04 حزيران/يونيو 2008
بقلم أنديرز أسلوند

يقول أنديرز أسلوند إن روسيا عادت مجدداً إلى نظام حكم استبدادي رغم ازدهارها الاقتصادي ومستوى التعليم فيها والمجتمع المنفتح نسبيا. ويقول إن سبب ذلك هو الفساد. وأسلوند هو كبير الزملاء في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي ومؤلف كتاب ثورة روسيا الرأسمالية: لماذا نجح إصلاح السوق وفشلت الديمقراطية(معهد ييترسون للاقتصاد الدولي، 2007).
توسعت الديمقراطية وامتدت في العالم بشكل غير عادي خلال العقود الثلاثة الماضية. وما أطلق عليه أستاذ العلوم السياسية صاموئيل هنتنغتون اسم "الموجة الثالثة" من الدمقرطة أو إحلال الديمقراطية، التي بدأت في إسبانيا والبرتغال في أواسط سبعينيات القرن الماضي، زاد عدد الديمقراطيات في العالم من 41 في العام 1971 إلى 123 في العام 2007، وفقا لتقييم موثوق من قبل فريدوم هاوس. ويعيش معظم البشر الآن، ولأول مرة في تاريخ العالم، في دول ديمقراطية.
وكان أستاذ علم الاجتماع السياسي المرموق، سيمور مارتن ليبسيت، قد أكد في مقال مهم ولّد مقالات أخرى كثيرة نشر في العام 1959 أن احتمال تحول دولة ما إلى دولة ديمقراطية يزداد كلما ارتفع مستوى دخلها، ومستوى تعليم شعبها، وانفتاحها على التجارة الخارجية والسفر الخارجي.
وبما أن دخل العالم ومستوى تعليم سكانه وانفتاحه ازدادت كثيرا خلال العقود الثلاثة الماضية، فإن تقدم الديمقراطية لا يثير الدهشة. وتسير الديمقراطية والأسواق الأكثر حرية بشكل عام يداً بيد، إلا أن العلاقة المتبادلة بينهما ليست وثيقة الإحكام.
ومع ذلك شهدت الأعوام القليلة الماضية إدارة عدد قليل من الدول البارزة ظهرها للديمقراطية. وأبرز الأمثلة عليها هي روسيا ونيجيريا وفنزويلا. ويركز هذا المقال على روسيا. ويشير كثيرون أيضا إلى الصين، التي نما اقتصادها بدون هوادة على مدى ثلاثة عقود وظل نظام الحكم فيها دكتاتوريا.
وقد جادل أحد المفكرين من المحافظين الجدد، روبرت كاغان، في مقال نشر أخيرا بأنه: "يبدو الآن أنه كلما ازدادت الدولة ثراء، سواء الصين أو روسيا، كلما كان أسهل على الحكام المطلقين أن يحتفظوا بالسلطة. فالمزيد من المال يبقي البورجوازيين راضين ويدع الحكومة تعتقل القلة من الساخطين الذين يعبرون عن مشاعرهم على الإنترنت".
إلا أنه من المبكر جدا التوصل إلى مثل هذه الاستنتاجات المتشائمة. فالصين، على خلاف روسيا، ما زالت دولة نامية. ويبلغ معدل دخل الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الصين حسب أسعار صرف العملة الحالية، حتى في هذه الأيام، ربع قيمته في روسيا فقط. ووفقا لمعايير ليبسيت التقليدية، علينا أن نتوقع أن تكون الصين دكتاتورية.
تناقض
لكن روسيا أكثر ثراء وتعليماً وانفتاحاً من أن تكون على هذا القدر من الدكتاتورية. وكلما كان نمو روسيا أسرع كلما ازداد هذا التناقض بين نظام سياسي بال يتخطاه الزمن بشكل متزايد واقتصاد ومجتمع سريعي التحديث. لقد أصبحت بعيدة عن موقعها الصحيح.
ومعدل دخل الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في روسيا في هذه الأيام، مقاسا بالتكافؤ في القوة الشرائية، أي مستوى المعيشة، يبلغ ثلث ما هو عليه في الاتحاد الأوروبي، وهو معدل محترم لا يدعو إلى الحرج. وليس في العالم سوى ثماني دول أغنى من روسيا لم تصبح دولاً ديمقراطية بعد، وهي سنغافورة وسبع دول صغيرة منتجة للنفط. وروسيا أكبر بكثير وأقل اعتمادا على النفط والغاز من أي من دول النفط الدكتاتورية هذه.

ويعتبر الكثير من علماء السياسة وفرة عائدات النفط الروسية الحالية المصدر الرئيسي لدكتاتوريتها الباقية. وقد توصل ستيفين فيش الأستاذ في جامعة كاليفورنيا – بيركلي في كتابه الممتاز المتضمن تحليلاً لأسباب الارتداد أو الرجعة في دول كثيرة إلى أن هناك ثلاثة أسباب للارتداد إلى نظام الحكم الدكتاتوري في روسيا، وهي الكميات مفرطة الضخامة من النفط، وتحرير الاقتصاد المفرط الضآلة من القيود، ومجلس تشريعي مفرط الضعف.
ويؤكد كبير الخبراء في التاريخ الروسي ريتشارد بايبس، الأستاذ بجامعة هارفارد، على أن للدكتاتورية في روسيا سجلاً طويلاً قوياً، فكرياً وعملياً أيضا. ويسهم (في التراجع الحالي عن الديمقراطية) الحنين الحالي في فترة ما بعد الإمبراطورية (إلى أيام الإمبراطورية)، وعملية إحلال الاستقرار في فترة ما بعد الثورة (التي تجلب صعوبات معها). وقد سئم الروس من السياسة وهم لا يعتبرون انهيار الشيوعية مسؤولاً عن الصعوبات الاقتصادية التي واجهوها في التسعينات من القرن الماضي بل يحملون مسؤوليتها للديمقراطية التي تلت الشيوعية. ويشيدون بالرئيس السابق فلاديمير بوتين للنمو الاقتصادي المطرد الذي بلغ 7 بالمئة سنوياً منذ العام 1999.
وأفضل سبيل للإجابة على السؤال حول ما إذا كان يمكن إبقاء الدكتاتورية الروسية مستديمة هو توضيح هدفها. منذ العام 2003، حين أصبح النظام الروسي دكتاتورياًً حقاً، لم يتم تنفيذ أي إصلاحات، أي أن ذلك لم يكن الهدف.
وعوضا عن ذلك كان أبرز تطور هو ازدياد الفساد في روسيا، مع أن الفساد يتقلص عادة عندما تزداد الدولة ثراء، وقد تقلص في معظم الدول الأخرى في فترة ما بعد الشيوعية. وطبقا لمنظمة الشفافية العالمية فإن الدولة الوحيدة في العالم التي هي أغنى وأكثر فسادا من روسيا هي غينيا الاستوائية، التي ليست معيارا لائقاً تقاس به دولة عظيمة ذات تاريخ عريق.
الفساد المتفشي على نطاق واسع
تسجل التقارير الروسية المستقلة الجديرة بالثقة، كتقرير فلاديمير ميلوف وبوريس نيمتسوف بعنوان "بوتين: النتائج" عمولات خفية (غير مشروعة) من مشاريع البنية التحتية لا تقل عن 20 إلى 50 بالمائة من تكاليف المشاريع الإجمالية. ويسرق كبار المسؤولين في روسيا عدة بلايين من الدولارات من الدولة وشركاتها كل عام. وهناك مجموعة من ضباط المخابرات السوفييتية السابقة (كي جي بي) على رأس كل شركة تابعة للدولة تحصل على أموال منها بينما تشتري شركات خاصة جيدة بتمويل من الدولة وقروض من البنوك الأجنبية.
والمرجح هو أنه لم تشهد أي دولة مطلقاً عبر التاريخ مثل هذا الفساد الواسع النطاق وعلى أعلى المستويات الذي تشهده روسيا حاليا. وليس من الممكن أن يستمر ذلك لمدة طويلة. فقد أخذت الدولة في التحول إلى دولة مصابة باختلال وظيفي. وأصبح الوضع وضعاً يتعذر الدفاع عنه حتى في الأمد القصير.ويتعين على أي حاكم روسي أن يبدأ حملة لمكافحة الفساد، ولكن الحملة نفسها سوف تزعزع استقرار البلد.
وقد انطلق الفساد المتفاقم مع مصادرة شركة نفط يوكوس في العام 2003. ومنذ ذلك الوقت تمت إعادة تأميم شركات خاصة كبيرة حسنة الإدارة الواحدة تلو الأخرى. ومما يثير الفضول أنه لا يتم الإعلان عن هدف إيديولوجي لذلك، ولكن التأميم يبدو وسيلة تتيح للمسؤولين الحكوميين الاستيلاء على أصول الشركات بأسعار رخيصة أو انتزاع عمولات (غير مشروعة) منها.
ولذا رافق ازدياد دور الدولة في الاقتصاد الروسي ازدياد في الفساد. ومن شأن الأسواق الأكثر تحررا أن تقلص الفساد، ولن يحتاج كبار المسؤولين عندئذ إلى هذا القدر من الدكتاتورية. وتوجّه الدولة ثروة النفط إلى كبار المسؤولين، ولكن الأسواق الأكثر تحررا لن تسمح لها بالقيام بذلك.
ومن الطبيعي أن هذا الفساد الواسع النطاق يخفض النمو الاقتصادي. وقد بدأ إنتاج النفط والغاز الآن بالانخفاض. والأمر الوحيد الذي يمكّن روسيا من تحمل ثمن فسادها الواسع هو سعر النفط العالي جدا والآخذ في الارتفاع. وإذا ما انخفض سعر النفط فإن الشعب الروسي سيسأل أين اختفت كل هذه الأموال، وسيصبح الأمر الذي يعرفه كثيرون بالفعل واضحا للجميع.
ولم تتمكن أي دولة كبيرة ذات شعب مثقف أن تحافظ على نظام حكم دكتاتوري أو على هذا القدر من الفساد عندما كانت على مستوى روسيا من حيث التقدم الاقتصادي.
الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء أو سياسات الحكومة الأميركية.