مواطنون لهم حرية التعبير | الديمقراطية في العالم

03 ايلول/سبتمبر 2008

معالجة الفساد عبر المعاهدات والالتزامات الدولية

 

جون براندولينو وديفيد لونا

مكافحة الفساد التي كانت تعتبر ضمن مجال اختصاص حكومة كل دولة بمفردها، أصبحت الآن شأن المجتمع الدولي الذي يعمل سوية بمثابة المتمم والمساعد لجهود الحكومات. يوجز الكاتبان التشكيلة العريضة من الاتفاقيات الدولية المتعددة الأطراف التي أصبحت تشكل شبكة عالمية لمكافحة الفساد. جون براندولينو هو مدير برامج مكافحة الجريمة، وديفيد لونا هو مدير مبادرات مكافحة الفساد ونظام الحكم، في المكتب الدولي لشؤون المخدرات وتطبيق القانون في وزارة الخارجية الأميركية.

كان الفساد يعتبر في الماضي ظاهرة متفشية لدرجة أن معالجتها كادت تُشكِّل تحدياً لا يمكن التغلب عليه. غير أن المجتمع الدولي شهد، خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، تغيراً ملحوظاً وإيجابياً في الكفاح العالمي ضد الفساد. قبل هذا التغيير الهائل، لم تكن البلدان راغبة حتى في البحث بأمر الفساد، وكانت تعتبره مشكلة داخلية ليس إلا. هناك اليوم عدد كبير من التجمعات والآليات المتعددة الأطراف التي أنشئت خصيصاً لمعالجة مشكلة الفساد. قبل خمس عشرة سنة، كانت الدول تسمح باقتطاع ضريبي للرشاوى المدفوعة للرسميين الأجانب. أما اليوم، فيعمل عدد متزايد من الدول معاً لمقاضاة هذه الرشاوى. والحقيقة، أن بعض البلدان كانت تقول، عن خطأ، قبل خمس عشرة سنة، إن الفساد كان في الواقع أمراً مقبولاً في بعض الأجواء الثقافية، أو لهدف تسهيل الأعمال في البلدان النامية. لا أحد يجرؤ اليوم على قول ذلك.

     منذ 1996، خدمت الاتفاقيات الدولية لمكافحة الفساد في رفع الالتزامات السياسية لمكافحة الفساد، وعيّنت المعايير والممارسات الدولية الأساسية لمعالجة الفساد. كان يُعتقد في ما مضى، أن مكافحة الفساد موضوع يخص كل حكومة بمفردها. لكن أصبح من المُتفق عليه عالمياً الآن، جزئياً بفضل اتفاقيات مكافحة الفساد، التي عززتها البيانات المتنامية حول الإرادة السياسة، أن بوسع المجتمع الدولي استكمال ومساعدة جهود الحكومات في محاربة الفساد، وأن للمجتمع الدولي مصلحة حقيقية في رؤية الفساد يُعالج محلياً كما على المستوى العالمي.

ففي موافقته على آليات مكافحة الفساد، يفتح المجتمع الدولي الأبواب أمام مزيد من التعاون المتعدد الأطراف والثنائي على جبهات ذات شأن، لكنها تبقى محلية تقليدياً. وهذا، يشجع بدوره مشاطرة الممارسات الفضلى، ويبني الثقة والعلاقات بين الدول المتعاونة، ويزيد، في نهاية المطاف، فعالية الجهود الثنائية والمتعددة الأطراف، كما برامج المساعدات الإنمائية.

توحيد مبادئ مكافحة الفساد

الاتفاقيات المتعددة الأطراف لمكافحة الفساد تجمع معاً المبادئ المعترف بها دولياً لمكافحة الفساد وتعطي شكلاً رسمياً لالتزام الحكومات تطبيق هذه المبادئ. هذه المبادئ، التي تضمّنها مؤخراً ميثاق الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC)، تذهب إلى أبعد من مّجرّد مناشدة الحكومات تجريم الأعمال المفسدة المختلفة. فهي تعترف أن الكفاح ضد الفساد يتطلب عملاً مُنسقاً على عدد من الجبهات.

     هذه الاتفاقيات تعالج جبهة أو أكثر من الأعمال المضادة للفساد، بما فيها ما يلي:

·        تطبيق القانون: سلطات التحقيق والمقاضاة، والسلطات القضائية، تُشكِّل عناصر أساسية للكشف عن الفساد العام ومقاضاته. وهي بهذه الصفة، تُلزم الحكومات سن قوانين جنائية فعالة، وعقوبات، وأجهزة تطبيق القانون، لاكتشاف وردع الرشاوى وممارسات الفساد الأساسية الأخرى.

·        منع الفساد في القطاع العام: العديد من الاتفاقيات الدولية لمكافحة الفساد تُلزم الحكومات اتخاذ تشكيلة عريضة من الإجراءات، مثل الحفاظ على معايير عالية من السلوك لدى الموظفين الرسميين، وإقامة أنظمة شفافة للمشتريات، وللإدارة المالية، وتجنب تضارب المصالح، والمطالبة بالكشف المالي عن الأصول الشخصية، وحماية الوشاة الذين يكشفون عن الفاسدين، وإنشاء مؤسسات وإجراءات محاسبية فعالة داخل الحكومة وخارجها، وتأمين الوصول إلى المعلومات الحكومية.

·        منع الفساد في القطاع الخاص: العديد من الاتفاقيات الدولية المضادة للفساد تسلط أيضاً الأضواء على الإجراءات التي تؤثر بصورة بناءة على سلوك القطاع الخاص وتلزم الحكومات باتخاذها، مثل الحفاظ على إطار عمل قانوني فعال لمنع إخفاء المدفوعات غير المشروعة أو الرشاوى في حسابات الشركات، واحتيال الشركات، وحظر اقتطاع مدفوعات الرشاوى من الضرائب.

·        آليات المتابعة: في سياق بعض الأدوات المتعددة الأطراف المضادة للفساد، بإمكان مراجعات المتابعة أو آليات التقييم تسهيل التعاون الدولي وتوفير المساعدة الفنية لمعالجة نقاط الضعف. هناك في الوقت الحاضر أربع آليات نشطة للتقييمات المتبادلة المضادة للفساد التي تعتمد على مراجعة النظراء من أجل رصد وتعزيز التطبيق: آلية المتابعة التابعة لمنظمة الدول الأميركية، ومجموعة دول مجلس أوروبا المضادة للفساد، ومجموعة العمل حول الرشاوى التابعة لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، ومبادرة ميثاق الاستقرار لمكافحة الفساد.

الاتفاقيات والمبادرات الدولية الموجودة

الاتفاقية الأكثر شمولية، والقابلة للتطبيق عالمياً، لغاية هذا التاريخ تم تطويرها تحت رعاية الأمم المتحدة. شارك في المفاوضات الخاصة بميثاق الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، التي دامت سنتين والتي دخلت حيّز التنفيذ في كانون الأول/ديسمبر، 2005، أكثر من 130 بلداً. تغطي الاتفاقية جميع مجالات العمل المذكورة أعلاه، وتُقيّم، لأول مرة، إطار عمل للتعاون في حالات استرجاع الأموال. وهي أيضاً في طريقها لأن تكون أول اتفاقية دولية حقيقية لمكافحة الفساد تُطبق عالمياً، حيث وقّع عليها 140 فرداً و80 فريقاً لغاية هذا التاريخ.

في أوروبا، طوّر مجلس أوروبا (COE) ثلاث أدوات أولية لإرشاد الأعضاء في مكافحة الفساد. شكّلت اثنتان من هذه الوثائق ميثاقين (ميثاق القانون الجنائي ضد الفساد الصادر سنة 1997 عن  مجلس أوروبا، وميثاق القانون المدني ضد الفساد الصادر عن مجلس أوروبا)، وكانت واحدة عبارة عن مبادئ غير مُلزمة (المبادئ العشرون الإرشادية لمكافحة الفساد الصادرة عن مجلس أوروبا). طوّر مجلس أوروبا أيضاً آلية مراجعة النظراء لرصد تطبيق تلك المبادئ والمواثيق بما يخص 42 دولة، بما فيها الولايات المتحدة. وطوّر الاتحاد الأوروبي أيضاً عدة وثائق لإرشاد الأعضاء. تشمل هذه الوثائق ميثاق الاتحاد الأوروبي حول الكفاح ضد الفساد الصادر سنة 1997، ويخص الرسميين في المجتمعات الأوروبية أو الرسميين من الدول الأعضاء، والعمل المشترك للاتحاد الأوروبي سنة 1998 حول الفساد في القطاع الخاص. وهناك أيضاً إطار عمل الاتحاد الأوروبي لسنة 2002 حول مكافحة الفساد في القطاع الخاص. ميثاق الاستقرار الذي طُوّر سنة 2000، والذي وقعته سبع دول أوروبية جنوبية، مع آلية مراجعة النظراء الناتجة عنه لرصد التطبيق، يُعرف بمبادرة ميثاق الاستقرار لمكافحة الفساد (SPAI).

في أميركا اللاتينية، تم التفاوض سنة 1996 بشأن الميثاق بين الدول الأميركية ضد الفساد برعاية منظمة الدول الأميركية (OAS) التي أنشأت سنة 2001 آلية مراجعة النظراء لرصد التطبيق. حالياً، هناك 33 دولة، من ضمنها الولايات المتحدة، مشاركة في هذه الاتفاقية.

في آسيا، تبنّت 21 دولة في منطقة آسيا – المحيط الهادئ مجموعة مبادئ غير مُلزمة ضد الفساد. هذه المجموعة المعروفة بخطة عمل البنك الآسيوي للتنمية/منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (ADB/OECD) لمكافحة الفساد في آسيا والمحيط الهادئ، تم تطويرها برعاية البنك الآسيوي للتنمية ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية  (ADB/OECD)، كما أن مراجعة النظراء ملحوظة ضمنها للمستقبل. سنة 2004، وافق قادة منظمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (APEC) على برنامج عمل لمكافحة الفساد وضعته المنظمة، شمل التزاماً قوياً بتطبيق ميثاق الأمم المتحدة ضد الفساد، والعمل على النطاق الإقليمي لحجب الملاذ الآمن عن الرسميين الفاسدين، وعن الذين رشوهم، وعن أموالهم المكتسبة بصورة غير مشروعة.

في أفريقيا، تم تبني ميثاق الاتحاد الأفريقي لمنع ومكافحة الفساد، من جانب رؤساء الدول في اجتماع القمة الأفريقية الذي عقد في مابوتو، عاصمة موزامبيق، في تموز/يوليو 2003. بروتوكول مجموعة التنمية الأفريقية الجنوبية (SADC) ضد الفساد لسنة 2001، الذي يشتمل على إجراءات تبنتها الدول الأربع عشرة في المجموعة المذكورة. سنة 1999، طوّر التحالف العالمي لأفريقيا (GCA) مبادئ غير مُلزمة لمكافحة الفساد تم تبنيها من قِبَل الأعضاء الأحد عشر في التحالف المذكور.

في الشرق الأوسط، تعمل الدول العربية عبر شبكة إقليمية، هي مبادرة الحكم الجيد للتنمية (GfD)، لتقديم الدعم إلى العملية الجارية لإصلاح الحكم وتحديث القطاع العام، ولخلق الظروف اللازمة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة. تُشكِّل محاربة الفساد ركناً أساسياً من العمل، وعلى الأخص بالنسبة للجهود الرامية إلى تطبيق ميثاق الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.

الدول الـ37 التي وقعّت سنة 1997 على ميثاق منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) لمكافحة رشاوى الرسميين الأجانب في الصفقات التجارية الدولية، أنشأت آلية مراجعة النظراء لرصد التطبيق. ميثاق منظمة التعاون ضيّق نسبياً وذو نطاق مُحدّد، فهو يُركّز في الدرجة الأولى على استخدام القانون المحلي لتجريم رشوة الرسميين الأجانب.

أعمال ومبادئ فريق مهمة العمل المالي (FATF) تساهم بشكل كبير بالأجندة الدولية لمكافحة الفساد. فقد وضع الفريق معايير عالمية لمكافحة تبييض الأموال والجرائم المالية في توصياته 40+9، وهو يرصد تطبيق هذه التوصيات. هذه الهيئة ما بين الحكومات تجمع الممثلين عن السلطات المشرفة والنظامية، والمؤسسات المالية لمعالجة إساءة استخدام النظام المالي، ومن ضمنها الإساءة الناجمة عن الفساد.

خلال السنوات الأخيرة، جعلت مجموعة الثماني (G8)، وهي مجموعة غير رسمية مؤلفة من ثماني دول، هي كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وروسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، التي اجتمعت لمناقشة السياسات الاقتصادية والخارجية العريضة، جعلت الكفاح ضد الفساد في رأس أولوياتها، بما في ذلك الجهود الرامية إلى مكافحة الفساد على أعلى المستويات (kleptocracy)، وحجب الملاذ الآمن عن الرسميين الفاسدين، والتنسيق لاسترجاع الأموال المكتسبة بصورة غير مشروعة، ودعم مرشدي الشفافية لتحسين الموازنات، والمشتريات، ومنح الامتيازات، للمحاسبة والشفافية.

التحرّك قُدماً

تواصل الاتفاقيات الدولية لمكافحة الفساد لعب دور أساسي في الإدانة الدولية المتنامية للفساد. فهي تُلزم الحكومات اتخاذ الإجراءات والمساعدة في تسهيل التعاون الدولي والمساعدة الفنية.

ميثاق الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC) يمثل تطوراً بارزاً في هيكلية الاتفاقيات الدولية لمكافحة الفساد. فهو يأخذ المواضيع التي قامت بتغطيتها المواثيق الإقليمية والدولية السابقة، وغيرها أكثر، ويجمعها في مجموعة واحدة متكاملة من الالتزامات. إنها أول اتفاقية دولية تجتذب أكثر من 40 دولةً، مع أكثر من 80 موقّعاً لغاية هذا التاريخ، وسوف تصبح، على الأرجح، أول أداة دولية قابلة للتطبيق عالمياً لا تتعاطى بغير موضوع الفساد. المبادئ التي تم اختبارها لمكافحة الفساد، بما في ذلك أهمية التعاون الدولي، أصبحت الآن مكرّسة كمبادئ عالمية التي يمكن اعتبارها صادرة عن مجموعة من البلدان أو المناطق ذات الميول والتفكير المتشابه.

وفي الوقت الذي بدأت فيه الحكومات تتبنى ببطء ميثاق الأمم المتحدة لمكافحة الفساد وترسم عملية المتابعة لتعزيز الميثاق وتسهيل المساعدة الفنية، فإن الالتزامات والآليات الإقليمية القائمة لا زالت ذات شأن في جعل الحكومات تعمل سوية حول قضايا الفساد، وضمن تركيبة مألوفة ومع شركاء معروفين. علاوة على ذلك، على المُصدّرين العالميين الرئيسيين مواصلة تعاونهم الوثيق والمكثف عبر ميثاق منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لمكافحة الرشوة، وآليته الراصدة، للحد من ممارسات رشوة الرسميين الأجانب في صفقات الأعمال الدولية. وعلى بلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ان تبرهن على وجود إرادة سياسية عن طريق فرض قوانينها التي تجرّم مثل هذه الرشاوى.

وفي حين تقدم الأدوات الدولية وأطر العمل المتعددة الأطراف أداة لا تقدر بثمن في الكفاح العالمي ضد الفساد، فان المهمة الشاقة في ترجمة الإرادة السياسية إلى أعمال قابلة للإثبات سوف تظل أساسية. الولايات المتحدة ملتزمة العمل مع كافة شركائها حول العالم لجعل اتخاذ الإجراءات الفعالة ضد الفساد، بعد انقضاء 15 سنة منذ الآن، بمثابة طبيعة ثانية لمعظم الحكومات في العالم.

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي