06 تشرين الأول/أكتوبر 2009
كانت التخفيضات الضريبية في ثمانينات القرن العشرين جزءاً واحداً فقط من حركة أوسع لتقليص الدور الاقتصادي للحكومة. الجزء الآخر كان إلغاء الأنظمة.
خلال سبعينات القرن العشرين، عزا عدد من المفكرين بعض التباطؤ الاقتصادي في البلاد إلى شبكة القوانين والأنظمة التي يفرض تطبيقها على شركات الأعمال. كانت هذه الأنظمة قد وضعت لأسباب سليمة: منع إساءة استعمال السوق الحرة، وبصورة عامة، تحقيق عدالة اجتماعية أكبر ولتحسين نوعية الحياة الإجمالية في البلاد. ولكن أكد النقاد بأن التنظيم كان له ثمن، يقاس بالعدد الأقل من المتنافسين في صناعة معينة، وبارتفاع الأسعار وبانخفاض النمو الاقتصادي.
خلال السنوات المرهقة اقتصادياً في السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن العشرين أصبح العديد من الأميركيين أقل رغبة في دفع ذلك الثمن. اعتقد الرئيس جيرالد فورد، الجمهوري الذي خلف ريتشارد نيكسون عام 1974، ان إلغاء الأنظمة المتعلقة بالشاحنات، الخطوط الجوية وخطوط السكة الحديدية قد يعزز المنافسة ويقيّد التضخم بصورة فعالة أكثر من الإشراف والتنظيم الحكومي. اعتمد خليفة فورد الديمقراطي جيمي كارتر بقوة على مستشار رئيسي مؤيد لإلغاء التنظيم، وهو ألفريد كاهن. وقّع كارتر بين عام 1978 وعام 1980 قوانين مهمة حققت إلغاء التنظيم في صناعات النقل. وتسارع هذا الاتجاه خلال إدارة الرئيس ريغان.
لم تكن الاتجاهات الفكرية والسياسية المؤيدة لإلغاء التنظيم محصورة بالولايات المتحدة. اكتسبت حركات تمكين شركات الأعمال الخاصة وتقليص تأثير الحكومة زخماً في بريطانيا وأوروبا الشرقية وأجزاء من أميركا الجنوبية. في الولايات المتحدة، استمرت المحاكم والهيئات التشريعية في إلغاء الأنظمة الحكومية في صناعات مهمة بضمنها الاتصالات وتوليد الطاقة الكهربائية.
كانت الخطوة الأكثر درامية هي تفكيك الشركة الأميركية للهاتف والتلغراف (AT&T)، وهي الشركة التي احتكرت الهاتف على مستوى البلاد. قبل قيام الحكومة بتقسيمها، كانت الشركة تسيطر على جميع خدمات الهاتف، في مجال الاتصالات المحلية والبعيدة المدى، وأكدت بأن قبول شركات خدمات جديدة قد يهدد اعتمادية الشبكة. أجبرت هذه الشركة الأميركيين على استئجار أجهزتهم الهاتفية من شركة وسترن الكتريك التابعة لها، وهو احتكار خنق تطور أنواع وطرازات مبتكرة من أجهزة الهاتف. وجادلت شركة منافسة أصغر حجماً بكثير، وهي شركة أم سي آي للاتصالات، بأن التطورات التكنولوجية قد تمكن المنافسة من الازدهار الأمر الذي يستفيد منه المستهلكون.
دعمت الحكومة قضية أم سي آي ورفعت قضية أمام المحاكم وطلبت من أحد القضاة الفدراليين ان يضع حداً لاحتكار شركة أيه تي أند تي. أذعنت هذه الشركة ووافقت على تجزئة خدمات الهاتف المحلي التي تقوم بها إلى سبع شركات هاتف إقليمية جديدة.
أطلق هذا العمل عصراً اتسم بالمنافسة المكثفة والابتكار المكثف في ميدان أجهزة الهاتف، أجهزة الكمبيوتر، الإنترنت والاتصالات. (احتفظت شركة أيه تي أند تي بشبكتها للاتصالات البعيدة المدى ولكن في عام 2005 اشترت هذه الشركة إحدى الشركات السابقة التابعة لها لخدمات الهاتف المحلية). وفي حين ان العديد من المستهلكين الأميركيين وجدوا التغييرات في خدمة الهاتف مربكة فقد تلقفوا بحماسة العروض السريعة لأجهزة الاتصالات الجديدة.
كان تخفيف الأنظمة المفروضة على خدمة الطاقة الكهربائية في تسعينات القرن العشرين أكثر إثارة للخلاف، وكانت فوائد ذلك موضع جدل. بعد انقضاء قرن على عصر توماس أديسون كان معظم الأميركيين يشترون الكهرباء من شركات كانت تديرشركات احتكار قانونية في مناطقهم. نظمت هيئات الولايات الأسعار المحلية لهذه الشركات الخدماتية، بينما اشرف منظمون فدراليون على المبيعات الإجمالية عبر حدود الولايات. استندت الأسعار بصورة عامة إلى تكاليف توليد الطاقة الكهربائية بعد إضافة هامش ربح "معقول" للشركة.
اختار حوالي نصف عدد الولايات الأميركية فتح الخدمة الكهربائية أمام المنافسة على أمل ظهور منتجات جديدة وأسعار منخفضة. لكن هذه التحركات تزامنت مع حصول زيادات حادة في أسعار الطاقة ابتداءً من عام 2000. نشأت نتيجة ذلك ردة فعل سياسية ضد إلغاء أنظمة الكهرباء، وزادتها سوءاً فضيحة أحاطت بإفلاس شركة إنرون، وهي شركة طاقة كان مقرها الرئيسي ولاية تكساس وكانت مدافعة رئيسية عن المنافسة في أسواق الكهرباء.
توقفت حركة إلغاء التنظيم في منتصف مسارها بعد عام 2000، تاركة صناعة الكهرباء منظمة جزئياً وغير منظمة جزئياً، ومقسمة ببرامج عمل إقليمية متباينة. اعتمد بعض المناطق في البلاد على الفحم لتوليد الطاقة الكهربائية. وفي أماكن أخرى تمثل التوربينات العاملة بالغاز الطبيعي أو السدود المائية أو المحطات النووية مصدراً مهماً للكهرباء، وبدأت تنمو في القرن الواحد والعشرين الطاقة التي تولدها الرياح. أبطأت هذه المصالح الإقليمية المختلفة التحرك نحو استجابة قومية تجاه مسائل تغير المناخ، بضمنها الإجراءات المحتملة مثل تطوير مصانع لتوليد طاقة كهربائية متجددة وإنشاء شبكة نقل موسعة للكهرباء. وبدلاً من ذلك كانت حكومات الولايات هي المبتكرة الرئيسية للسياسة.