مواطنون لهم حرية التعبير | الديمقراطية في العالم

09 حزيران/يونيو 2008

اقتصاد السوق الحرة بدون ديمقراطية في الخليج

بقلم جان فرانسوا سيزنيك

 
تحتل دول مجلس التعاون الخليجي مراكز عالية نسبيا في مجال الأسواق الحرة، ولكنها تحتل مراكز منخفضة نسبيا في مجال الحقوق المدنية والسياسية.
تحتل دول مجلس التعاون الخليجي مراكز عالية نسبيا في مجال الأسواق الحرة، ولكنها تحتل مراكز منخفضة نسبيا في مجال الحقوق المدنية والسياسية.

 لدى دول الخليج أسواق حرة في غالبيتها إلا أنه لا يوجد لديها انتخابات حرة، كما يقول جان – فرانسوا سيزنيك. ويضيف أن الحكام يتقاسمون الفوائد الناجمة عن التوسع الاقتصادي (مع الشعب) ولكن ليس السلطة السياسية. وسيزنيك أستاذ مشارك زائر في مركز الدراسات العربية المعاصرة بجامعة جورجتان في واشنطن.

يبدو أن اقتصاديات السوق تزدهر في دول غير ديمقراطية معينة، ومع ذلك لا يبدو أنها تدفع هذه الدول نحو الديمقراطية. ولنأخذ على سبيل المثال الدول الست التي تشكل مجلس التعاون الخليجي: البحرين والكويت وعمان وقطر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة.

تسجل دول الخليج نتائج ضعيفة في مقياس فريدوم هاوس للحرية في العالم الذي يمنح الدول درجات تتراوح من 1 إلى 7، بحيث يشير رقم 1 إلى أكثر الدول حرية. فقد حصلت  المملكة العربية السعودية على 6,5 بسبب الحقوق المدنية والسياسية المحدودة فيها. وسجلت الكويت أعلى مرتبة بين الدول الست، وإن كانت لم تحصل سوى على رقم 4 في معيار فريدم هاوس. وتجري الكويت انتخابات تنافسية حرة لمجلس الأمة كما يتمتع مواطنوها بحرية التعبير، ولكن كون الأسرة الحاكمة هي المرجع الأعلى وصاحبة السلطة السياسية المطلقة أمر لا جدال حوله.

إلا أن دول الخليج، وفق مقاييس معينة، بين الدول التي تملك أكثر الأسواق حرية في العالم.

وجميع دول الخليج دول تعتمد نظام اقتصاد السوق. وتحتل المملكة العربية السعودية  المركز الثالث والعشرين العالي نسبيا على لائحة البنك الدولي للدول التي تجري فيها الأعمال التجارية بيسر. وجميع دول مجلس التعاون الخليجي أعضاء في منظمة التجارة العالمية. ولدى عمان والبحرين اتفاقيات تجارة حرة مع الولايات المتحدة. والتعرفات الجمركية في هذه الدول منخفضة.

ولا تفرض أي من هذه الدول ضريبة على الدخل. والفساد في التعاملات اليومية لا يتجاوز الحد الأدنى. وتعدّ البنوك والمؤسسات المالية في دول مجلس التعاون الخليجي مؤسسات إقراض عصرية محنكة. والقيود المفروضة على بيع السلع محدودة، باستثناء المنتجات الممنوعة لأسباب دينية كلحم الخنزير والمشروبات الكحولية.

وتعكف دول الخليج أيضا على تحديث هياكلها وقوانينها الاقتصادية لجذب الاستثمارات الخاصة، المحلية والأجنبية على السواء. ويمكن لشركة أجنبية الآن أن تمتلك 100 بالمائة من جميع مشاريعها في معظم دول مجلس التعاون الخليجي. وهي تستطيع إعادة أرباحها بحرية إلى مقرها الأصلي، وتبيع أصولها كما تشاء، وتدفع ضرائب شركات منخفضة نسبيا.

وتشهد اقتصاديات دول الخليج ازدهارا كبيرا. وهي تسعى، أثناء تحركها نحو تقليص اعتمادها على النفط أو الغاز، إلى الاستفادة إلى أقصى حد ممكن من ميزاتها المتمثلة بطاقة منخفضة الكلفة ووفرة في رأس المال وموقع استراتيجي. وهي تنتج بالفعل حوالي 12 بالمائة من جميع المنتجات الكيماوية والأسمدة في العالم. كما تنتج بشكل متزايد المنتجات الكيماوية الأكثر تقدماً وتطوراً كالمواد البلاستيكية المستندة إلى الإثيلين. وقد أصبحت، بفضل حصولها على الكهرباء بأسعار رخيصة، منتجاً كبيراً للألومنيوم وربما نجحت، نظراً لكون المملكة العربية السعودية ستصبح قادرة على الحصول على البوكسيت (الصخر الذي يستخرج منه الألومنيوم) في المستقبل، في التوصل إلى إنتاج 20 بالمائة من مجمل إنتاج العالم من الألومنيوم قبل العام 2020.

قيود على الأسواق الحرة

هناك قيود تحد من الالتزام التام بالأسواق الحرة بطبيعة الحال. وليس من السهل فرض تنفيذ العقود نظراً لتباين الأعراف القانونية المختلفة المتبعة وقلة عدد القضاة الذين يلمّون بالممارسات القانونية العالمية.

ولتحقيق التنمية الاقتصادية، تقوم دول الخليج بإنفاق مئات البلايين من الدولارات على مشاريع البنية التحتية وعلى بناء المدن الصناعية والسكك الحديدية والموانئ والمطارات.

يجسد مركز دبي المالي الدولي انفتاح دول الخليج على الاستثمار.
يجسد مركز دبي المالي الدولي انفتاح دول الخليج على الاستثمار.

