09 حزيران/يونيو 2008
كيلي إس. تساي

تقول كيلي إس. تساي إن على المرء ألا يتوقع ظهور الديمقراطية في الصين في المستقبل القريب، وإن الاقتصاد المزدهر وارتفاع الدخل قد يعززان عوضاً عن ذلك الحكومة الشيوعية المتسمة بالتكيف. وتساي أستاذة في العلوم السياسية بجامعة جونز هوبكنز في بلتيمور بولاية ماريلاند.
لم يكن لدى الصين في العام 1978 حتى إحصائيات رسمية حول الأعمال الخاصة لأنها كانت غير شرعية وتكاد لا تذكر من حيث العدد. وبعد مرور ثلاثة عقود فقط، أصبح القطاع الخاص يمثل المحرك الرئيسي للنمو في الاقتصاد الصيني. وهناك في العام 2008 أكثر من 34 مليون مؤسسة أعمال خاصة، توظف أكثر من 200 مليون شخص وتشكل 60 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في البلاد.
ومعدل التقدم المثير للإعجاب للقطاع الخاص أدى بالعديد من المراقبين إلى التكهن بأن البلاد بدأت تولّد طبقة رأسمالية ستطالب بالديمقراطية. ويستند هذا التوقع إلى المنطق القائل بأن طبقة التجار متزايدي الثراء ستطيح بالحكومة الدكتاتورية على أساس "لا ضرائب بدون تمثيل"، مكررة بذلك نمط التطور الديمقراطي في بريطانيا العظمى والولايات المتحدة.
إلا أن هذا التفكير التقليدي للعلاقة السببية بين الأسواق الحرة والحرية السياسية لا ينطبق على الوضع في الصين المعاصرة. فرجال الأعمال الذين يطلقون المشاريع التجارية الجديدة لا يطالبون فيها بشكل جماعي بالديمقراطية، في حين تتم مراقبة أو اضطهاد أو نفي الأشخاص الذين يثابرون على انتقاد الحزب الشيوعي بعناد. وبدلا من التحرر السياسي عزز انتشار قوى السوق قدرة النظام الدكتاتوري على التكيف وديمومة نظام الحكم في الصين.
الرأسماليون منقسمون
لا يشكل أصحاب الأعمال الخاصة في الصين "طبقة رأسمالية" مميزة تشترك في هوية ومصالح مشتركة. وللبائعين المتجولين على أرصفة الشوارع وأصحاب المطاعم اهتمامات مختلفة عن الأثرياء من أصحاب العقارات وأصحاب الشركات المدرجة على قائمة مجلة فورتشن لأكبر 500 شركة في العالم. وقد جمع أصحاب الملايين والبلايين الجدد ثرواتهم في ظل النظام السياسي الحالي. أما البائعون المتجولون في الشوارع وأصحاب المصانع العائلية فمشغولون جدا في الكدح في العمل بحيث لا يتبقى لديهم مجال للتفكير بالكيفية التي يمكن من خلالها للتحول الديمقراطي أن يخفف من شكاواهم اليومية.
ولكن حتى الطبقة الوسطى من الرأسماليين – الذين قد يبدو أن أبناءها يشتركون في مصلحة اقتصادية بالمشاركة السياسية لضمان حكم القانون وحماية حقوق الملكية الخاصة – تفتقر إلى أرضية مشتركة. وتحول هوياتهم الاجتماعية والسياسية المتباينة دون قيامهم بعمل جماعي مبني على أساس وحدتهم الطبقية.
وبالنظر للحداثة النسبية لإدخال إصلاحات إيجاد الأسواق في الصين، يضم القطاع الخاص الصيني أشخاصاً من طائفة واسعة من الخلفيات. وبعض مؤسسي المشاريع التجارية الخاصة فلاحون سابقون هجروا أعمالهم الزراعية التعاونية لإقامة أعمال تجارية في مستهل مرحلة الإصلاح. والبعض موظفون سابقون في الدولة انضموا إلى القطاع الخاص لأنهم سرّحوا من وظائفهم أو لأنهم عاطلون عن العمل. والبعض الآخر من المفكرين المهمشين أو البيروقراطيين السابقين المستائين من الوضع الذين تخلوا عن السياسة للحصول على دخل محترم. وبين مؤسسي المشاريع التجارية عدد كبير من أعضاء الحزب الشيوعي الذين استغلوا روابطهم السياسية للحصول على أفضلية في الحصول على القروض والائتمانات المصرفية والأراضي وغيرها من أصول الدولة.
وتحول هذه الأنواع من الاختلافات دون تشكيل الطبقات ودون العمل الجماعي المستند إلى الوحدة الطبقية. والحقيقة هي أن قليلين جدا من مؤسسي المشاريع التجارية يعتبرون أنفسهم "رأسماليين"، وهم يفضلون عوضا عن ذلك التعريف بأنفسهم على أساس مهنهم السابقة.
الصين مشرذمة
من الممكن المجادلة بأن الطبقة الرأسمالية المقسمة في الصين هي مجرد ظاهرة مؤقتة. وربما قام الجيل القادم من مؤسسي المشاريع التجارية الخاصة بتطوير مزيد من التماسك كطبقة وربما قرروا أن نوعاً من النظام الديمقراطي سيكون أفضل لخدمة مصالحهم. وقد يتحدون ليبدأوا تحولا ديمقراطيا. ومع أن هذا السيناريو معقول ظاهريا إلا أنه ما زال غير مقنع.
فأولا، تشير أكثرية مؤسسي أصحاب المشاريع التجارية الذين تستطلع دراساتي آراؤهم إلى أنهم يفضلون أن يكون أطفالهم – أو عادة طفل واحد – متعلمين جيدا ومهنيين وموظفين أو مسؤولين حكوميين بدلا من أصحاب أعمال كادحين. وفي معظم الحالات، لا يطمح رأسماليو هذه الأيام باستمرارية على امتداد الأجيال لمشاريعهم التجارية. وإلى المدى الذي ينجح فيه الآباء من مؤسسي المشاريع التجارية في تحقيق ما يصبون إليه، فإن الربح الخاص مجرد وسيلة انتقالية لتحقيق شكل يحظى باحترام أكبر لكسب الرزق. وإلى المدى الذي تنقل فيه مؤسسات الأعمال الخاصة في هذه الأيام إلى الجيل التالي – الذي سيكون أقلية ضئيلة بالنظر للتحول العالي في تسجيلات مؤسسات الأعمال – ما زال من غير المحتمل أن يندمجوا ويلتحموا في قوة سياسية مؤيدة للديمقراطية.

ولدى الرأسماليين الذين يعملون في نفس القطاعات وبنفس حجم العمل شكاوى وآراء سياسية متباينة بسبب التباين المحلي في البيئات السياسية نحو القطاع الخاص. وكما أن هويات أصحاب الأعمال في الصين تتباين بشكل مهم على أساس خلفياتهم الاجتماعية، فإن تجاربهم العملية الفعلية تتفاوت أيضا إقليميا.
وبعض المناطق معروفة بتقديم ظروف مواتية بشكل خاص للأعمال الخاصة. ومن الأمثلة البارزة على ذلك وينجو في إقليم جيجيانغ الساحلي الجنوبي. فقبل فترة طويلة من سماح الحكومة المركزية قانونياً بالأعمال التجارية، سمح المسؤولون المحليون في وينجو لمزارعي الإقليم المعدمين بتشغيل مؤسسات للبيع بالتجزئة ومصانع صغيرة.
وفي المقابل، قامت مناطق أخرى بشكل منتظم بالتمييز ضد رأس المال الخاص طوال فترة الإصلاح. وكانت الحكومات المحلية في المناطق التي ورثت قطاعات حكومية أو تعاونية ضخمة من عهد ماو (1949 – 1976) أكثر تردداً في السماح لمؤسسي مشاريع الأعمال الخاصة بالحصول على الموارد الأساسية (كقروض البنوك) اللازمة لتشغيل أعمالهم. وعلى نحو مماثل، تواصل المناطق التي حصلت على دعم كبير من الاستثمارات المباشرة الأجنبية معاملة المستثمرين الأجانب بطريقة أفضل من معاملتها لنظرائهم المحليين.
وهكذا فإن الرأسماليين في الصين يواجهون أنواعا مختلفة من التحديات اعتمادا على جزء البلد الذي يعملون فيه، وتتفاوت قدرتهم على التأثير على السياسة طبقا لذلك. وتعمل اللجان التجارية المنظمة بصورة مستقلة في وينجو بنشاط للدفاع عن أعضائها، بينما تهيمن الحكومة على لجان مؤسسات الأعمال في مناطق أخرى مما يجعلها أقل فائدة لأصحاب الأعمال. ومن هذا المفهوم، فإن الشرذمة الديموغرافية الداخلية للرأسماليين تنعكس أيضاً بنفس الصورة في تنوع مناطق النشاطات الاقتصادية الخاصة. وإذا أصبح مؤسسو مشاريع الأعمال الخاصة المستاؤون من الأوضاع في منطقة معينة أكثر جزماً في مطالبهم السياسية، فإنهم سيواجهون عندئذ صعوبات في كسب تأييد مناطق البلد المختلفة لمطالبهم.
المعارضة المقموعة
ليس مؤسسو مشاريع الأعمال الخاصة الفئة الوحيدة في المجتمع الصيني التي تواجه قيودا إقليمية على العمل السياسي المنظم. فالمزارعون والعمال والمفكرون الذين لديهم مظالم يواجهون تحديات مماثلة في تعبئة الدعم من المناطق المختلفة.
وقد ازدادت أعداد الاحتجاجات والمظاهرات الضخمة بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة: تشير الإحصائيات الرسمية إلى حدوث 58,000 احتجاج في العام 2003 و75,000 في العام 2004 و87,000 في العام 2005. ومع أن ازدياد تنقل السكان من منطقة إلى أخرى وانتشار تكنولوجيات الاتصالات قد قضت على بعض الحواجز التنظيمية التي كانت قائمة في عصر ما قبل الإصلاح فإن هذه الاحتجاجات ظلت مقتصرة على مناطق معينة.
والحركة الوحيدة التي شكلت تحديا محتملاً لنظام الحكم كانت حزب الديمقراطية الصيني الذي لم يعمر طويلا. وقد تم تأسيس لجان حزبية محلية لحزب الديمقراطية الصيني في العام 1998 في 24 إقليما ومدينة. إلا أن السلطات قامت على الفور باحتجاز أو اعتقال أو نفي زعماء الحزب، مما أدى بالفعل إلى إحباط أي جهود إضافية لتأسيس حزب ديمقراطي صيني على مستوى مركزي.
وتقدم الإجراءات الصارمة اللاحقة التي اتخذت ضد ممارسي فالون غونغ في العامين 1999 – 2000، وحجر المواطنين خلال اندلاع مرض متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد الشديدة (سارس) في العام 2003، والقمع السريع للمحتجين التبتيين في العام 2008، تقدم جميعها دليلا آخر على أن بيجين ما زالت محتفظة بالقدرة على السيطرة على سكانها خلال أوقات الأزمات.
المرونة الشيوعية
يرى المراقبون الذين يتوقعون تحولا ديمقراطيا في الصين أن انتشار قوى السوق مرتبط بطائفة من العواقب المزعزعة للاستقرار، بما في ذلك ازدياد التفاوت في الدخل بشكل واضح وازدياد الفرص للفساد الرسمي. ومع أن وقوع الاحتجاجات في ازدياد فإن الرأسماليين، الطبقة المتوقعة لجلب الديمقراطية، غائبون بشكل واضح عن هذا الجيشان المعبر عن السخط. وعلاوة على ذلك فإن قلة من الاحتجاجات كانت مخصصة لتحدي احتكار الحزب الشيوعي الصيني للسلطة السياسية. وحتى محاولة تأسيس حزب الديمقراطية الصيني حدثت عبر القنوات الإدارية العادية، أي ضمن قواعد النظام السياسي الحالي.
وقد ولدت إصلاحات السوق في الصين تحت الحكم الدكتاتوري، في نهاية المطاف، معدلات نمو اقتصادية عالية بشكل لم يكن متوقعا، عادت بالفائدة على قطاعات كبيرة من المجتمع. ولا يميل المستفيدون من هذا الشكل الرأسمالي الدكتاتوري إلى المطالبة بالإصلاحات السياسية التي قد تزعزع استقرار المجتمع وتهدد النمو المستمر.
وعلاوة على ذلك، أظهر الحزب الشيوعي الصيني طوال تاريخه الممتد عبر 87 عاما قدرة غير عادية على إعادة تحديد هويته وإعادة تنشيط نفسه عن طريق تحولات كبيرة مثيرة في العقيدة وفي تشكيل العضوية وأهداف السياسات.وقد أثبت التحول التكيفي نحو نهج السوق حتى الآن أنه مصدر شرعية الحزب بدلا من سقوطه. ولهذه الأسباب، تواصل الصين المعاصرة التملص من الربط الشعبي بين الحرية الاقتصادية والحرية السياسية.
الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء أو سياسات الحكومة الأميركية.