09 حزيران/يونيو 2008

بقلم دانيال كوفمان
يقول دانيال كوفمان إن حرية التعبير عن الرأي وحرية الصحافة بالإضافة إلى المساءلة الديمقراطية والمحاسبة تحدث، في المدى البعيد، فرقا إيجابيا في التنمية الاقتصادية. كوفمان هو مدير الحوكمة العالمية في معهد البنك الدولي.
هل التنمية الاقتصادية مستحيلة بدون الديمقراطية؟
من السهل التأكيد بثقة على أن الديمقراطية شرط مسبق أساسي لاقتصاد سوق فعال وللنمو الاقتصادي. أو القول بأن أنظمة ديمقراطية معينة، كما نعرفها في الغرب الصناعي، هي السبيل الوحيد لتعزيز التنمية الاقتصادية في أجزاء أخرى من العالم.
ولكن هل تستند هذه التأكيدات إلى العقيدة أم الأدلة والبراهين؟ ومن سوء الحظ أن تحليل الأدلة المستمدة من التجارب والملاحظة والاختبار يشير إلى جواب معقد. فهذه ليست تجربة في العلوم الثابتة، بل تحديا يصعب تحديد معالمه في العلوم الاجتماعية والسياسية.
أدلة غامضة
إن الأدلّة المتعلقة بتأثير الديمقراطية في المدى القصير على النمو محاطة بالغموض. وقد أجري أكثر من اثنتي عشرة دراسة أبحاث جادة حول تأثير الديمقراطية على النمو الاقتصادي (مذكورة في قائمة المراجع في نهاية هذه المجلة الإلكترونية الأميركية، الأسواق والديمقراطية). وهي تقدّم صورة مختلطة. وباستخدام أمثلة كثيرة من دول متعددة، وجد عدد من الدراسات، في المعدل، أنه ليس للديمقراطية تأثير كبير على النمو (بوم وليك، بريزوورسكي). إلا أن دراسة أخرى ، وهي دراسة لا تجد أيضا أدلة مباشرة تذكر على تأثير الدمقرطة على معدلات النمو، تشير بالفعل إلى بعض التأثيرات غير المباشرة المهمة المحتملة: قد تكون الديمقراطية مرتبطة بالمستويات الأعلى لتكوين الرأسمال الإنساني، والاستقرار الاقتصادي الشامل والسياسي، والأسواق المتحررة. وهذه الأمور تساعد بدورها على تحقيق معدلات النمو العالية.
ووجد باحثون آخرون أن هناك علاقة بالفعل بين التحرك نحو إحلال النهج الديمقراطي في أنظمة الحكم السياسية القمعية وتحقيق معدلات النمو العالية (بارو وآخرون). ولكنهم يقولون إن أي إصلاح ديمقراطي إضافي بعد تجاوز مستوى معين من التحرر السياسي لا يترجم إلى معدلات نمو أعلى. بل على العكس، إذ يمكن حدوث تراجع في النمو عند المستويات المتوسطة للتحرر السياسي، طبقا لمثل هذه الأبحاث. إلا أن هناك دراسة حديثة أخرى تشير إلى أنه لا توجد أي رابطة بين الانتقال إلى الديمقراطية والنمو الأبطأ (بيرسون وتابيليني).
وباختصار، واستنادا إلى هذه الدراسات، لا توجد علاقة سببية أو علاقة على شكل خط مستقيم مباشر بين الديمقراطية والنمو. إلا أنه لا يوجد، رغم ذلك، أساس قوي أيضاً للاستنتاج بأن التحرر السياسي يؤدي إلى تراجع في النمو.
المدى القصير، والمدى الطويل
تستند هذه الدراسات بشكل عام إلى ما يحدث في المدى القصير حتى المتوسط. وبالإضافة إلى ذلك، علينا أن نتذكر حقيقة أساسية ذات في التنمية: بصرف النظر عن نوع نظام الحكم السياسي فإن المرء يتوقع أن يرى نموا اقتصاديا تفوق سرعته في الدول ذات الدخل المحدود سرعة النمو الاقتصادي في الدول الصناعية. وسبب ذلك هو أن الدول الأفقر قادرة على اللحاق بالركب عن طريق تطبيق التكنولوجيا المتوفرة من الدول الأكثر تقدما لزيادة الإنتاج. وعموماً، تنمو الدول النامية عادة بمعدل أعلى من معدل نمو الدول الغنية. قارن، على سبيل المثال، الصين أو الهند مع الولايات المتحدة أو ألمانيا.
وقد يمثل جزء من النمو الأبطأ الملاحظ خلال التحرر السياسي تقلص الفرص المتوفرة للبلد النامي للحاق بالآخرين على الصعيد التكنولوجي في وضع يزداد تحولاً إلى وضع بلد صناعي، وليس نتيجة تأثير نظام الحكم السياسي بحد ذاته. وفي كلتا الحالتين لا يبدو أن هناك صلة إيجابية أكيدة بين الديمقراطية والنمو في المدى القصير.
ولنفكر بالأمر الآن على المدى الأطول ومن منظور أوسع للديمقراطية.
قد يكمن جزء من المشكلة في النظر إلى الديمقراطية نظرة ضيقة كنظام يجري الانتخابات ويسمح بوجود أكثر من حزب سياسي واحد. وكثير من الدول التي لم تجر انتخابات قبل 20 عاما تفعل ذلك الآن، وهي تسمح بشكل عام بوجود أكثر من حزب واحد، ولو بتذمر في بعض الأحيان.
أما مدى إجراء هذه الدول انتخابات "حرة ونزيهة" فمسألة أخرى بالطبع. وبالإضافة إلى ذلك، ومع الأخذ بعين الاعتبار الحوادث الانتخابية المؤسفة في كينيا وزمبابوي، على سبيل المثال، فإن فكرة "حرة ونزيهة" يجب أن توسع إلى "نظيفة وحرة ونزيهة"، لكي يتم الإقرار بوضوح أكبر بتحديات الفساد وشراء الأصوات والتلاعب الصريح في صناديق الاقتراع وغير ذلك من أشكال تخريب النزاهة الانتخابية، والتي لا يتم تضمينها إلا جزئيا في فكرة الانتخابات "النزيهة". كما أنه، نظراً لهيمنة آليات الحكومة السياسية والمالية في بعض البلدان، فإن جود أكثر من حزب لا يعني أن هناك تنافسا سياسيا ذا معنى.

كما أنه لا يعني بالضرورة أن هناك حرية للتعبير عن الرأي. وفي الحقيقة أنه طبقا لفريدوم هاوس فإن عدد الدول المصنفة كديمقراطيات ازداد من 75 بلداً (46 بالمائة من العينة العالمية الإجمالية) في العام 1990 إلى 123 (64 بالمائة) في العام 2006. ومع ذلك فإن مؤسسة فريدوم هاوس تخبرنا أيضاً بأنه لم يحدث في الفترة الممتدة من العام 1995 حتى الوقت الحاضر احسن كبير في حرية الصحافة، بشكل عام، في أنحاء العالم المختلفة. وتشير بيانات العام 2007 إلى أن 37 بالمائة فقط من الدول تملك صحافة حرة تماما (27 بالمائة بين الدول النامية). وطبقا لفريدوم هاوس أيضا فإن أكثر من 40 بالمائة بكثير من ديمقراطيات العالم (ونصف الدول الديمقراطية النامية تقريبا) لا تملك صحافة حرة.
رفع "الصوت"
ونتيجة لذلك فإن النظر إلى الديمقراطية من منظور ضيق يغفل الفكرة الأوسع لـ "الصوت" – أي حرية التعبير عن الرأي والصوت المشارك – والمساءلة الديمقراطية. وفي عملنا لقياس أنظمة الحكم (مؤشرات الحكم العالمية النطاق)، يستند واحد من المؤشرات الستة التي نضعها – الصوت والمساءلة الديمقراطية – إلى هذا التعريف الأوسع. ويشير بحثنا، ودراسات أكاديميين آخرين، إلى أن هناك علاقة سببية مهمة تمتد من الحكم المحسن إلى المستويات الأعلى للدخل.
ويظهر الشكل 1 الصلة بين الصوت والمساءلة الديمقراطية من جهة ومعدل دخل الفرد في مختلف أنحاء العالم من الجهة الأخرى. وخلافا للدراسات التي تناولت المدى القصير المشار إليها سابقا، فإن هذه الصلة يمكن أن تفسر على أنها اتجاه طويل الأمد. وتشير الأدلة إلى أنه في حين أن الصلة قصيرة الأمد بين الديمقراطية الرسمية والنمو الاقتصادي قد لا تكون واضحة جدا، فإن هناك صلة قوية بين الصوت والمساءلة الديمقراطية، محددة بشكل واسع، من ناحية، وبين التطور الاقتصادي من ناحية أخرى، في الأمد البعيد.
ويمكن القول من باب التكهن أكثر مما هو على أساس الأدلة الثابتة إن قناة مهمة قد يشجع من خلالها الصوت المشارك التنمية الاقتصادية هي السيطرة على الفساد. وقد يفرض المزيد من حرية التعبير عن الرأي والشفافية والتنافس السياسي إجراءات مراقبة مهمة على الفساد المنتظم. وقد تم إثبات أهمية السيطرة على الفساد للتنمية الاقتصادية في دراسات سابقة. والارتباط المحدد بين الصوت والسيطرة على الفساد يظهر في الشكل 2.
ومع ذلك فإن الشكلين 1 و2 يظهران أيضاً أنه ليس بين هذه الصلات ما هو مطلق: الاستثناء (البعيدون) موجود، كسنغافورة في الشكل 2، على سبيل المثال. وبالطبع، تشكل سنغافورة، المدينة الدولة التي سجلت أرقاما عالية في نواح أساسية غير الصوت في نظام الحكم، حالة خاصة لا يسهل تكرارها في الدول الأكبر حجما.
سفن القراصنة
يتطلب تحليل هذه الأنواع من الصلات في العلوم الاجتماعية أكثر من البحث في مجموعات بيانات إجمالية واسعة تقارن الدول المختلفة. فالتفحص المتعمق لدراسات حالات وبيانات متعمقة في دول محددة شيء أساسي أيضا.
وقد قمنا قبل أكثر من عقد بإجراء بحث في العوامل المحددة للنجاح في مشاريع الاستثمار في الدول النامية التي يمولها البنك الدولي. وليس من المستغرب في شيء أننا وجدنا أن نوعية السياسات الاقتصادية مهمة. ولكن ما كان أكثر مدعاة للاستغراب، على الأقل بالنسبة للاقتصاديين، أننا وجدنا أن الحريات المدنية تحدث هي أيضاً فرقا مهما. فكلما كانت الحريات المدنية في دولة نامية ما أقوى كلما ازدادت فرصة نجاح المشروع الاستثماري.
ويمكن لدراسات الحالة التاريخية "المصغرة" توفير نظرات ثاقبة أخرى. وتقارن دراسة رائعة نشرت حديثا للمؤرخ الاقتصادي بيتر ليسون، بين التنظيم الداخلي للسفن التجارية وسفن البحرية وسفن القراصنة في القرن الثامن عشر. وقد كانت السفن التجارية وسفن البحرية دكتاتوريات مطلقة، حيث كان القبطان يملك سلطة مطلقة لا يمكن تحديها. أما سفن القراصنة فكانت فيها، على العكس من ذلك تماما، هيكليات وأنظمة ديمقراطية رسمية (مكتوبة في معظم الأحيان) – سيادة قانون داخلية – توزع السلطة بين القبطان والبحارة. وكان مبدأ المراقبة والتوازن يمارس على سلطة القبطان. وحددت الأنظمة الأساسية كيف يتم تقسيم غنائم القرصنة. وخلاصة القول هي أن سفن القراصنة كانت ناجحة بشكل استثنائي في تمكين التعاون الداخلي – بين زمرة من الأشخاص السفاحين المدججين بالسيوف. وكانت مشاريع تجارية ناجحة جدا، خلافا للأوضاع التي كانت تدعو للتمرد في كثير من الأحيان في السفن التجارية وسفن البحرية الدكتاتورية التي كانت تمزقها النزاعات في تلك الأيام.
هل الديمقراطية شرط مسبق حاسم للنمو السريع؟ أم أن المساءلة الديمقراطية غير مهمة بالنسبة للتنمية طويلة الأمد؟ استنتاجنا هو أن الجواب كلا في الحالتين.
أكثر من الانتخابات
يمكن القول، بعد موازنة الأمور، إن المؤسسات السياسية ومؤسسات الحكم التي تشجع التنافس السياسي والمساءلة والمراقبة والتوازن تؤثر على التنمية الاقتصادية في الأمد البعيد. أما في الأمد القصير فإن هذه الصلة أقل وضوحا وليست بالقوة نفسها، مع أنها موجودة في الكثير من الأحيان.
كما أن وجود منظور أوسع يشمل كل أشكال حرية التعبير عن الرأي والصوت والمساءلة والمراقبة والتوازن مهم أيضا. وكثيرا ما تغفل التعريفات الضيقة للديمقراطية استنادا فقط إلى ما إذا كان يتم إجراء انتخابات أم لا (أو ما إذا كان هناك من حزب واحد موجودا على الورق أم لا)، خصائص الصوت المشارك الأوسع.
كما أن إلقاء نظرة أطول وأشمل مهم أيضا بالنظر لوجود أدلة على أن التحولات الديمقراطية صعبة. وقد تتفاوت النتائج الاقتصادية في الأمد القصير على أثر مثل هذه التحولات الديمقراطية، وقد تحدث تراجعات وانتكاسات. والتنمية عملية معقدة وشاقة وكثيرا ما تكون هشة. وهناك عدد من دروس التنمية التي تنطبق بشكل عام على جميع الأحوال، كالاستقرار الاقتصادي الشامل ودرجة الفساد المنخفضة، ولكن ليس هناك قالب واحد للتنمية الناجحة.
ومع ذلك فإن الأدلة تشير إلى أن الحريات المدنية وحرية التعبير عن الرأي يمكن أن تؤدي إلى نظام أكثر شفافية وأفضل حوكمة وإلى تنمية اقتصادية مشاركة أكثر فعالية. وبالإضافة إلى الانتخابات النظيفة والحرة والنزيهة، والأنظمة السياسية المتعددة الأحزاب الأكثر فاعلية، فإن من المهم أيضا وجود صحافة حرة نشطة ووسائل إعلام أخرى. وتقوم في عالم اليوم ابتكارات وسائل الإعلام الاجتماعية، كالمدونات الإلكترونية وإرسال النصوص القصيرة هاتفياً التي تتمم عمل محطات الإذاعة المحلية في المناطق الريفية الفقيرة، بتغيير معنى الصوت والمساءلة الديمقراطية، مع وجود إمكانيات هائلة للإسهام في تحسين أنظمة الحكم ونتائج التنمية.
الآراء المعبر عنها في هذا المقال وآراء المؤلف لا تعبر بالضرورة عن الآراء الرسمية أو سياسات البنك الدولي أو الحكومة الأميركية.