مواطنون لهم حرية التعبير | الديمقراطية في العالم

09 حزيران/يونيو 2008

الديمقراطية والرأسمالية: فصل التوأمين

بقلم إيفان كراستيف

 
قبل الناخبون في رومانيا وفي غيرها من الدول الأوروبية التي كانت في السابق شيوعية الأسواق الحرة ولكنهم أصبحوا غير راضين عن السياسة.
قبل الناخبون في رومانيا وفي غيرها من الدول الأوروبية التي كانت في السابق شيوعية الأسواق الحرة ولكنهم أصبحوا غير راضين عن السياسة.

كان يخشى، كما يقول إيفان كراستيف، أن تتبنى أوروبا الوسطى الديمقراطية وترفض اقتصاد السوق. ويقول إن الحالة الآن هي أن أوروبا الوسطى قبلت الأسواق الحرة ولكنها أصبحت غير راضية عن الديمقراطية. وكراستيف هو رئيس مركز الاستراتيجيات التحررية في صوفيا ببلغاريا.

يميل المؤرخون في هذه الأيام إلى كتابة تاريخ التحولات في دول أوروبا الوسطى والشرقية بعد الحكم الشيوعي على أنها قصة جاذبية الديمقراطية والرأسمالية التي لا تمكن مقاومتها. إلا أن الكثيرين كانوا يخشون قبل 20 عاما أن تكون قصة رعب.

ومع أن المنظرين السياسيين كانوا يميلون إلى الاتفاق على أن الديمقراطية والرأسمالية شريكان طبيعيان وعلى أن كلاً من نظام السوق الحرة والنظام السياسي التنافسي يعزز الآخر على المدى الطويل، فإن الخوف كان من أن الإصلاحات السياسية والاقتصادية الضرورية لتغيير المجتمعات الأوروبية الشرقية جذرياً سوف تعرقل الواحدة منها الأخرى.

كيف يمكن أن تعطي الناس السلطة ليفعلوا ما يشاؤون ثم تتوقع منهم أن يختاروا السياسات التي ستؤدي في البداية إلى أسعار أعلى، وبطالة أعلى، وازدياد في عدم المساواة الاجتماعية – كانت هذه هي معضلة التحولات بعد الحكم الشيوعي.

يرى عالم الاجتماع الألماني كلاوس أوفي أن "اقتصاد السوق لا يبدأ إلا في أوضاع تسبق الديمقراطية". وكان أستاذ العلوم السياسية البولندي والناشط في حركة التضامن جادويغا ستانيسكيس مقتنعا بأنه "طالما ظلت الأسس الاقتصادية لمجتمع مدني أصيل غير موجودة ستظل التعبئة السياسية الهائلة للشعب غير إلا على أساس قومي أو أصولي".

وباختصار كان الرأي هو أنه حُكم على أوروبا الوسطى أن تختار بين النظام الاقتصادي الاشتراكي والرأسمالية المستبدة. ومن حسن الحظ أن ما لا ينجح نظريا أحيانا ينجح في التطبيق.

وقد نجحت دول أوروبا الوسطى والشرقية في تحول نحو اقتصاد السوق والديمقراطية في آن واحد. وما جعل ذلك النجاح ممكناً كان مزيجا ساحراً من الأفكار والعواطف والظروف والقيادة.

الدعم للتغييرات الاقتصادية

كان الإرث الذي خلفته الشيوعية الحليف الطبيعي للمصلحين في عملية تغيير المجتمعات الأوروبية الشرقية جذريا. فقد تحلى الناس بالصبر وأيدوا الإصلاحات لأنهم كانوا شديدي التلهف إلى الانفصال عن الشيوعية. وكانت فترة أوائل تسعينيات القرن الماضي فترة سريالية دافعت فيها نقابات العمال عن خفض الوظائف وكانت فيها الأحزاب الشيوعية السابقة تواقة  إلى خصخصة الاقتصاد.

يعتبر أعضاء نقابات العمال كهؤلاء في بولندا، أنفسهم خاسرين في عملية التحول في فترة ما بعد الحكم الشيوعي.
يعتبر أعضاء نقابات العمال كهؤلاء في بولندا، أنفسهم خاسرين في عملية التحول في فترة ما بعد الحكم الشيوعي.

وكان هناك غضب من الرأسمالية، ولكن لم يكن هناك حزب أو حتى لغة سياسية قادرة على حشد قوى الخاسرين خلال الفترة الانتقالية. فقد قضت الشيوعية على قدرة المجتمع على اتخاذ عمل جماعي على أساس طبقي. وكان أي انتقاد للسوق يعتبر مساويا للحنين إلى الشيوعية.  ودعم كل من النخب الجديدة المناوئة للشيوعية، بسبب إيديولوجيتها، والنخب القديمة الشيوعية، بسبب مصالحها، التغييرات الاقتصادية.

وأتاحت الرغبة الشعبية العارمة في "العودة إلى أوروبا"، معززة بجاذبية الاتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمالي الأطلسي (الناتو)، للمجتمعات التوفيق بين قدرات الديمقراطية الطبيعية على إعادة التوزيع والحاجة إلى الرؤيا طويلة الأمد والصبر كشرط مسبق للنجاح الاقتصادي. وتحقق الأمر بأشكال مختلفة باختلاف الدول، إلا أن الاندماج الأوروبي – الأطلسي ضمن استمرار الإصلاح الاقتصادي كما كان ضمانة ضد الانتكاسات السياسية.

وحمل نجاح التحولات في فترة ما بعد الحكم الشيوعي جيلا جديدا من المنظرين السياسيين على إعادة التفكير في فرص الظهور المتزامن للديمقراطية والرأسمالية. وهكذا تم آنذاك إعلان ما كان قد اعتبر حسن حظ تاريخيا قانوناً طبيعيا. ولم تعد الديمقراطية والرأسمالية يعتبران زوجين سعيدين بل توأما متطابقا.

الشك في الديمقراطية

كان الاتجاه السائد هو تجاهل التوترات بين الديمقراطية والرأسمالية. ولكن يكفي النظر إلى تجربة دول مثل روسيا أو الصين أو فنزويلا كي يشك المرء في ميل الرأسمالية الطبيعي  لأن تقود إلى الديمقراطية وميل الديمقراطية الطبيعي لدعم الرأسمالية.

كما أن تجربة أوروبا الوسطى تتطلب هي أيضاً بعضاً من إعادة التفكير فيها. فبعد عام من انضمام دول أوروبا الوسطى الديمقراطية إلى الاتحاد الأوروبي، هز المنطقة ظهور الشعبية والقومية. وقد أخذ الشعور بعدم الرضا من الديمقراطية بالتزايد، ويشير الاستطلاع العالمي صوت الشعب 2006 إلى أن أوروبا الوسطى، خلافا لكل التوقعات، هي منطقة العالم التي يساور المواطنين أعظم قدر من الشك بحسنات ومزايا الديمقراطية. 

ولا يثق الناس في جميع أنحاء المنطقة بالسياسيين وبالأحزاب السياسية. وينظر إلى الطبقة السياسية على أنها طبقة فاسدة وتخدم مصالحها الخاصة. وفي حين أن التحول نفسه كان ناجحاً تماماً في أوروبا الوسطى، إلا أنه أدى إلى تقسيم طبقي اجتماعي سريع، ملحقاً  الضرر المؤلم بالكثيرين ورافعاً من مستوى قلة موسرة تتمتع بالامتيازات.

وقد تم تدمير حياة الكثيرين وتخييب آمال الكثيرين خلال الفترة الانتقالية. ولم يساعد كون  الرابحين الرئيسيين خلال فترة التحول من المثقفين وأعضاء النظام القديم من أصحاب الصلات القوية في جعل ذلك مقبولا. وينظر إلى ديمقراطيات ما بعد الحكم الشيوعي الآن على أنها انتصار ليس للمساواة وإنما للنخب الشيوعية المعادية للمساواة وللنخب المضادة المناوئة للشيوعية.

وفي حين كانت القيود الخارجية التي فرضت على الدول التي انضمت إلى الاتحاد الأوروبي ضرورية لنجاح الإصلاحات، إلا أنها أسهمت في ظهور فكرة تقول بأنها كانت ديمقراطيات بدون خيارات فعلية.

وكان المنظرون يخشون قبل عشرين عاما ألا تشعر الديمقراطيات حديثة النشوء بولع بالرأسمالية. ولكن ما نراه اليوم هو أن ثقة معظم الناس في أوروبا الوسطى بالسوق تفوق ثقتهم بصندوق الاقتراع.

الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء أو سياسات الحكومة الأميركية

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي