مواطنون لهم حرية التعبير | الديمقراطية في العالم

03 ايلول/سبتمبر 2008

تسليط الضوء على الفساد: قوانين أشعة الشمس وحرية المعلومات

 

رونالد إف. كِتّل

صحيح انه قد يكون من المستحيل القضاء على الفساد في الولايات المتحدة، لكن القوانين ضد الممارسات الفاسدة والتشريعات الرامية إلى زيادة شفافية الحكومة أدّت إلى خفض الفساد عن طريق التمحيص في العمليات الحكومية عن كثب لاستئصال الهدر، والاحتيال، وإساءة الاستخدام. قانون حرية المعلومات وقوانين "أشعة الشمس" يشكلان اثنتين من هذه الأدوات ذات الشأن لمحاربة الفساد. الكاتب دونالد إف. كِتَل، هو مدير معهد فلس لأنظمة الحكم في جامعة بنسلفانيا، ومؤلف كتاب النظام تحت الضغط: الأمن القومي والسياسة الأميركية، الطبعة الثانية (2007).

استخدم الأميركيون منذ زمن بعيد مقاربتين مختلفتين لمكافحة الفساد، المقاربة الأولى، والتي تملك الجذور الأعمق، هي القوانين. في كل مرة كانت هناك ممارسة يجدها المواطنون أو المسؤولون المنتخبون أنها غير حكيمة أو مشينة، كان التفكير الغريزي يؤدي دوماً إلى استصدار قانون لمكافحتها. قاد هذا المنحى إلى الزيادة الكبيرة في القوانين، ترافقها أحياناً أجهزة متكاملة من الأنظمة المتنامية لمنع تكرار مشكلة وحيدة.

تحقيقات ووترغيت في استخدام إدارة نيكسون للسلطة الرئاسية، في السبعينات من القرن الماضي، حفّزت قيام مقاربة واسعة أخرى لمكافحة الفساد. وقد أثبتت القوانين أنها غير كافية بمفردها لمنع إساءة استخدام السلطة التنفيذية على نطاق واسع. يضاف إلى ذلك أن العديد من الإصلاحيين كانت لديهم هواجس عميقة حول تركيزية السلطات التنفيذية، وحول نقاب السرية الذي كان يلفّ استخدامها. وقد سعى الكونغرس إلى خفض الفساد عبر عدة برامج جديدة تهدف إلى زيادة الشفافية.

من المستحيل، بالطبع، استئصال الفساد بالكامل. هناك العديد من الفرص لإدارة العمليات الحكومية بطرق تشوه أغراضها العامة في سبيل الربح الخاص، كما من المستحيل القضاء على الفساد عن طريق وضع الأنظمة. لكن، كما أوحت بذلك المقاربة الأميركية في السبعينات من القرن الماضي، قد يكون من الممكن خفض الفساد عن طريق فتح أبواب الحكومة، وتسليط الأضواء المُشعّة داخلها، وعن طريق إعطاء المحققين سلطات مراقبة ورصد للحكومة عن كثب لمنع الهدر، والاحتيال، وإساءة الاستخدام. لهذه المقاربة جذور عميقة في التقليد السياسي الأميركي، وهي تُردّد صدى ما كتبه جيمس ماديسون، رابع رئيس للولايات المتحدة، سنة 1822: "الحكومة الشعبية بدون معلومات شعبية، أو وسائل الحصول على هذه المعلومات، ما هي إلاّ تمهيد لمسرحية هزلية أو لمسرحية مأسوية، أو ربما للاثنتين معاً. المعرفة سوف تحكم الجهل دائماً وأبداً، والشعب الذي يبتغي حكم نفسه بنفسه عليه أن يتسلح بالقوة التي توفرها له المعرفة".

حرية المعلومات

إن أحد أهم عناصر هذه الاستراتيجية هو قانون حرية المعلومات (FOIA). هذا القانون، الذي تم إصداره أولاً سنة 1966، يُحدّد بأن الوثائق الحكومية، في جوهرها، هي ملك الناس وأن للناس حق الإطلاع عليها. لقد نقل هذا القانون العبء التقليدي للإثبات (أو واجب تقديم البينة) من الافتراض الذي يعتبر أن الوثائق تبقى سرية إلاّ إذا تمكن المواطنون من تقديم أساس للإطلاع عليها، إلى الافتراض بأن هذه الوثائق تكون عامة إلا إذا استطاعت الحكومة تقديم أساس (مثل الأمن القومي أو الخصوصية الشخصية) لحجبها كوثائق سرية. ولعل ما هو أكثر أهمية أن القانون وضع الأسس التي بُنيت عليها الإصلاحات التي تلت: أي أن للمواطنين الحق في معرفة ما يخص حكوماتهم وما تقوم به.

قرّر قانون مرافق، هو قانون الخصوصية لسنة 1974، أنه يحق للمواطنين الإطلاع على المعلومات التي جمعتها الحكومة عنهم. مكتب التحقيقات الفدرالي، مثلاً، احتفظ بملفات ذات شأن حول بعض الأفراد، وقال المنتقدون إن المكتب انتهك حقوق الأفراد في جمع المعلومات، وإن هذه المعلومات قد تكون خاطئة، وإن الحكومة قد تستخدم هذه المعلومات ضدهم دون علمهم بها. وقد أصبح بإمكان المواطنين، بموجب قانون الخصوصية، الحصول على نسخ عن الملفات الحكومية هذه، وبإمكانهم، إذا لزم الأمر، تحدّي صحة المعلومات الواردة فيها. كما قيّد القانون أيضاً قدرة الحكومة في كشف المعلومات الشخصية المتعلقة بالمواطنين. لم يكتفِ قانونا حرية المعلومات والخصوصية بوضع الأسس القانونية لسياسة الشفافية الحكومية، بل فرضا أيضاً على الوكالات الحكومية تدوين إرشادات حول كيفية تطبيق هذه السياسة بحيث تكون سياسة الشفافية نفسها شفافة.

الشفافية الحكومية

تابع الكونغرس ذلك الأمر سنة 1976 بإصدار قانون "الحكومة تحت أشعة الشمس". فرغم وجود حفنة صغيرة من الاستثناءات، يتعلق معظمها بالأمن القومي وبالخصوصية الشخصية، يفرض القانون بأن تكون الاجتماعات الحكومية مفتوحة أمام الناس، وبأن الوكالات الرسمية عليها نشر إشعار مُسبق حول الاجتماعات القادمة وأجنداتها، كما أن عليها أن تدون محاضر رسمية لنتائج الاجتماعات. علاوة على ذلك، يُعرّف القانون بعناية معنى عبارة "اجتماع"، بغية منع اجتماع مجموعات الرسميين الحكوميين من اتخاذ القرارات بحجة أنها لم تكن اجتماعات رسمية.

بعد ذلك بسنتين، أضاف الكونغرس قانون المفتش العام، الذي أنشأ مواقع لمسؤولين من ذوي الرتب الرفيعة في كل وكالة فدرالية للقيام بعمليات تدقيق وتحقيق مستقلة في عملياتها. يتمتع هؤلاء المفتشون العامون بسلطات واسعة لاستكشاف عمليات الوكالات، ويمتلكون صلاحيات على موازنتهم الخاصة وموظفيهم. شجعت إدارة الرئيس جيمي كارتر القانون، وعندما خلفه رونالد ريغان، قام بتسريح جميع المفتشين العامين الـ16 ما أدى إلى هواجس بأنه لن يكون متشدداً حول مسألة الهدر الحكومي. ردّ ريغان بإعادة تعيين خمسة من المفتشين العامين وسمى 11 مفتشاً جديداً، وقال إن كل واحد منهم سيكون "أبخل من الكلب الشارد". وكثيراً ما أنتج المفتشون العامون تقارير قاسية حول القضايا الكبرى، بدءاً من سوء الإدارة للحكومة الفدرالية وصولاً إلى الصعوبات في إدارة العقود. وكثيراً ما أثارت كلماتهم الحادة، نزاعات سياسية، لكنها تبقى جزءاً هاماً من سياسة الشفافية للحكومة الفدرالية، على الرغم من الفرص العديدة لتقويض دور هؤلاء المفتشين.

كل هذه المبادرات هي مبادرات للحكومة الفدرالية، وكل ما تفرضه فيها لا ينطبق إلاّ على الوكالات الفدرالية. غير أن معظم حكومات الولايات الفردية في الولايات المتحدة تبنّت تشريعات مماثلة (كما ان أنظمة الولايات تحكم، بوجه عام، عمليات حكومات البلدات والمدن المحلية). منذ السبعينات من القرن الماضي، أصبح للشفافية نفس الأهمية التي تملكها المقاربات القانونية ضمن جهود خفض الفساد الأميركية.

قضايا أخرى

بالطبع، السياسات الحازمة لا تنتج دائماً الواقع المبتغى. فقد تمت إدانة رسميين حكوميين لاستخدامهم مواقعهم المهنية لتحقيق الكسب الشخصي، بما في ذلك الجهود الرامية إلى تأمين وظائف لدى شركات الأعمال التي تفاوضوا معها بشأن العقود، كما تلقوا عمولات لقاء معاملات أخرى. كما أن عدد موظفي المفتشين العامين لا يزال صغيراً نسبياً بالمقارنة مع حجم النشاطات التي يراقبونها. هذا يعني أن عليهم، لا محالة، استهداف بعض القضايا بدلاً من سواها، وقد قاد ذلك إلى اتهامات بأنهم يهملون بعض المشاكل، وأنهم يختارون أحياناً غيرها للتركيز عليها لأسباب سياسية.

علاوة على ذلك، فان إجراءات الشفافية هذه مُكلفة لأنها تزيد من أعباء العملية الإدارية الحكومية. فكان على الولايات أن تُعيّن موظفين جدداً مكلفين مراجعة مطالب المواطنين بخصوص الحصول على الملفات والمعلومات. وكان عليها وضع إجراءات جديدة للتعريف عن عملها وعن نتائجه، كما أن مطلب الإشعار المسبق لقوانين أشعة الشمس زاد من صعوبة قيام المؤسسات بالعمل بسرعة طالما كان يجب أن يسبق كل اجتماع إشعار عام أولاً. زد على ذلك أن الشفافية لم تَطَل كل مكان في الحكومة. فالفرع القضائي، خاصة على المستوى الفدرالي، قاوم بعض نواحي حركة الشفافية، وعلى الأخص بالنسبة لنشرات الأخبار التلفزيونية حول الحجج والقرارات الشفوية.

رغم ذلك، فإن تصاعد حركة الشفافية في الحكومة الأميركية كانت له نتائج إيجابية إلى حد كبير. فقد ساعد في إعادة الثقة بالحكومة وبعملياتها بعد الاضطرابات الكبيرة التي رافقت تحقيقات ووترغيت في مطلع السبعينات من القرن الماضي. وقد زادت حركة الشفافية الارتباط المدني بالحكومة. وحتى المنتقدون يقرّون، بالرغم عنهم، وعلى الرغم من الصعوبات الإجرائية التي ولدّتها، أن المزيد من الشفافية حسّن المستوى العام للتأنّي والتداول في العملية الحكومية. لم تحلّ الشفافية محل القوانين في خط الدفاع الأول ضد الفساد كما أنها لم تقضِ على الفساد، لكنها جعلت بكل تأكيد العملية أكثر نشاطاً وديمقراطية.

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسة الحكومة الأميركية.

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي