15 ايلول/سبتمبر 2009

قصة البروز المذهل لشركة "وول مارت" خلال جيل واحد، من متجر عادي لبيع السلع المتنوعة بأسعار مهاودة إن لم يكن منخفضة في ولاية آركنسا، إلى أكبر واقوى متجر في العالم للبيع بالتجزئة، يظهر بوضوح العديد من التحولات الأساسية التي تحصل في الاقتصاد الأميركي. إصرار متاجر وول مارت على كسر أسعار المنافسين وخفض النفقات التشغيلية إلى أدنى حد ممكن سنة بعد سنة أثبتا انهما استراتيجية فاعلة. قال مؤلف كتاب "تأثير وول مارت"، تشارلز فيشمان، إنه في حوالي العام 2006، كان أكثر من نصف الأميركيين يعيشون ضمن مسافة ثمانية كيلومترات من أحد متاجر وول مارت.
رغم أن شركة وول مارت كانت تسعى نموذجياً للحصول على السلع من المصنعين الأميركيين لملء رفوف متاجرها خلال نمو الشركة، فإن إدارة وول مارت سرّعت بحثها عن منتجات ومكونات أقل كلفة في الأسواق الخارجية. واليوم أصبحت شركة وول مارت أهم قناة فردية لبيع السلع الأجنبية التي تدخل إلى الاقتصاد الأميركي بالتجزئة .
أثار انتشار وول مارت عبر المشهد الأميركي معارضة شديدة من المعترضين، وقادت هذا الاعتراض نقابات العمال التي حاربت ما اعتبرته سياسات الشركة المناهضة للاتحادات العمالية. يكسب عمال وول مارت نصف قيمة أجور عمال المصانع أو أقل، وكان يجري في بعض الأحيان وضع حد أعلى لهذه الأجور لإبقاء نفقات متاجر وول مارت منخفضة. حركة التغير في الموظفين عالية نسبياً ولكن الشركة أفادت أنها تتلقى 10 طلبات عمل لكل وظيفة عندما تفتح متجراً جديداً. تستغل الشركة قوتها الاقتصادية للترويج لمنتجات تقتصد في الطاقة، ولمنشآت الطاقة الشمسية في متاجرها، ولتوفير الوقود في أسطول شاحناتها، وتحثّ موظفيها على دعم استراتيجياتها "الخضراء" (الصديقة للبيئة). متاجرها التي تشبه "الصندوق الضخم" والتي تتجاوز مساحتها 13 ألف متر مربع تعرضت للانتقادات اللاذعة لكونها طغت على محلات التجارة الصغيرة القريبة من متاجرها.
إلاّ أن البيع بالتجزئة في الولايات المتحدة كان دائماً يتسم بشدة المنافسة، حيث كانت التكنولوجيات والاستراتيجيات الفاشلة تتهاوى على قارعة الطريق. ساعد انتشار الكهرباء في المدن وابتكار المصاعد في الثمانينيات من القرن التاسع عشر قطب متاجر البيع بالتجزئة جون واناميكر ومقلديه في إنشاء أول متاجر كبرى في وسط المدن. ثم فتحت متاجر سيرز وغيرها من المتاجر التي تبيع بالكتالوغ جبهة جديدة للبيع بالتجزئة، وهي التسوق من المنزل. ساهم انتقال الاميركيين، الذين لحقوا نظام الطرق العامة السريعة التي تصل بين الولايات إلى السكن في ضواحي المدن الأبعد، في تقويض أعمال التجار المحليين قبل وقت طويل من وصول وول مارت إلى حجمها العملاق. وقد تباطأ النمو الأخير لوول مارت في الولايات المتحدة بعد أن بدأت هذه المحلات وغيرها من كبار تجار البيع بالتجزئة، بمواجهة المنافسة من التسوق عبر الإنترنت ومسوقي السلع الاختصاصية.
النموذج الأقدم والأبسط للبيع بالتجزئة في الولايات المختصة الذي ساد قبل قرن واحد، عندما كان التجار الذين كانوا يقيمون محلاتهم في المجتمعات الأهلية ويبيعون في الغالب منتجات صنعت في أميركا كان من الممكن ان يوفر قاعدة اقتصادية اكثر استقراراً لبعض المجتمعات الأهلية. ولكن هذا النموذج الذي كان جامداً في أحيان كثيرة فشل في التكيف مع الظروف الجديدة التي ولدتها المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ذات النشاط الديناميكي في أنحاء البلاد.