعية الوظائف العامة تعاني في الأنظمة الفاسدة لأن الرسميين الحكوميين ينفقون الموارد لابتزاز الرشاوى بدلاً من توفير الخدمات. مثلاً، في العديد من الحالات، داخل الوكالات التي تمنح الرُخص، يُعطل الرسميون بكل بساطة عملية الترخيص إذا لم يتلقّوا مدفوعات إضافية أو هدايا.
الفساد يُخفّض الطاقة الكامنة لذوي الدخل المتدني من الفقراء لتوفير فرص أقل في القطاع الخاص. كذلك، فإن الفساد بتحديده مستوى الإنفاق على خدمات القطاع العام يعزز عدم المساواة، أي يُحدّد مجال الوصول إلى تلك الموارد الأساسية مثل العناية الصحية والتعليم.
يخلق الفساد ثقافة حيث لا يكون الرسميون الحكوميون مسؤولين عن أعمالهم. كذلك فإن القوانين والأنظمة على الورق في الأنظمة الفاسدة لا يفرض تطبيقها بصورة دائمة ونزيهة. لذلك، لا يكون القانون هو المهم بل الشخص الذي تعرفه، وكم أنت مستعد أن تدفع له.
على البلدان، إذا أرادت ان تكون ناجحة في بناء اقتصادات السوق والمجتمعات الديمقراطية، أن تبني وتطور مؤسسات تؤمن فرض تطبيق القوانين وتوفّر عملية شفافة وشاملة في صنع السياسة. إن تطوير مثل هذه المؤسسات السليمة المصممة بصورة جيدة في الأنظمة الفاسدة هي مهمة شاقة. فالرسميون الحكوميون المسؤولون عن الإصلاحات من غير المُرجح انهم سيتخذون الإجراءات التي ستحد مباشرة من قدرتهم على الاستفادة شخصياً من الرشاوى والعمولات. يقوّض الفساد أيضاً شرعية الوظائف الرسمية ويؤذي العملية الديمقراطية عن طريق تثبيط همّة الناس للمشاركة فيها.
يساهم الفساد على نطاق واسع في عدم الاستقرار السياسي لأن المواطنين يُشجعون على العمل لطرد القادة الفاسدين والذين لا يستطيعون فعلاً تمثيل مصالح الناس.
الفساد يشجع نظاماً يتغاضى كثيراً عن حكم القانون ويخلق مجتمعاً حيث تكون المؤسسات القانونية والقضائية التي تفرض تطبيق القوانين غير فاعلة. ففي الأنظمة الفاسدة، من السهل على النصّابين شراء طريقة التهرب من العقاب. لا يقود الفساد إلى الجريمة السياسية وجريمة الشركات وحسب، بل هو مسؤول أيضاً عن تشجيع الجريمة المنظمة.
مقتطف من ورقة قضايا الإصلاح الاقتصادي، العدد 0409، 22 أيلول/سبتمبر، 2004. حقوق النشر محفوظة© 2004، المركز الدولي لمشاريع الأعمال الخاصة.
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الأميركية.