مواطنون لهم حرية التعبير | الديمقراطية في العالم

09 حزيران/يونيو 2008

جذور الرأسمالية الحديثة

بقلم بروس سكوت

 
متظاهران معارضان للحكومة يرفعان يديهما المكبلتين في فنزويلا، حيث أخذت الديمقراطية في التراجع.
متظاهران معارضان للحكومة يرفعان يديهما المكبلتين في فنزويلا، حيث أخذت الديمقراطية في التراجع.

يشير بروس سكوت إلى أن الرأسمالية والديمقراطية لم تنشأا عادة معا في التاريخ، ويضيف أن مسألة تمكنهما من مواصلة الهيمنة على الأنظمة العالمية للتجارة والحكم أو إخفاقهما في ذلك تثير سؤالا جديدا. وسكوت هو أستاذ بول ويتون تشيرينغتون  لإدارة الأعمال في كلية الأعمال بجامعة هارفارد ومؤلف الكتاب الذي سيظهر قريباً بعنوان الرأسمالية والديمقراطية والتنمية الذي سيصدر في وقت لاحق من هذا العام عن دار سبرنغر فيرلاغ للنشر.

لقد عُرفت الولايات المتحدة منذ نشر كتاب الديمقراطية في أميركا الرائع لأليكسي دي توكفيل في العام 1835 على الأقل بمزاوجتها الخاصة بين الرأسمالية والديمقراطية – اتخاذ القرارات غير المركزية في المجالين الاقتصادي والسياسي.

ورغم عدم وجود تعريف متفق عليه بالإجماع للرأسمالية، فقد أصبح منذ العام 1990 النظام الاقتصادي شبه العالمي، ويضم الصين والهند، رغم أنه لا يضم كوبا وكوريا الشمالية.

إلا أن تعريف الديمقراطية يظل أكثر صعوبة، ويختلف عدد الديمقراطيات باختلاف  التعريف المستخدم. ويرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة ييل، روبرت دال، أنه يمكن تصنيف أكثر من نصف الدول الأعضاء المائتين في الأمم المتحدة، أي ربما حوالي ثلثي سكان العالم،  كأنظمة ديمقراطية.

وبذلك تكون الرأسمالية، رغم عدم التوصل إلى تعريف دقيق متفق عليه لها، قد أنجزت هيمنة شبه كاملة على الاقتصاد العالمي، وأصبحت الديمقراطية النموذج المعياري، ولو أنها أقل هيمنة في الواقع: لقد أقامت الصين نظاما رأسماليا ناجحا ضخما ولكنها ما زالت تعتمد نظاماً فاشستياً استبداديا.

وعلينا أن نتوصل إلى تعريف أكثر دقة للرأسمالية والديمقراطية قبل أن يصبح بمقدورنا  التكهن بما إذا كانتا ستستمران في الهيمنة كنظامين للتجارة والحكم. أولا، هناك أنواع مختلفة من الرأسمالية . ويختلف النوع الأميركي عن الأوروبي، على سبيل المثال، بحيث أن النوع الأوروبي يفرض قيودا أكثر على تنظيم السوق وتوزيعاً أكثر مساواة للدخل بين المواطنين.

ثانيا، تميل المناقشات المتعلقة بالديمقراطية إلى التركيز على عمليات لمشاركة المواطنين بينما تتجاهل دراسة ما إذا كانت تلك المشاركة تضمن بالفعل نتائج ديمقراطية. وقد وصف خطاب الرئيس إبراهام لنكون في غتسبيرغ في العام 1863 الحرب الأهلية بأنها اختبار لما إذا كانت "حكومة الشعب، من الشعب، ومن أجل الشعب" ستكون قابلة للاستمرار. وكما ألمح لنكون فإن الحكومة من الشعب لا تضمن وجود حكومة من أجل الشعب. ولدى إلقاء لنكولن ذلك الخطاب، كانت الولايات المتحدة قد تمتعت بالفعل بحكومة من الشعب على مدى قرن تقريبا، ومع ذلك فقد تغاضت عن الرق، وكأن السود ليسوا بشرا. كما تغاضت بنفس القدر تقريباً عن حقوق المرأة السياسية.

وعلاوة على ذلك فإن النموذج الدستوري الأميركي يقسم السيادة بين ثلاث سلطات للحكومة – التشريعية والتنفيذية والقضائية – في حين أن معظم الأنظمة الديمقراطية الأخرى تتبع النموذج البريطاني الأقدم، الذي يركز السيادة في مجلس النواب المنتخب من قبل الشعب.

تعريف الرأسمالية

في ما يلي محاولة لتقديم تعريف يمكن الأخذ به للرأسمالية، ولإظهار كيفية نشوئها عبر التاريخ، ولاقتراح بعض الشروط المواتية، وربما الأساسية، للديمقراطية.

يعرّف اقتصاديون كثيرون الرأسمالية على أنها تقريبا نظام حقوق ملكية متساو في الامتداد مع الأسواق الحرة لإنتاج واستهلاك السلع والخدمات، محكوم بـ "اليد الخفية"، حسب تعبير آدم سميث الشهير، التي تحدد الأسعار بشكل متناسب مع العرض والطلب.

وأفضّل شخصياً تعريف بعض أساتذة العلوم السياسية للرأسمالية كنظام حكم ينشأ بسماح الدولة لأطراف من غير مسؤولي الدولة بممارسة السلطة الاقتصادية، شرط خضوعهم  لمجموعة من الأنظمة والقوانين. وبموجب هذا التعريف، تعتمد الرأسمالية على تفويض الدولة سلطة للاعبين اقتصاديين وعلى القدرة القسرية التي تملكها الدولة لوضع ومراقبة قوانين السوق وفرض تطبيقها في نهاية المطاف. وتنسق آلية تحديد الأسعار العرض والطلب ضمن إطار سوق معين، في ما تفرض يد الحكومة المرئية إطار العمل وتحافظ على بقائه حديثاً لا يتجاوزه الزمن.

وفي حين أن هناك حاجة لمساءلة الدولة حول شرعيتها وتحميلها مسؤوليتها، فإنه من غير الضروري أن تكون مسؤولة أمام حكومة منتخبة ديمقراطيا  لكي تزدهر الرأسمالية. ولم تكن البندقية، التي ربما كانت أقدم مثال على الرأسمالية المستدامة (منذ ما قبل العام 1200 على الأقل)، دولة ديمقراطية، بل كانت مملكة دستورية أساسا، حيث شكلت جزرها السبع اتحادا طوعياً يحكمه دوق منتخب.

إنهاء عمليات التحكم وحرية الحركة، كما عبر الحدود الألمانية البولندية، من الضروريات لنجاح الرأسمالية.
إنهاء عمليات التحكم وحرية الحركة، كما عبر الحدود الألمانية البولندية، من الضروريات لنجاح الرأسمالية.

وقد ظهرت الرأسمالية إلى الوجود قبل ظهور الدول الديمقراطية الكبرى بكثير، ويعتبر أساتذة العلوم السياسية وجود قرارات غير مركزية مبنية على نظام السوق في الاقتصاد متطلباً أساسياً للسلطة السياسية غير المركزية عن طريق الديمقراطية.

ومع أنه يبدو أن الديمقراطية على مستوى المدن تعود إلى أيام الإغريق والرومان القدماء، إلا أنه لم تكن هناك أي دول ديمقراطية قد ظهرت بوضوح قبل ملاحظات دي توكفيل المتعلقة بأميركا، ونموذجه الأميركي هو الحالة الوحيدة التي يمكن للبعض أن يجادل  بأن نظامي الحكومة الديمقراطية والرأسمالية تطورا معا فيها منذ حوالي العام 1630.

وقد أقر المؤرخ فيرناند بروديل، الذي أعاد جذور الرأسمالية إلى ما بين العامين 1400 و1800، بأنه لم يتمكن من تعريف الرأسمالية، مع أنه أدرك، وهو أمر مهم، بأنه نظام علاقات اقتصادية يتعارض مع النظام الإقطاعي، وهو نظام آخر للعلاقات الاقتصادية. والمتاجرة بالسلع والخدمات كانت موجودة في سياقات إقطاعية متعددة كتلك التي مارستها إمبراطوريتا الأزتك والإنكا واليابان إبان حكم الجنرالات العسكري (شوغن) والإمبراطورية الصينية والهند والإمبراطورية العثمانية.

التخلي عن سلطات

تتطلب الرأسمالية حرية الحركة والانتقال وتوظيف العمال والحق في شراء وبيع الأراضي، وهي أمور لم تكن متساوقة مع النظام الإقطاعي. وهي تسلم بأن الفوائد عائد مشروع لرأس المال، وتوفر حق الجهات غير الحكومية في حشد واستخدام رأس المال عن طريق وسائل قانونية كالشراكات وشركات الأسهم المشتركة والشركات الحديثة. وتنطوي  جميع هذه الحريات ضمنا ليس على نهاية النظام الإقطاعي فحسب، بل أيضا على استعداد الدولة ذات السيادة للتخلي عن مثل هذه السلطة لأطراف غير حكومية.

ويوضح هذا المفهوم أن الرأسمالية ظهرت في أوروبا قبل ظهورها في الأماكن الأخرى بكثير، باستثناء الولايات المتحدة، حيث أحضر المستوطنون الأوروبيون الأوائل الكثير من الأفكار والمؤسسات معهم.

لماذا ظهرت الرأسمالية في أوروبا؟ ليس هناك جواب واحد على ذلك، ولكن كان من العناصر المهمة والمميزة للتجربة الأوروبية استمرار الحروب خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر بشكل متواصل دون توقف تقريبا. ووضع هذا التنافس السياسي – الحربي ضغوطا كبيرة على الوحدات السياسية القائمة في أوروبا، التي قدر عددها بحوالي 500 في العام 1500 وانخفض إلى 40 بحلول نهاية الحروب النابليونية في العام 1815 وإلى 25 في العام 1940.

وكما هو الحال بالنسبة للتنافس الاقتصادي في هذه الأيام، كانت فرص بقاء أي كيان سياسي أكبر بكثير إذا كان لديها جيش فعال، وقد ازداد حجم المدافع والجيوش بشكل كبير عبر القرون. وكان من الضروري أن تملك الكيانات السياسية المال أو القدرة على اقتراض المال كي تتمكن من الاستمرار في الوجود. وشكل التخلي عن بعض السلطة إلى التجار وأصحاب المشاريع التجارية مصدراً محتملاً للدخل لأولئك الحكام الذين تقبلوا تلك السلطة اللامركزية. وواجهت الممالك الدستورية التي اقترضت المال بموافقة مجالسها التشريعية (البرلمانات)، كلفة اقتراض أقل بكثير.

 ويبدو أن الظرفين اللذين اشترط توفرهما مسبقاً لظهور الرأسمالية عبر التاريخ كانا التهديدات التنافسية للسيادة والحكم الذاتي من ناحية والحكومة التي تواجه المساءلة والمحاسبة من ناحية أخرى. ولم يتوفر أي من الشرطين في اليابان والصين والهند والإمبراطورية العثمانية على مدى قرون.

ويبدو أن الشروط المسبقة الضرورية لظهور الديمقراطية تتضمن سيطرة المسؤولين المنتخبين على العسكريين والشرطة؛ ووجود دولة تحتكر السلطة القسرية، بما في ذلك السلطات القسرية للمحاكم والسلطة لتوفير الأمن للأشخاص والممتلكات؛ ووجود الأسواق للإنتاج والاستهلاك؛ وقبول قيم حركة التنوير الفلسفية، خاصة فكرة أن السلطة السياسية النهائية مخولة  إلى مؤسسات أسسها البشر واستنبطت من خلال الاستنتاج البشري. 

وهناك عدد من الظروف والشروط المواتية لاستمرار الديمقراطية، بينها ارتفاع الدخل وتجنب عدم المساواة المفرط في كيفية توزع الثروة والسلطة  ووجود طبقة وسطى قوية ومعبأة جيدا ومجموعة قوانين أخلاقية مقبولة وموازنة بين مصلحة الأفراد الشخصية ومسؤوليات المواطنة.

ومن الممكن أن تهدد شروط أخرى الديمقراطية. وأحدها هو المصادر الضخمة للدخل غير المكسوب بالجهد أو البراعة، مثل ما يعرف بأجرة المناجم أو حقول البترول (دفع الدول المستهلكة أجرة للدول النامية لاحتفاظها بالمعادن أو البترول في المناجم والحقول وذلك عن طريق رفع سعر السلعة المستخرجة من المنجم أو الحقل لتتضمن تلك الأجرة). ومن الأمثلة على ذلك نيجيريا وفنزويلا. ويصبح الدخل غير المكسوب مصدرا ضخما للثروة والتفضّل  لزعماء الحكومة، وبذلك منطلقا لسلطة لا تخضع للمساءلة والمحاسبة.

وتحتاج إقامة الشروط الأساسية لدعم الديمقراطية عقودا طويلة، ويحتمل ألا يعجل البدء قبل الأوان في العملية،كما اتضح في البوسنه وكوسوفو والعراق ولبنان والضفة الغربية. وقد تمتع عدد من الدول الأوروبية، كبريطانيا وهولندا، بأساليب حكم جيدة قبل أن تصبح دولا ديمقراطية بوقت طويل.

ولا تعني الدساتير والانتخابات وحدها وجود ديمقراطية بالضرورية، كما يتضح من نيجيريا وفنزويلا وزمبابوي المعاصرة. ومن الممكن للزعماء المنتخبين التلاعب بالدساتير والانتخابات، وقد يؤدي التركيز على إقامة هذه الجوانب الإجرائية في حكومة من الشعب،  في حقيقة الأمر، إلى تأخير نشوئها، ناهيك عن نشوء حكومة من أجل الشعب، وهو أمر أكثر صعوبة.

الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء أو سياسات الحكومة الأميركية.

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي