09 حزيران/يونيو 2008
بقلم تشان هينغ تشي

من الممكن أن تحصل الدول على درجات متفاوتة من الحرية والديمقراطية، كما تقول تشان هينغ تشي، سفيرة سنغافورة لدى الولايات المتحدة. وتضيف أن الأسواق الحرة ضرورية ولكنها ليست كافية للديمقراطية؛ وتشير التجربة الحديثة، باستثناء ما حدث في الهند، إلى أن الأسواق الحرة تسبق الديمقراطية. وقد اقتبس هذا المقال من كلمة ألقتها في الثامن عشر من أيلول/سبتمبر، 2007، في كلية وليام أند ماري في وليامسبيرغ بولاية فرجينيا.
تستند الديمقراطية الأنغلو أميركية إلى النموذج البرلماني المعتمد في المملكة المتحدة أو فصل السلطات في النظام السياسي الأميركي. ويفترض نجاحها وجود حرية التعبير عن الرأي وحرية التجمع السلمي وتأسيس الجمعيات والانتماء إليها والانتخابات الحرة وسيادة القانون. ويتعين على أي دولة تدعو نفسها ديمقراطية أن تتقيد بجميع هذه الأمور.
إلا أن الديمقراطية تتسم بالمرونة حول العالم. وقد تجد مزيدا من الديمقراطية أو قدرا أقل من الديمقراطية، وقد تجد درجة أكبر أو أقل من الحرية. فماليزيا وسنغافورة أقل ديمقراطية من اليابان وكوريا الجنوبية ولكنهما أكثر ديمقراطية من تايلاندا ومصر.
وأعتقد شخصياً أن الأسواق ضرورية ولكنها ليست كافية للديمقراطية. ونحن لم نشاهد أبدا دولة ديمقراطية لا يوجد فيها قدر من الأسواق الحرة، كما لم نشاهد مطلقاً دولة مغلقة كليا أمام العالم الخارجي وليست أيضاً استبدادية أو دكتاتورية. وليس في ميانمار أسواق حرة تذكر كما لا توجد فيها ديمقراطية. وليس في كوريا الشمالية أسواق حرة أو ديمقراطية.
ما الذي يأتي أولا، الأسواق الحرة أم الديمقراطية؟ ما شكل التتابع القائم أو كيف يجب أن يكون التتابع؟
النمور الأربعة
يمكنني القول نتيجة مراقبة التطورات السياسية في آسيا إن الأسواق تأتي قبل الديمقراطية. والنمور الأربعة: كوريا الجنوبية وتايوان وهونغ كونغ وسنغافورة، كانت دكتاتورية وأصبحت أنظمة أكثر انفتاحا بتبني اقتصاد مبني على التصدير والسوق الحرة. وأصبحت جميعها ناجحة جدا من الناحية الاقتصادية، محققة معدل نمو يتراوح بين 8 و9 بالمائة سنوياً على مدى عقد أو عقدين.
فدخول الأسواق العالمية يتطلب انضباطا وحكم القانون وشفافية وقدرة على الحصول على المعلومات. وتؤدي هذه التغييرات إلى وجود طبقة وسطى مزدهرة تكون بمثابة أساس متين لديمقراطية مستقرة. والدول التي تحتضن الاقتصاد العالمي تحتضن أيضا العولمة، مما يؤدي إلى إحلال الديمقراطية والمساواة.

ولنقارن على سبيل المثال بين نهجي روسيا والصين. لقد اختار الاتحاد السوفييتي إبان عهد حكم ميخائيل غورباشوف سياسة الانفتاح (غلاسنوست) قبل إعادة تنظيم الهيكلية الاقتصادية (بيريسترويكا)، فعجل بذلك في انهيار الاتحاد السوفييتي. إلا أن روسيا اليوم أصبحت تعتمد نظاماً تتركز السلطة الحكومية فيه في يد سلطة مركزية، وتشعر الولايات المتحدة بعدم الارتياح نتيجة تراجع روسيا عن الديمقراطية.
أما الصين فقد اختارت إعادة تنظيم اقتصادها أولا. وتمر الصين منذ العام 1978 بمرحلة نمو اقتصادي سريع جدا. والطبقة الوسطى فيها آخذة في النمو، والإنترنت نشطة مزدهرة، كما يسمح فيها بالحريات الاجتماعية. ويسمح للمواطنين بالسفر إلى الخارج، وتتدفق الأفكار مع الاستثمار الأجنبي المباشر. وأعتقد بأن النظام السياسي الصيني سيتغير ليكون على مستوى النظام الاقتصادي الآخذ بالتطور بسرعة. ويتطلب التنافس ذلك. وقد لا تبدو الديمقراطية الصينية كالديمقراطية الأنجلو – أميركية، إلا أن الانتخابات وحرية التعبير عن الرأي والاستجابة للشعب سوف تظهر جميعا.
أما الهند فهي الدولة الآسيوية التي سبق ظهور الديمقراطية فيها ظهور الأسواق الحرة. وتعكف الهند حاليا على فتح أسواقها والمشاركة في الاقتصاد العالمي بهمة ونشاط.. وسوف تشهد ازدهارا كبيرا. وقد تكون الهند الاستثناء النادر الذي توطدت فيه الديمقراطية قبل الأسواق الحرة.
دور الولايات المتحدة
لقد ناضلت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، في سبيل إقامة نظام تجاري عالمي حر ونزيه ونظام مستقر لتبادل العملات. وأدت الاتفاقيات الدولية إلى نمو ضخم في التجارة والأعمال المصرفية والمالية في جميع أنحاء العالم. وهي تتيح للدول المستقلة حديثا وذات السيادة، التي تنضم إلى هذا النظام، التطور والازدهار بدون أن تفكر باللجوء إلى خوض المعارك لتحقيق أهدافها الاقتصادية.
وبالترادف مع الأسواق الحرة والتجارة الحرة تولت الولايات المتحدة قيادة مسيرة تشجيع الديمقراطية. واعتُبرت الأسواق الحرة أساسية لكي تقبل الدول التجربة الديمقراطية وتنجح فيها. وحافظت الولايات المتحدة على انفتاح أسواقها فيما قامت بتصدير أسواق رأس المال والتكنولوجيا. وعندما نفكر نحن سكان آسيا بأميركا، فإننا نفكر بالديمقراطية والأسواق الحرة.
وقد عكفت الولايات المتحدة وأوروبا منذ الحرب الباردة على تشجيع الديمقراطية وحقوق الإنسان وتقليص القوانين المنظمة للاقتصاد في الأنظمة الاستبدادية والدكتاتورية. وكان هذا هو إجماع واشنطن. ونحن نعتقد في آسيا أن التشجيع القوي المتواصل لهذا الإجماع متصل بالتعجيل والإسهام في ظهور الأزمة المالية الآسيوية للعام 1997.
وأعتقد بأن الولايات المتحدة ما زالت مهتمة بتشجيع الديمقراطية. ولكن من المفارقات أن الولايات المتحدة بدأت تميل نحو حماية الإنتاج الوطني. وإذا كانت الولايات المتحدة تريد ازدهار الديمقراطية فلا يمكنها إغلاق أسواقها. وسوف تختنق الديمقراطيات الجديدة إذا لم تتمكن من العمل والازدهار عن طريق الإنتاج واللعب وفق القواعد العالمية القائمة للعبة.
وحين انتصب الطلبة الصينيون في وجه السلطات في تيانانمين، شيدوا تمثال حرية كمثال أعلى يتطلعون إليه. وقد فعلوا ذلك لأن الولايات المتحدة تمثل الحرية والانفتاح. هذا هو ما تصدرونه. وإذا أصبحت الولايات المتحدة دولة تمارس سياسة الحمائية لحماية إنتاجها الوطني، فإنني أتساءل حول ماهية المثال الأعلى الذي سيتم تشييده والتطلع إليه؟ ولا يمكن أن يمثل الصورة التي تريد الولايات المتحدة أن يحملها الناس عنها.
الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء أو سياسات الحكومة الأميركية.