12 شباط/فبراير 2010

واشنطن،- تواجه عملية إعادة النظر التنظيمية الشاملة الجارية لجعل النظام المالي الأميركي أقل عرضة لخطر الأزمات، مصيرا مجهولا في وقت تشن فيه الأطراف المعنية وصانعو السياسة والمشرعون مناورات سعيا وراء فرص تمكن من ممارسة ضغوط من خلال الكونغرس لتغييرها أو وأدها.
ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2009 كشف السناتور الديمقراطي كريستوفر دود، رئيس لجنة المصارف في مجلس الشيوخ، عن "مشروع قانون للمناقشة" ووعد بالعمل مع الأعضاء الجمهوريين للخروج بتشريع متفق عليه من الحزبين. غير أن الأمر، باستثناء التصريحات الصادرة في أواخر كانون الأول/ديسمبر 2009 عنه وعن العضو الجمهوري البارز في اللجنة ريشارد شلبي حول الأهداف المشتركة، لم تبد أية بوادر على تحقيق أي تقدم.
وكان مجلس النواب قد وافق في أيلول/سبتمبر 2009 على مشروع قانون للإصلاح المالي مدعوم من البيت الأبيض صوت ضده كل الأعضاء الجمهوريين في المجلس.
ومجلس الشيوخ عليه بدوره أن يوافق على مشروع قانون تعدّه وتوافق عليه لجنة المصارف، كما يجب التوفيق بين محتوى قانوني مجلسي النواب والشيوخ قبل أن يحال مشروع القانون الموحد إلى الرئيس ليوقعه ويصبح قانونا ساري المفعول.
ويحاول كل من مشروعي القانون المطروحين للبحث في مجلس الشيوخ ومجلس النواب معالجة ما يعتقد المشرعون في المجلسين أنه الأسباب الجذرية للأزمة المالية، والهيكلية التنظيمية المعقدة غير الفاعلة، والمجازفات المفرطة التي ترتكبها المؤسسات المالية الكبرى التي يشكل فشلها وانهيارها خطرا على النظام المالي برمته، وعدم تمتع الحكومة بالصلاحيات الكافية للتعامل مع المصارف الكبرى المنهارة وحماية المستهلكين.
غير أن جهود محاولتي مجلسي الكونغرس تختلف في الكيفية التي يعالجان بها القضايا الأساسية، مما يجعل مهمة إمكانية تسوية الخلافات مهمة عسيرة. فاقتراح مجلس الشيوخ، المطروح حتى الآن، من شأنه إلغاء معظم الوكالات التنظيمية القائمة حاليا ونقل صلاحياتها إلى هيئة تنظيمية عليا واحدة، بينما ينص مشروع قانون مجلس النواب على مجرد دمج ثلاث وكالات مع تعزيز سلطات المشرفين على التنظيم وصلاحياتهم. ويهدف مشروع مجلس الشيوخ إلى استحداث وكالة جديدة تعمل على تحديد ومعالجة المخاطر التي يتعرض لها النظام المالي كله نتيجة مجازفات المصارف الكبيرة والمنتجات (الأوراق) المالية المركبة والاستثمارية المعقدة. ويمنح مشروع قانون مجلس النواب مثل هذه الصلاحية للبنك المركزي الأميركي، لكنه يفرض على البنك مشاركة المشرفين الرئيسيين الآخرين على التنظيم في صلاحيات صنع القرار.
وجاءت خسارة الديمقراطيين مقعدا هاما حاسما في الانتخابات التي جرت في ولاية مساتشوستس في كانون الثاني/يناير (لشغل مقعد السناتور الراحل إدوارد كينيدي) لتحرمهم من الطريق المضمون لتحقيق الانتصارات التشريعية و"خلقت كثيرا من الشك بالنسبة لعملية التشريع" على حد قول ريد كريمر، من مؤسسة نيو أميركا، "أميركا الجديدة"، إحدى منظمات الأبحاث السياسية في واشنطن.
ومن المحتمل، طبقا لما يراه بيتر واليسون من معهد إنتربرايز الأميركي، وهو مؤسسة أبحاث سياسية أخرى في واشنطن، أن الجمهوريين سينتزعون -نتيجة لما اكتسبوا من نفوذ في مواجهة الديمقراطيين- بعض التنازلات. غير أن واليسون يقول إن من غير المحتمل أن يعرقل الجمهوريون العملية إلى حد قتل التشريع ووأده. فانتخابات تشرين الثاني/يناير 2010 النصفية (التي تجري في نصف الفترة الرئاسية وينتخب فيها كل أعضاء مجلس النواب وثلث أعضاء مجلس الشيوخ وحكام الولايات)، يقول واليسون إنها تشكل ضغوطا على المرشحين الجمهوريين، فلا يحتمل أن "يتوجهوا إلى ناخبيهم دون أن يكون لديهم ما يقولونه لهم عما قاموا به لمعالجة الأزمة المالية."
فقد دلت انتخابات مساتشوستس على الاستياء الشعبي من ضعف الاقتصاد والتجاوزات التي ترتكبها وول ستريت (سوق الأسهم والأوراق المالية). وقدم الرئيس أوباما منذ ذلك الحين مشروعا للعودة عن تعزيز القطاع المالي والحد من نفوذ البنوك التجارية بتحديد حجمها ومنعها من التعامل في الاتجار المجازف بالملكيات، وفرض ضرائب مناسبة لحجمها. وجدد في خطابه عن حالة الاتحاد في 27 كانون الثاني/يناير تأكيد دعمه لقانون صارم للإصلاح المالي وهدد برفض أي تشريع يقصر عن تحقيق توقعاته ( باستخدام حقه في النقض-الفيتو).
وقالت جريدة نيويورك تايمز إن موقف الحكومة أدى إلى انطلاق مجهود دعائي مكثف (لوبي) من قبل البنوك التي أقلقتها إمكانية أن يسير التشريع في اتجاهات مغايرة لرغبتها.
وقال كريمر، من مؤسسة أميركا الجديدة إن أوباما بتصديه المباشر للبنوك الكبيرة وفّر للمشرعين من الحزبين غطاء يمضون في ظله سائرين نحو التشريع "وعدم التهرب من مسؤولية الحكم ومعالجة المشاكل" من أجل النمو الاقتصادي والاستقرار المالي.
أما ديزموند لاكمان، من معهد إنتربرايز الأميركي، فيقول إن خطة أوباما تضع الإصلاح "على مسار أكثر رغبة فيه" وذلك أنه يعتزم جعل المصارف الأميركية أكثر كفاءة وأقل عرضة للأزمات. لكنه يضيف أنها "لا تحسّن فرص احتمال تمرير القانون بسبب احتمال كونه مسارا تقاومه البنوك مقاومة شديدة."
وصف السناتور دود البيت الأبيض بأنه سائر بمقترحاته الجديدة "على المسار الصحيح." ووجه اللوم في جلسة استماع في 4 شباط/فبراير، إلى المؤسسات المالية الكبرى على رفضها العمل "البنّاء" مع الكونغرس، وهو رفض وصفه بأنه "يكاد يكون إهانة للشعب الأميركي." وكان السناتور دود قد أعرب قبل يومين فقط عن وجهة نظر مختلفة نوعا، ما شاكيا من أن الخطة (خطة أوباما) تجعل المفاوضات الدقيقة أكثر صعوبة بإضافته طبقة أخرى من طبقات التعقيد عليها.
وقد أعرب ممثلو الصناعة المالية والمصرفية في جلسة الاستماع عن هواجسهم وشكوكهم تجاه الخطة. إلا أن أحد كبار المديرين التنفيذيين الماليين أدلى بشهادة أيضا في الجلسة، دافع عن مقترحات الحكومة وعن مؤسسة مستقلة للحماية المالية يحاربها القطاع المالي.
وقال كريمر إن ملاحظات أوباما الأخيرة تضفي طابع الاستعجال على عملية التشريع ومن شأنها زيادة وعي الشعب بدور البنوك "في التسبب في التراجع الاقتصادي."
ويعتقد معظم الخبراء أنه سيكون من الصعب على مشروع قانون دود أن يحظى بالموافقة ويمر في مجلس الشيوخ بشكله وصيغته الأصلية، وأن من المحتمل تقليص صلاحيات مجلس الاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي) أو تغييرها. وتكهن كريمر بظهور وكالة الحماية المالية للمستهلكين إلى حيز الوجود، بينما رأى واليسون هذا الاحتمال بعيد التحقيق.
في غضون ذلك يستمر أوباما في الحث على إيجاد الوسائل الكفيلة بحماية المستهلكين، لكنه لم يشر في تصريحاته مؤخرا إلى فكرة وكالة حماية مستقلة على وجه التحديد.