مواطنون لهم حرية التعبير | الديمقراطية في العالم

06 حزيران/يونيو 2008

جذور الديمقراطية الحديثة

 
حرية التعبير وحريات أخرى في كوريا الجنوبية تنمو  بعد الاسواق الحرة
حرية التعبير وحريات أخرى في كوريا الجنوبية تنمو بعد الاسواق الحرة.

بقلم مايكل مانديلبوم

يقول مايكل ماندلبوم إن الحرية وحكم الشعوب لذاتها هما العنصران اللذان تتشكل منهما الديمقراطية، وإن الأسواق الحرة تظهر أولا وتوجد الأوضاع الملائمة لبروز الديمقراطية. ومانديلبوم هو أستاذ كريستشان أ. هيرتر للسياسة الخارجية الأميركية في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز في واشنطن العاصمة ومؤلف كتاب"سمعة الديمقراطية الحسنة: صعود نجم أكثر أشكال أنظمة الحكم شعبية في العالم والمخاطر التي تحيط به" (PublicAffairs, 2007). 

تمتعت الديمقراطية خلال العقود الثلاثة الماضية بنهوض غير عادي. ففي العام 1900 كانت هناك عشر دول فقط يمكن اعتبارها دولا ديمقراطية. وبحلول منتصف القرن ازداد العدد إلى 30 دولة، وكان ما زال على حاله بعد مرور 25 عاما على ذلك. إلا أنه بحلول العام 2005 أصبحت 119 من دول العالم البالغ عددها 190 دولة دولا ديمقراطية. فكيف حدث ذلك؟ إن النقطة التي ينبغي أن ننطلق منها للإجابة عن ذلك السؤال هو فهم صحيح للديمقراطية نفسها.

وبالنسبة لأولئك الذين يستخدمون هذا التعبير – وهذا يشتمل على الجميع تقريبا – فإن الديمقراطية هي نظام سياسي واحد ومتكامل، يمكن تعريفه وتحديده بسهولة. ومع ذلك، فمن الناحية التاريخية، كما أوضّح في كتابي سمعة الديمقراطية الحسنة: صعود نجم أكثر أنظمة الحكم شعبية في العالم والمخاطر التي تحيط به،" نشأت الديمقراطية عن طريق اندماج تقليدين سياسيين ظلا، حتى مرور فترة طويلة من القرن التاسع عشر، لا نظامين متميزين فحسب، بل واعتبرا أيضاً على نطاق واسع نظامين متعارضين تماما الواحد مع الآخر.

وهذان التقليدان السياسيان هما الحرية والسيادة الشعبية، أو حكم الشعب لذاته. والحرية هي ملك للأفراد، في حين أن السيادة الشعبية هي ملك المجتمع ككل. وتنطوي الحرية على ما تفعله الحكومات، أو بشكل أدق، ما يحظر عليها القيام به إزاء مواطنيها، فهي ممنوعة من اختزال الحريات الفردية. أما حكم الشعب لذاته فيتعلق بالطريقة التي يتم فيها اختيار الأشخاص الذين يحكمون – ويتم اختيارهم من قبل كل الشعب. لذا فإن سيادة الشعب تجيب على سؤال من يحكم، بينما تحدد الحرية القوانين المتعلقة بكيفية التي يسمح فيها للأشخاص الذين يحكمون ممارسة ذلك، وهي قوانين تفرض قيودا على ما يجوز لهم القيام به.

وللعنصرين الأساسيين اللذين تتألف منهما الديمقراطية تاريخان مختلفان. والحرية هي الأقدم بينهما. وقد تطورت في ثلاث مراحل. الحرية الاقتصادية، على شكل الملكية الشخصية، تعود في التقليد الأوروبي الغربي إلى روما القديمة.  وقد ظهرت الحرية الدينية في هذا التقليد – حرية العبادة – أساسا من الانقسام في أوروبا المسيحية الذي أحدثته حركة الإصلاح البروتستانتية في القرنين السادس عشر والسابع عشر. وجاءت الحرية السياسية بعد الحريتين الأخريين، وكانت بريطانيا القرن الثامن عشر أول مكان يمكن فيه رؤية شيء يشبه الحرية السياسية الحديثة، وينطوي ذلك على انعدام الكبح الحكومي لحرية التعبير والتجمع والمشاركة السياسية.

أما سيادة الشعب فقد انبثقت فجأة مع الثورة الفرنسية في العام 1789 التي جلبت معها الفكرة القائلة بأنه يجب أن تكمن سلطة السيادة لدى الشعب ككل بدلا من الملوك بالوراثة. ولما كان من غير العملي أن يحكم جميع الناس أنفسهم مباشرة في جميع الأوقات، فقد تطورت وسيلة للسيادة الشعبية: الحكومة التمثيلية، التي يختار فيها الشعب ممثليه في انتخابات حرة ونزيهة ومفتوحة يتمتع جميع الراشدين بالحق في التصويت فيها.

وحتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر كان هناك اعتقاد منتشر على نطاق واسع بأن السيادة الشعبية ستسحق الحرية. ذلك أنه كان يعتقد أنه إذا حصل أبناء الشعب على السلطة العليا في المجتمعات التي يعيشون فيها، فإنهم سيستولون على ممتلكات الأثرياء ويفرضون التطابق السياسي والاجتماعي على الجميع. ويتناول اثنان من الأعمال الكلاسيكية للتحليل السياسي في القرن التاسع عشر هذا الخطر بالتحديد، هما دراسة الأرستقراطي الفرنسي أليكسي دي توكفيل المؤلفة من جزأين بعنوان الديمقراطية في أميركا ومقال الإنجليزي جون ستوارت ميل بعنوان "حول الحرية". ولكن اتضح بحلول القرن العشرين أن الحرية وسيادة الشعب يمكن أن تتعايشا بسلام، كما تفعلان الآن في دول عديدة حول العالم.

شبكة الأمان الاجتماعي

كان من الأسباب المهمة للاندماج الناجح للمفهومين تطور البرامج الحكومية للرعاية الاجتماعية، في أواخر القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين، وهي معاشات التقاعد للمسنين والتأمين ضد البطالة وفوائد الرعاية الصحية، التي أصبحت تعرف مجتمعة بشبكة الأمان الاجتماعي، أو دولة الرفاهة. وبما أن هذه الفوائد أو المزايا هي حق لكل مواطن فإن دولة الرفاهة، في واقع الأمر، جعلت توزيع الممتلكات شاملا، مما جعل مؤسسة الملكية الخاصة أمراً يتم تقبله أكثر مما كان سيكون ممكناً لولا ذلك.

يوم الباستيل في باريس احتفال بعيد سيادة الشعب
يوم الباستيل في باريس احتفال بعيد سيادة الشعب.

وجعل الجمع بين الرفاهة الاجتماعية والحرية وسيادة الشعب الديمقراطية جذابة. كما جعلتها كذلك مسيرة التاريخ الحديث الذي أصبحت فيه الديمقراطيات أغنى وأقوى الدول في العالم – كبريطانيا العظمي في القرن التاسع عشر والولايات المتحدة في القرن العشرين. وليس هناك ما ينجح بقدر النجاح نفسه، ولما كانت أنجح الدول في العالم في النصف الثاني من القرن العشرين – أوروبا الغربية واليابان، إضافة إلى الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى – دولا ديمقراطية، فقد سعت الدول الأخرى إلى تقليدها.

ويختلف الطموح لإقامة نظام حكومة ديمقراطي تمام الاختلاف عن القيام بذلك وتحويل الطموح إلى حقيقة واقعة. وفي هذا المجال يكون الاختلاف بين عنصري الديمقراطية وثيق الصلة. فسيادة الشعب مبدأ سياسي يسهل تنفيذه نسبيا. ويمكن إجراء انتخابات حرة بسرعة وبصورة غير مكلفة في كل مكان تقريبا.

إلا أن إقامة الحرية أكثر صعوبة بكثير. فهي بحاجة إلى مؤسسات، في مقدمتها نظام قضائي كامل. وهي بحاجة إلى أشخاص يتمتعون بالمهارات والخبرة لإدارة هذه المؤسسات. ولا يمكن للحرية أن تزدهر إلا في مجتمع تكون فيه القيم الداعمة لهذه المؤسسات، كاحترام حكم القانون، واسعة الانتشار. ولا يمكن لهذه المؤسسات والمهارات والقيم أن توجد بسرعة ولا يمكن استيرادها بسهولة من الخارج. ففي بريطانيا، على  سبيل المثال، نشأت هذه القيم  وتطورت على امتداد قرون كثيرة. وهذا يثير سؤالا يتعلق بالمصدر الذي تبرز منه هذه القيم. كيف تحصل المجتمعات التي تفتقر إلى مؤسسات وممارسات الديمقراطية عليها؟

والمصدر الرئيسي للديمقراطية السياسية، كما أوضح في كتاب "سمعة الديمقراطية الجيدة"، هو اقتصاد السوق الحرة. ومع أنه كانت وما زالت هناك دول تمارس اقتصاد السوق الحرة ولا تمارس السياسة الديمقراطية، إلا أنه لا توجد دولة واحدة في القرن الواحد والعشرين تمثل ديمقراطية سياسية تفتقر إلى اقتصاد السوق الحرة. ومعظم الدول التي ظهرت فيها الديمقراطية خلال الربع الأخير للقرن العشرين، خاصة في جنوبي أوروبا وأميركا اللاتينية وشرقي وجنوب شرقي آسيا، كانت قد شهدت جيلا على الأقل من الخبرة في إدارة اقتصاد حرة تؤدي وظائفها.

الأسواق الحرة تعزز الديمقراطية

تعزز الأسواق الحرة الديمقراطية بأربع طرق مختلفة. أولا، تقف في محور كل اقتصاد سوق حرة مؤسسة الملكية الخاصة، والملكية الخاصة هي بحد ذاتها شكل من أشكال الحرية. لذا فإن الدولة التي فيها سوق حرة تؤدي وظيفتها بنجاح تتمتع بالفعل بعنصر رئيسي من عنصري الديمقراطية السياسية.

ثانيا، تولّد الأسواق الحرة الثروة، وقد أظهرت دراسات عديدة أنه كلما كانت الدولة أكثر ثراء كلما ازداد احتمال كون نظام حكمها ديمقراطيا. ولدى الناس الأغنياء الوقت للمشاركة السياسية الذي تحتاج إليه الديمقراطية والذي يفتقر إليه الناس الفقراء. وتولّد الثروة ما هو تاريخيا الأساس الاجتماعي للديمقراطية، أي الطبقة الوسطى.

ثالثا، السوق الحرة هي أساس ما يدعوه علماء الاجتماع المجتمع المدني، الذي يتألف من منظمات وجماعات أهلية في المجتمع مستقلة عن الحكومة، كنقابات العمال والمؤسسات الدينية والمهنية. ويقع المجتمع المدني في موقع وسط بين الحكومة والفرد، وهو يقيد سلطة الحكومة ويوفر المساحة الاجتماعية للنشاط بشكل مستقل عن الحكومة. وتعتمد منظمات المجتمع المدني على اقتصاد السوق الحرة للحصول على الأموال التي تدعمها. وليس من الممكن وجود ديمقراطية بدون مجتمع مدني ولا وجود مجتمع مدني بدون اقتصاد سوق حرة تؤدي وظيفتها بنجاح.

رابعا، تولد السوق الحرة عادتين ضروريتين للسياسة الديمقراطية. إحداهما هي الثقة. ويتعين أن يثق المواطنون في الدولة الديمقراطية بأن الحكومة لا تختزل أو تقلص حقوقهم، كما يتعين أن تثق الأقليات بأن الأغلبية لا تلحق الضرر بها أو تضطهدها. ويتعين في اقتصاد السوق الحرة أن يثق كل من المشترين والبائعين بأن الطرف الآخر سيفي بشروط الصفقات التي يتم عقدها، وإلا فإن التجارة لن تتحقق.

والعادة الأخرى التي تعززها السوق والأساسية بالنسبة للديمقراطية هي الحلول الوسط. وفي الحقيقة أن من الممكن تعريف الديمقراطية بأنها النظام السياسي الذي تسوي فيه الحلول الوسط بدلا من العنف أو الإكراه أشكال الخلافات المحتومة في أي مجتمع. ويتعلم الناس ممارسة التوصل إلى الحلول الوسط وقبولها من خلال النشاطات اليومية لاقتصاد السوق الحرة: ذلك أنه يتعين على المشتري والبائع التوصل دائما إلى حلول وسط أو تقديم تنازلات حول سعر الصفقة، حيث أن البائع سيرغب دائما في أن يدفع له أكثر مما يتلقى فعلاً، وأن المشتري سيرغب دائما في أن يدفع أقل مما يعطي.

وقد أصبحت السوق الحرة تعتبر في كل مكان تقريباً، منذ بداية الثلث الأخير من القرن العشرين، أفضل شكل من أشكال التنظيم الاقتصادي لتوليد الازدهار. وبما أن جميع المجتمعات ترغب في أن تنعم بالازدهار، فقد أقامت جميعها تقريبا، أو حاولت إقامة اقتصاديات سوق حرة. وبما أن الأولى تميل إلى تشجيع الثانية، فإن انتشار الأسواق الحرة أسهم أكثر من أي شيء آخر في جعل صعود نجم الديمقراطية الملفت للنظر في جميع أنحاء العالم تقريباً ممكنا.

 

الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء أو سياسات الحكومة الأميركية.

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي