مواطنون لهم حرية التعبير | الديمقراطية في العالم

09 حزيران/يونيو 2008

تأثير الصراع الإثني

بقلم دوه سي. شين وكريستوفر دي. ريموند

 
صورة أكبر
اندلعت أعمال العنف في كينيا، وهي دولة ديمقراطية مزقتها التوترات الإثنية.
اندلعت أعمال العنف في كينيا، وهي دولة ديمقراطية مزقتها التوترات الإثنية.

تظهر الأبحاث أن الإصلاحات السياسية والاقتصادية تقلص الصراعات العرقية، حتى في الدول التي تهيمن فيها مجموعة أقلية إثنية على الاقتصاد، كما يقول دوه سي. شين وكريستوفر دي. ريموند. شين أستاذ في العلوم السياسية وريموند طالب دراسات عليا مساعد تعليم، وكلاهما في جامعة ميزوري في كولومبيا بولاية ميزوري.

كانت كينيا تعتبر في بداية العام 2007 واحدة من أكثر الديمقراطيات نجاحا في إفريقيا، ولكن كينيا أصبحت في نهاية العام نفسه غارقة في حالة من الفوضى. وقد تفجر العنف الإثني  في البلاد بعد أن تم إعلان الرئيس السابق مواي كيباكي الفائز في انتخابات الرئاسة التي جرت في 27 كانون الأول/ديسمبر، 2007، وأثارت خلافات ونزاعات كثيرة.

وكانت مجموعة ليو الإثنية التي دعمت المرشح الخاسر رايلا أودنغا تشعر بالاستياء منذ فترة طويلة من ثراء وسلطة الكيكويو، وهي المجموعة العرقية التي ينتمي إليها كيباكي. واتهم الكثيرون من مجموعة ليو كيباكي والكيكويو بالقيام بتزوير الانتخابات، وخلال الأشهر التي تلت الانتخابات، أدت احتجاجاتهم العنيفة إلى مقتل عدد يصل إلى 1,500 شخص وتشريد 250,000 شخص.

وأثار اندلاع العنف الإثني بعد انتخابات حرة وتنافسية في واحدة من أنجح الديمقراطيات الإفريقية الجدل مجدداً حول ما إذا كان ينبغي أن تسعى أنواع معينة من الدول النامية إلى إقامة الديمقراطية والرأسمالية بشكل متزامن.

وقد أكدت الآراء التقليدية على امتداد عقود أن الديمقراطية والأسواق الحرة تعمل معا لتشجيع الازدهار الاقتصادي ولتحسين نوعية حياة المواطنين. وجادلت دراسة بحثية واحدة على الأقل بأن الجمع بين الأسواق الحرة والديمقراطية في الدول التي تهيمن فيها أقلية عرقية أو إثنية على الاقتصاد قد يؤدي إلى وضع متفجر جداً لأن كلاً من الأسواق الحرة والديمقراطية تدعم عادة مجموعة إثنية تختلف عن تلك التي تدعمها الأخرى. فالأسواق الحرة تخدم مصلحة الأقلية في حين تخدم الديمقراطية مصلحة الأكثرية. 

وفي دول مثل إندونيسيا وزمبابوي، حيث تهيمن أقلية إثنية صغيرة على السوق بكم غير متناسب من الموارد الاقتصادية، على سبيل المثال، يمكن أن تؤدي إقامة الديمقراطية وإعطاء صوت للأغلبية، الصامتة سابقا، إلى التعبير عن الكراهية الإثنية والغيظ من الأغنياء. وسيؤدي اندلاع العنف الإثني الناجم عن ذلك، بدوره على الأرجح، إلى إعاقة، إن لم يكن وقف، نمو الديمقراطية والرأسمالية.

إعداد اختبار

لقد قررنا اختبار صحة التأكيد على أن محاولات إقامة ديمقراطيات رأسمالية في المجتمعات المقسمة إثنياً، خصوصا تلك التي توجد فيها أقلية مهيمنة على السوق، تفشل أساسا بسبب اندلاع العنف السياسي.

واستخدمت اختباراتنا مجموعتين من البيانات متعددة الجنسيات. واستخدمنا بيانات التنوع الإثني التي جمعها أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد ألبرتو أليسينا وزملاؤه. وقمنا، على أساسها، بتصنيف 125 دولة، تمر جميعها بمستويات مختلفة من التحولات السياسية والاقتصادية، إلى ثلاث فئات استنادا إلى تركيبتها الإثنية. وهذه الفئات هي: الدول التي لا توجد فيها أقلية مهيمنة على السوق ومجموعات إثنية مختلفة قليلة (42)، والدول التي لا توجد فيها أقلية مهيمنة على السوق ولكن فيها فئات إثنية مختلفة كثيرة (47)، وجميع الدول التي توجد فيها أقلية مهيمنة على السوق (36).

وباستخدام بيانات من مؤشر تحول بيرتيلسمان، قمنا بمقارنة مستويات النزاع الاجتماعي في الدول ومستويات إنجازاتها فيما يتعلق بالإصلاحات الديمقراطية والاقتصادية. ويقيس مؤشر تحول بيرتيلسمان الحالة السياسية والاقتصادية لمائة وخمس وعشرين دولة نامية وانتقالية وفقا لمقياس مؤلف من 11 نقطة، تتراوح بين المنخفضة صفر والعالية 10. وقمنا بهدف تيسير التفسير بتصنيف العلامات ضمن مستويين، المنخفض (0 – 5) والعالي (6 – 10)، ثم قمنا بحساب النسب المئوية للدول التي تقع ضمن كل مستوى.

     ويظهر الشكل 1 المستويات الوسطى للنزاع الاجتماعي الذي مرت به كل فئة من الفئات الثلاث. وتبلغ مستويات النزاع أقصاها (5.3) في الدول ذات الأقلية المهيمنة على السوق، وتتبعها الدول ذات الفئات الإثنية الكثيرة المختلفة (4.9) ثم الدول ذات الفئات الإثنية المختلفة القليلة (3.2).

     وكما يظهر في الشكل 2 فإن 44 بالمائة من الدول التي توجد فيها أقلية مهيمنة على السوق تمر بمستوى عال من النزاع (6 أو أعلى على مقياس مؤشر تحول بيرتيلسمان)، في حين تمر به 26 بالمائة من الدول ذات الفئات الإثنية المختلفة الكثيرة، و12 بالمائة من الدول ذات الفئات الإثنية المختلفة القليلة. وتتعرض الدول ذات الأقلية المهيمنة على السوق لمستوى أعلى بكثير من النزاع الاجتماعي أو العنف مقارنة بالدول الأخرى.

     ويظهر الشكل 1 أيضا المستويات الوسطى للإصلاحات السياسية والمتعلقة بالأسواق الحرة التي تنفذ في التصنيفات الثلاثة للدول. وتسجل الدول ذات الانقسام الإثني المنخفض (الفئات الإثنية المختلفة القليلة) أعلى مستوى إنجاز للإصلاحات السياسية والاقتصادية المشتركة (6.9)، تليها الدول ذات الأقلية المهيمنة على  السوق (5.4) ثم الدول ذات الانقسام العرقي العالي (الفئات الإثنية المختلفة الكثيرة) (5.1). وتسجل مستوى عاليا للإصلاحات السياسية والاقتصادية (6 أو أعلى على مقياس مؤشر تحول بيرتيلسمان) 69 بالمائة من الدول ذات الانقسام الإثني المنخفض، و39 بالمائة من الدول ذات الأقلية المهيمنة على السوق، و30 بالمائة من الدول ذات الانقسام الإثني العالي (أنظر الشكل 2).

النتائج

تشير هذه النتائج إلى أن المستوى العالي للنزاع الاجتماعي والعنف في المجتمعات كثيرة الفئات الإثنية المختلفة يجعل من الصعب تطبيق الإصلاحات السياسية والاقتصادية في هذه المجتمعات. إلا أنه خلافا للأبحاث الأخرى، فإن وجود أقليات غنية بشكل غير متناسب في هذه المجتمعات لا يزيد بالضرورة من صعوبة تطبيق هذه الإصلاحات.

كيف يؤثر إنجاز الإصلاحات السياسية وإصلاحات الأسواق على الصراع الإثني؟ لاستكشاف هذا السؤال، قمنا بتقسيم الدول المائة وخمس وعشرين التي تمر بمراحل تحول إلى أربع فئات، استنادا إلى ما إذا كانت مستويات الإنجاز مرتفعة في أحد الإصلاحين أو كلاهما أو ليس في أي منهما. والأنماط الأربعة الناتجة هي الدول التي لم تشهد إصلاحات سياسية أو اقتصادية (32 دولة)، أو التي شهدت إصلاحات اقتصادية (17)، أو التي شهدت إصلاحات سياسية (13)، أو التي شهدت إصلاحات سياسية واقتصادية (63). ويشير النمط الرابع إلى تلك الدول التي نفذت الإصلاحات الديمقراطية والمتعلقة بالسوق بشكل متواز. وطبقا لعالم آخر، فإن هذه هي الدول التي تنقسم فيها المجموعات الإثنية على أساس الأحوال الاقتصادية والتي يرجح أن تقع فيها نزاعات عنيفة.

ويظهر الشكل 3 لكل نمط إصلاحي نسباً مئوية للدول التي تمر بمستوى عال من الصراع الاجتماعي. وخلافا لما هو متوقع نتيجة الأبحاث الأخرى، فإن حدوث صراع اجتماعي على أقل ما يكون عليه انخفاضاً (10 بالمائة)  في الدول التي حققت بنجاح التنمية المتوازية، وعلى أعلى ما يكون عليه (48 بالمائة) في الدول التي لم تنفذ لا إصلاحات سياسية ولا إصلاحات سوق. وتقع في الوسط الدول التي نفذت إصلاحات في أحد المجالين فقط.  وتسجل مستويات عالية من الصراع الاجتماعي 22 بالمائة من الدول التي نفذت إصلاحا سياسيا و14 بالمائة من الدول التي نفذت إصلاحات اقتصادية.

    

وتشير هذه الإصلاحات إلى أنه فيما تحول الدول أنظمتها السياسية والاقتصادية إلى ديمقراطيات رأسمالية ناجحة فإنها تخفض فرص تعرضها لمستويات عالية من الصراع الاجتماعي. وتنطبق هذه النتيجة حتى على الدول ذات الأقلية المهيمنة على السوق.

ويشير تحليلنا البسيط إلى أن الانقسام الإثني يشجع بالفعل الصراع الاجتماعي والعنف، وبالتالي قد يعيق تغيير النظامين السياسي والاقتصادي جذريا. إلا أن التحول الناجح للنظامين هو وسيلة فعالة لتقليص الصراع الاجتماعي وتحسين نوعية حياة المواطنين، حتى في المجتمعات المقسمة إثنيا التي توجد فيها أقليات مهيمنة على السوق.

الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء أو سياسات الحكومة الأميركية.

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي