09 حزيران/يونيو 2008

بقلم وليام أ. راينش
يقول وليام أ. راينش إن الأسواق الحرة تميل إلى تعزيز الديمقراطية، وإن الديمقراطية تعزز أحياناً الأسواق الحرة، ولكنها لا تفعل ذلك في أحيان أخرى. وراينش هو رئيس مجلس التجارة الخارجية القومي وعضو في لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية – الصينية، وهي لجنة استشارية.
عندما يلقي المرء نظرة على العالم في هذه الأيام، يجد أن الكثير من أكثر الدول ازدهارا تتمتع أيضاً بأكثر الأنظمة الديمقراطية ديناميكية. فالدول مثل تشيلي وإيرلندا والولايات المتحدة ديمقراطيات نابضة بالحيوية والنشاط وتتمتع بأسواق حرة إلى حد كبير. والدول مثل بورما وكوريا الشمالية تتصف بكونها دولا دكتاتورية وذات اقتصاديات صارمة وتدار من الأعلى.
ومع أن هناك استثناءات لأي قاعدة فإن الحريتين الاقتصادية والسياسية تميلان إلى أن تسيرا معاً يداً بيد. وفي كثير من الحالات، يكون انخراط دولة ما في العالم مؤشرا مهما على الحريتين الاقتصادية والسياسية.
ويشكل التعاطي الاقتصادي العالمي بشكل خاص أساساً مهماً للديمقراطية. فالتجارة والتنافس يشجعان النمو، الذي يعزز الثروة ويوجد طبقة متوسطة أكبر حجما. وتطالب هذه الطبقة المتوسطة الأكبر حجما، بدورها، بالمزيد من الحكومة التي لا يعود بمقدورها عندئذ الاعتماد على دعم زمر النخب الصغيرة. وفي الوقت ذاته، تكشف التجارة مواطن الضعف في المشاريع المتضخمة التي تديرها الحكومة، مما يزيد من الحد من قدرة المسؤولين الحكوميين على التفضّل على الموالين لهم بالوظائف والمن عليهم بالخدمات.
ويعزز اليأس الاقتصادي، من ناحية أخرى، الأوضاع التي يمكن أن يتحول فيها زعماء الدهماء إلى دكتاتوريين، كما أظهرت الفترة بين الحربين العالميتين بوضوح شديد. وقد أدرك الرئيس هاري ترومان ووزير الخارجية جورج مارشال هذا الأمر، عندما وضعا بعد الحرب العالمية الثانية خطة لإعادة بناء أوروبا. وقال مارشال إن "إحياء اقتصاد يؤدي وظيفته" من شأنه أن "يفسح المجال لنشوء الأوضاع السياسية والاجتماعية التي يمكن للمؤسسات الحرة أن تتواجد فيها".
وبالإضافة إلى إيجاد اقتصاد مزدهر، فإن التعاطي المتزايد مع مؤسسات الأعمال العالمية التجارية يمكنه أن يدعم أيضا المثل الديمقراطية. فعلى سبيل المثال، يمنع القانون الشركات العالمية في كثير من الحالات من تقديم الرشاوى أو الانخراط في ممارسات فاسدة.
وعلاوة على ذلك، تقر شركات كثيرة وبشكل تطوعي مواثيق سلوك داخلية أو تعلن موافقتها على الالتزام باتفاقيات تتعلق بسلوك الشركات، كمبادئ سليفان العالمية واتفاق الأمم المتحدة العالمي. وكلما ازداد السماح لمثل هذه الشركات بالتعاطي مع العالم عن طريق التجارة والتنافس، كلما قل تمكن البيروقراطيين أو الزعماء الحزبيين من دعم أنفسهم والمحافظة على مناصبهم أو تغذية الجهاز الحكومي عن طريق الممارسات المريبة أو الفاسدة.
مسؤولية الشركات الاجتماعية
هناك فائدة سياسية مهمة أخرى تنجم في هذه الأيام عن مشاركة الشركات العالمية في الاقتصاديات المحلية. فقد وضعت مؤسسات أعمال كثيرة برامج مسؤولية اجتماعية للشركات لدعم المجتمعات المحلية التي تعمل فيها. وفي عدد من الحالات، لا ترتبط هذه الجهود مباشرة بعمل أساسي ولكنها تركز بدلا من ذلك على تحسين المؤسسات المحلية.
وينطبق ذلك بشكل خاص في إفريقيا، حيث أسست شركات متعددة الجنسيات برامج علاج للمصابين بنقص المناعة المكتسب/الإيدز، وأنشأت برامج إعادة توطين لفترات ما بعد النزاعات المسلحة، وأقامت مؤسسات لتقديم القروض بالغة الصغر. فقد أقامت شركة جنرال إليكتريك، على سبيل المثال، شراكة مع الاقتصادي الخبير في شؤون التنمية جيفري ساكس لبناء مجموعة من المستشفيات في عشر دول في إفريقيا، مستخدمة تكنولوجيا جنرال إليكتريك ومتطوعين من الشركة لتحسين تقديم الرعاية الصحية في المناطق الريفية. وتساعد هذه المشاريع في تعزيز المجتمع المدني وفي التشجيع إلى حد أكبر على إقامة مؤسسات حرة.
وبشكل عام إلى حد أكبر، يعزز التنافس الاقتصادي العالمي التعاطي بشكل أكبر مع العالم، مما يؤدي بشكل حتمي إلى تبادل المعلومات والأفكار والقيم الديمقراطية. وقد أدرك الرؤساء الأميركيون، من فرانكلين روزفلت إلى جون إف. كنيدي إلى رونالد ريغان فوائد الأسواق الحرة والتعاطي مع العالم غير الملموسة في مجال تشجيع الديمقراطية في الخارج.
وفي الآونة الأخيرة، اتفق الرئيسان بيل كلينتون وجورج دبليو. بوش على أن ضم الصين إلى منظمة التجارة العالمية سيكون مفيداً للديمقراطية. وقال كلينتون "عندما يتمتع الأفراد بالقدرة ليس فقط على الحلم وإنما أيضاً على تحقيق أحلامهم، سوف يطالبون بأن يكون لرأيهم دور أكبر." وأضاف بوش أن "الحرية الاقتصادية تخلق عادات الحرية"، وفيما يتعلق بالصين، فإن "أعظم صادراتنا ليس المواد الغذائية أو الأفلام السينمائية أو حتى الطائرات. إن أعظم صادراتنا هو الحرية".

وكانت الولايات المتحدة وأوروبا الغربية تصدران إلى الاتحاد السوفياتي السابق قبل فترة لم يمر عليها زمن طويل المفاهيم والمثل الأميركية العليا عن طريق موسيقى الروك والكتب والتلفزيون. وفي العام 1987 أحيا بيلي جول حفلات غنائية أمام جماهير في موسكو وليننغراد، قائلا للشعب السوفييتي "إن ما يحدث في بلادكم الآن يشبه إلى حد كبير ما حدث في بلادي في فترة الستينيات". وتعني الأسواق الأكثر حرية في هذه الأيام حرية الوصول إلى الإنترنت والهواتف الخليوية والنصوص الهاتفية القصيرة التي تعجل في نشر المعلومات والإشاعات والأخبار بطرق يصعب على أي حكومة التحكم فيها. والمشاركة في نظام المعلومات العالمية والنظام الاقتصادي أمر يفيد الديمقراطية.
ولكن هل تفيد الديمقراطية التجارة الحرة؟
لعل هذا سؤال أكثر تعقيدا، إلا أن هناك أمراً واضحاً تماما، وهو أنه من النادر أن يتقبل الدكتاتوريون الأسواق الحرة ويتبنوها. وبورما وكوبا وليبيا وكوريا الشمالية وزمبابوي هي أقل دول العالم تطبيقا لنظام الاقتصاد الحر، بحسب مؤشر الحرية الاقتصادية للعام 2008 الذي تصدره جريدة وول ستريت جورنال ومؤسسة هيريتيج. ويشجع نوع السلطة المركزة التي تسمح لهذه الأنظمة الاقتصادية بالبقاء، وجود اقتصاد مركزي يدار من الأعلى ويكافئ الأشخاص الموالين لنظام الحكم ويعاقب الأشخاص غير الموالين له.
وقد أسهمت أنظمة الحكم الديمقراطية بالتأكيد في تعزيز الأسواق الحرة في الولايات المتحدة وحول العالم. وعلى مدى أكثر من 60 عاما أسهمت الولايات المتحدة في صياغة ودعم نظام عالمي تحرري يستند إلى التجارة الحرة والأسواق العالمية المستقرة. وخلال الفترة نفسها تقريبا قلصت أوروبا حواجزها الاقتصادية وحسنت فعالية أسواق العمل فيها على أثر انتشار الديمقراطية عبر القارة.
الأسواق الحرة والاستقرار
لكن الانتخابات الحرة النزيهة وحدها لا تشجع بالضرورة الأسواق الحرة. وإحدى المشاكل هي أن عددا متزايدا من الأنظمة الاستبدادية، حيث يسيطر حزب واحد على الحكومة والاقتصاد وحيث لا توجد معارضة نشطة، تتظاهر بأنها ديمقراطية. ومن الأمثلة الجيدة على دولة تتراجع فيها الديمقراطية روسيا تحت حكم فلاديمير بوتين، الرئيس السابق ورئيس الوزراء الحالي. ففي الوقت الذي زاد فيه بوتين سيطرته على البلد، أكدت موسكو تحكمها المتزايد في الاقتصاد، موسعة نفوذها في المشاريع التجارية التي تملكها الدولة مثل غازبروم ومستخدمة نفوذها الاقتصادي لإرسال رسائل سياسية إلى جيرانها وإلى العالم.
وتفتقر حكومات ديمقراطية أخرى إلى المؤسسات والدعم لتشجيع الأسواق الحرة. فالحكومات الناشئة في أماكن مثل العراق والضفة الغربية وغزة، حيث تشكل مسألة الاستقرار والأمن الأساسيين قضية مستمرة، لا توجد لديها هيكليات أو مؤسسات أدوات الحكم والأمن لتعزيز الأسواق الحرة بطرق ذات معنى.
ولا يشكل التراجع عن السوق الحرة، حتى في بعض الديمقراطيات الأكثر ترسخا، أمراً غير عادي. ففي أميركا اللاتينية، تم في السنوات الأخيرة انتخاب عدد من السياسيين على أساس برامج سياسية لا تهدف إلا إلى اجتذاب دعم الجماهير، وفي البعض الحالات على أساس برامج اشتراكية. وفي الولايات المتحدة، تظهر الاستطلاعات تضاؤل الدعم للتجارة الحرة، بينما أدت أزمة رهونات العقارات المنزلية إلى بروز تساؤلات حول العواقب الناجمة عن الأسواق الحرة التي لا تخضع لإشراف وقوانين تنظيمية كافيين.
ويبدو أن الديمقراطية تكون على أكثر ما يمكن أن تكون عليه قدرة على تعزيز الأسواق الحرة حين تتواجد معها مؤسسات محلية قوية وثقة اجتماعية. ولدى الدانمرك واحد من أكثر النظم الاقتصادية انفتاحا في العالم كما أنها ديمقراطية نموذجية، ولكنها تتبنى أيضا ميثاقاً اجتماعيا فريدا يعرف باسم "الأمان المرن"، وهو نظام استغرق تعديله وتنقيحه أكثر من قرن وينفق بسخاء على البرامج الاجتماعية والتدريب والمساعدات.
ونتيجة هذا الحل الوسط التوافقي هي أن الدانمركيين يؤمنون بقوة بنظام الاقتصاد الحر والتجارة العالمية – حتى أن النقابات نفسها تتقبل فكرة نقل الأعمال والخدمات إلى الخارج. ويشير المؤلف روبرت كتنر، الذي قام بتحليل الحل الوسط الدانمركي الموفق بين الأسواق الحرة والاستقرار الاجتماعي، إلى أن هذا النوع من المقايضات والاتفاقات " يجب أن ينمو في تربته السياسية الخاصة به".
والعنصر الأساسي الضروري لتشجيع نمو الديمقراطية والحرية الاقتصادية هو تعزيز المؤسسات المحلية التي تستند إليها الاثنتان.
ويتعين على الولايات المتحدة وحلفائها والمؤسسات الدولية أن تواصل تشجيع حكم القانون، والأنظمة القضائية المستقلة والشفافة، والاستثمارات المالية المثمرة، والتقيد بحقوق الإنسان العالمية والالتزامات القانونية من أجل ترجيح عمل الحكومات، مهما كانت هيكليتها، بشكل نزيه وإنساني وشفاف.
وفي الوقت ذاته، يمكن للحكومات والمنظمات غير الحكومية ومؤسسات الأعمال الخاصة كلها أن تلعب دورا في تعزيز المؤسسات المحلية ومجموعات المجتمع المدني التي تعزز الديمقراطية وتدعم الحريات الفردية.
وعلينا أن نتعاطى بنشاط وفعالية مع العالم مستخدمين جميع الأدوات المتوفرة لدينا، وخاصة عن طريق التجارة والدبلوماسية. وإذا ما فعلنا ذلك فسوف تتاح لنا فرصة لمساعدة الناس في مختلف أنحاء العالم على أن يصبحوا أكثر حرية وازدهارا وأمنا.
الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء أو سياسات الحكومة الأميركية.