15 تشرين الأول/أكتوبر 2009
الكثير من تاريخ أميركا يركز على النقاش حول دور الحكومة في الاقتصاد.
"ثم زحفت آفة غريبة على المنطقة وبدأ كل شيء يتغير... كان هناك سكون غريب... بدت الطيور القليلة التي كان من الممكن مشاهدتها في أي مكان في طور السبات. كانت ترتجف بعنف ولا تستطيع الطيران. كان ربيعاً بلا أصوات. وفي الصباحات التي كانت تنبض في الماضي بنشيد الفجر الذي تنشده أصوات العشرات من الطيور لم يعد الآن يسمع فيها أي صوت، كان الصمت فقط يخيم فوق الحقول والغابات والمستنقعات."
ريشيل كارسون
الربيع الصامت
1962
قامت الولايات المتحدة على مبادئ التعزيز المتبادل للمشاريع الفردية والنفوذ الحكومي المحدود. وساعد غضب سكان المستوطنات الأميركية احتجاجاً على الضرائب التي فرضها التاج البريطاني في إشعال فتيل الحرب الثورية عام 1775. وشكّل شعار "ضرائب دون تمثيل" صرخة المعركة حينئذ. نجح أول وزير للمالية في الجمهورية الجديدة، الكزاندر هاملتون في تأسيس بنك حكومي ولكنه خسر حملته لتبني سياسة صناعية فدرالية تعزز الحكومة بموجبها الصناعات المهمة استراتيجياً من أجل تقوية اقتصاد البلاد وقوتها الدفاعية العسكرية.
لكن لم تكن تلك النزعة باتجاه المشاريع الحرة مطلقة. فمنذ البداية قامت الحكومات في البلاد- الحكومة الفدرالية، وحكومات الولايات، والحكومات المحلية – بإصدار قوانين لحماية وتنظيم وتوجيه الاقتصاد. تدخلت الحكومات لمساعدة مصالح المناطق، والأفراد، وصناعات معينة. ولكن المدى الذي يجب أن تقوم الحكومات بمقتضاه بذلك كان دائما مسألة سياسية مركزية.
يستند التبرير القانوني للتنظيم الاقتصادي إلى بضع فقرات من المادة الأولى من الدستور الأميركي. أعطت هذه الفقرات الكونغرس سلطة جمع الضرائب والرسوم، الاقتراض على أساس ائتمان الدولة، تسديد ديون الحكومة الفدرالية، إصدار وتنظيم قيمة العملة الأميركية، ووضع قوانين تنظم حالات الإفلاس وتجنيس المهاجرين. مُنعت الولايات من فرض ضرائب على التجارة بين الولايات. وأدرك واضعو نصوص الدستور أن الدولة الفتية لا زالت بعيدة جداً عن مضاهاة القيادة العلمية والصناعية الأوروبية، ولهذا السبب جزئياً فوضوا الكونغرس منح المؤلفين والمخترعين حقوقاً حصرية للاستفادة من إبداعاتهم لفترة محدودة.
ولكن اللغة الأكثر عمومية، والأكثر إثارة للجدل، في الدستور حول الاقتصاد تمثلت في 16 كلمة وردت في القسم 8 من المادة 1 التي خوّلت الكونغرس سلطة "تنظيم التجارة" مع الدول الأجنبية ومع القبائل الهندية الأميركية الأصلية كما وبين الولايات. استُخدم تطبيق هذه الفقرة المتعلقة بالتجارة بين الولايات خلال القرن الماضي لتبرير إطلاق برامج حكومية واسعة النطاق حول مسائل لم يكن بمقدور الآباء المؤسسين تخيلها على الإطلاق.
أدى تفسير الفقرات المتعلقة بالتجارة إلى الانقسام بين الأميركيين الذين يريدون وجود حكومة فدرالية ناشطة وبين الذين يناصرون وجود سلطة مركزية محدودة أكثر. في أحيان كثيرة، تمّ اللجوء إلى المحكمة العليا لحل النزاعات حول مدى أثر هذه الفقرة من الدستور المتعلقة بالتجارة. فسرت بعض أهم قرارات المحكمة التي صدرت في القرن التاسع عشر هذه الفقرة بصورة ضيقة، ووجدت أنه في حين كانت شحنات السلع المارة عبر الأنهر التي تجتاز عدة ولايات مشمولة بفقرة التجارة تلك، فقد اعتُبر التصنيع نشاطاً محلياً ولم تشمله هذه المادة.
ولكن توسع نطاق قرارات المحكمة في القرن العشرين، حيث أيدت هذه القرارات برامج "الصفقة الجديدة" المهمة التي تؤثر على التوظيف والزراعة. وفي ستينات القرن العشرين فسر القضاة بصورة واسعة عبارة "التجارة بين الولايات"، على أساس أنها تحمل في طياتها أن الكونغرس يملك سلطة التصديق على قوانين الحقوق المدنية البارزة التي تحظر على شركات الأعمال الخاصة ممارسة التمييز العنصري. في هذه القضايا، دققت المحاكم بإمعان في سجل الأدلة لإيجاد روابط بالتجارة بين الولايات، ووجدت ذلك، مثلا، في إحدى حالات القمح المستعمل لصنع خبز لفائف المقانق التي يقدمها نادٍ "خاص" يمارس التمييز العنصري في قبول أعضائه. ابتداءً من تسعينات القرن العشرين، سعت أحكام صادرة عن المحكمة العليا إلى تضييق نطاق تلك القرارات السابقة من خلال تركيز فقرة التجارة على الخلافات التي تركّز مباشرة على النشاطات الاقتصادية.
مع أن التنظيم الاقتصادي تراجع منذ سبعينات القرن العشرين، فلا زالت الحمايات التي نصت عليها تلك الأنظمة تلعب دوراً أساسياً يؤثر على صحة العمال، سلامة الأدوية والمنتجات الاستهلاكية، حماية ركاب السيارات والخطوط الجوية، المودعين في المصارف والمستثمرين في الأوراق المالية، وتأثير نشاطات الشركات على البيئة.