ومعظم شركات  المنتجات الكيماوية والمعادن الكبيرة جدا العاملة في دول مجلس التعاون الخليجي في هذه الأيام هي شركات تملكها دولها، مع أنها تدار كالشركات الغربية الكبيرة بحد أدنى من التدخل الحكومي. فشركة سابك، على سبيل المثال، هي أكثر الشركات الكيماوية تحقيقاً للربح في العالم وأسرع الشركات الكيماوية نمواً في العالم وتحصل على المواد الخام بأقل سعر. كما أنها بدأت تتحول إلى مصدر رئيسي ضخم للأبحاث والتطوير والإنتاج،  وهي كنظيرتها النفطية أرامكو السعودية،  تدرب وتستخدم السعوديين لإنشاء صناعات  تستند إلى المعرفة في المملكة.

إلا أن نجاح الشركات المملوكة للدولة يتم نتيجة، ويؤدي إلى، شوائب معينة. فمديرو هذه الشركات يصرون على أنه ينبغي ألا يشاركهم موادهم الخام رخيصة الثمن أي منافس محلي لهم. وهكذا، فإن المشاريع الحكومية الضخمة توفر فرص العمل للقطاع الخاص في الاقتصاد ولكنها تضع، في نفس الوقت، قيوداً على تحول منافسيها في القطاع الخاص إلى شركات كبيرة جدا.

وبطبيعة الحال فإن بعض الجهات في مجلس التعاون الخليجي تقاوم الأسواق الحرة، بما في ذلك الصناعيون التقليديون والتجار. كما أن السلفيين المحافظين دينيا يمارسون الضغط ضد الأسواق الحرة، خشية أن يشجع الاقتصاد الحر المنفتح على انتشار طراز الممارسات والتعليم الغربي على نطاق واسع.

تقاسم الثروة، وليس السلطة

سعت حكومات دول الخليج، بهدف تحقيق أهدافها الاقتصادية الطموحة، إلى تقاسم الثروة، ولكن ليس السلطة السياسية، مع شعوبها.

واستخدمت السلطات السعودية البورصة لتقاسم الثروة. والكثير من الشركات الـ115 التي يتم التداول بأسهمها في السوق المالية، هي شركات تسيطر عليها الدولة كما أنها عادة مربحة جدا. وتبيع هذه الشركات ربما 30 بالمائة من رأسمالها كأسهم في سوق البورصة. ويحصل السعوديون الذين يستثمرون في هذه الشركات المملوكة للدولة على إيرادات جيدة وارتفاع في قيمة الاستثمارات المأمونة. كما أن هيئة السوق المالية السعودية تضمن كون جميع الشركات المدرجة غير زائفة أو مخادعة وتضمن توفر إتاحة فرصة شراء الأسهم للمستثمرين الصغار. ويملك 50 بالمائة من السعوديين في هذه الأيام أسهما، وبالتالي لهم مصلحة في تنمية المملكة.

إلا أن حكومات الخليج تخشى من أن تؤدي مشاركة شعوبها في السلطة السياسية إلى وضع نهاية سريعة للتنمية. وقد أسفرت الانتخابات الحرة القليلة في الخليج عن فوز السلفيين بأغلبية مطلقة. ولموازنة مكاسب السلفيين قام ملوك وأمراء دول مجلس التعاون الخليجي بتعيين مجالس شورى، تتألف من تكنوقراطيين يمنحون السياسة الاقتصادية والقوانين غير المثيرة للجدل موافقة من مشاركين من الشعب.

ويظهر عدم وجود استقلال قضائي انقساما آخر في دول الخليج بين تشاطر الثروة وتشاطر السلطة السياسية. ويحكم القضاة المعينون من قبل الحكومة في قضايا الأحوال الشخصية والجنائية التي تتمسك قوانينها بأصول التشريع الإسلامي، ولكنهم يفتقرون إلى الكفاءة في القانون التجاري. وقد أنشأ السعوديون نظاما قضائيا موازيا يعرف بديوان المظالم للبت في القضايا التجارية.

إلا أن أصحاب النفوذ يظلون بعيدين عن متناول المحاكم. ولا ينظر ديوان المظالم السعودي في النزاعات التي تشمل الأمراء والمسؤولين الحكوميين. ويندر أن يحكم في مثل هذه القضايا على أساس حقوق الخصوم القانونية المجردة.

ولم يفعل نمو الأسواق الحرة، التي شجعتها أنظمة حكم الفرد مطلق السلطة كما عرقلتها، لم يفعل شيئا يذكر لإحداث الإصلاح السياسي في دول الخليج. وتستمر اقتصاديات السوق الحرة نتيجة دعم الحكام ذوي السلطة السياسية المطلقة التي لا خلاف حولها لتلك السوق. وحتى في دبي، مركز المشاريع الجديدة الرائدة في المنطقة، تعتبر كلمة الحاكم هي الحكم في البلاد.

وحكومات الخليج ليست حكومات الشعب، ومن الشعب، ومن أجل الشعب. إنها حكومات القلة لفائدة الكثيرين. وهذا يختلف اختلافا كبيرا عما حققته الديمقراطيات الغربية، ولكنه من صنع محلي.

ولا يمكن فرض الديمقراطية من الخارج. وربما كانت التغيرات الاقتصادية المستمرة في الخليج تشير إلى أن الحكام هناك، مع مرور الوقت، سيسمحون ليس فقط بحرية السوق بل أيضا بالحريات السياسية كالأحزاب السياسية وحرية التعبير عن الرأي واستقلال السلك القضائي. وفي نهاية المطاف، قد تشجع المشاركة الاقتصادية والإصلاح السياسي على الديمقراطية.

الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء أو سياسات الحكومة الأميركية.

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي