02 تشرين الأول/أكتوبر 2009
كانت تشريعات المجتمع العظيم التي صدرت في ستينات القرن العشرين، المؤلفة من 84 قانوناً جديداً مختلفاً، تمثل ذروة موجة من العمل السياسي الذي بدأه فرانكلن روزفلت باستعمال السلطة الحكومية لفرض أجندة عمل اقتصادية واجتماعية. عالجت القوانين الجديدة حقوق التصويت للاقليات، فرص العمل، التعليم العام، سلامة المستهلك وسائقي السيارات، حماية البيئة والضمان الصحي للكهول والفقراء.
استند تبني برنامج عمل ليندون جونسون على فوزه الكاسح في الانتخابات الرئاسية عام 1964 والأغلبيات الحاسمة التي حققها حزبه الديمقراطي في الكونغرس في تلك السنة. لكن سياسة جونسون نشّطت المعارضة من جانب المحافظين الذين شعروا بأن الحكومة تدخلت أكثر من اللازم في حياة المواطنين الشخصية وأنها وضعت عبئاً كبيراً على أصحاب العمل وهددت حيوية الاقتصاد. أثارت إجراءات الحقوق المدنية التي ناصرها جونسون غضب العديد من البيض الجنوبيين الذين حولوا ولاءهم إلى الحزب الجمهوري.
كانت سبعينات القرن العشرين عقداً عصيباً بالنسبة للاقتصاد الأميركي. واجه الرئيس ريتشارد نيكسون في منتصف فترة رئاسته الارتفاع السريع للأسعار الذي حفزته جزئياً أكلاف حرب فيتنام التي خيضت خلال ولايته وخلال ولاية جونسون. خرج نيكسون عن دعم حزبه الجمهوري التقليدي لموازنات متوازنة لتسريع الإنفاق الفدرالي من أجل تحفيز النمو الاقتصادي، رغم أن هذا الأمر قد ساهم في تضخم الموازنة الفدرالية.
تبنى نيكسون بصورة مماثلة وضع ضوابط على الأجور والأسعار في جهد لوقف مسيرة الدورة التضخمية حيث دفعت الأجور المرتفعة الشركات إلى رفع أسعارها ومن ثم أدّت الأسعار المرتفعة إلى مطالبة العمال برفع أجورهم. قال نيكسون في عام 1971، "أصبحت الآن من اتباع عالم الاقتصاد كينز"، واضعاً نفسه في المعسكر الاقتصادي البريطاني لجون ماينرد كينز الذي نادى بضرورة الإنفاق المؤدي إلى عجز الميزانية خلال فترات تباطؤ الاقتصادي.
فشل برنامج نيكسون بوضع الضوابط على الأجور والأسعار. على سبيل المثال، لم يتم ضبط أسعار القطن بسبب النفوذ السياسي لمزارعي القطن. لكن سعر النسيج القطني البسيط اخضع للتنظيم، وعندما كانت تتأثر أرباح أصحاب مصانع النسيج، كان هؤلاء يلجأون إلى خفض الإنتاج مسببين بذلك حالات نقص في العرض، كما أشار آلان غرينسبان رئيس بنك الاحتياط الفدرالي السابق.
كان الدرس الذي جرى تعلمه من تجربة نيكسون دائم الحضور والتأثير: الاقتصاد الأميركي شديد التعقيد، فوضوي وسريع الحركة بدرجة تتعذر معها إدارته بأي صورة مفصلة من قبل المسؤولين الحكوميين. حصل إجماع جديد على ان أدوات الضبط لا تستطيع التغلب على قوى التضخم بل أنها تخنق الابتكار وركوب المخاطر والمنافسة.
ضربت صدمتان سببهما ارتفاع أسعار النفط في أعقاب الحرب العربية-الإسرائيلية عام 1973 والثورة الإسلامية في إيران عام 1979 الأداء الاقتصادي الأميركي. ارتفعت أسعار النفط ثلاثة أضعاف وتشكلت صفوف طويلة أمام محطات بيع المحروقات. في نهاية العقد سجل التضخم اعلى نسبة في أي وقت منذ الحرب العالمية الأولى وقفزت نسبة البطالة إلى أكثر من 9 بالمئة. ضرب هذا التأثير بأشد قوته خلال إدارة الرئيس جيمي كارتر، الديمقراطي الذي انتخب في عام 1976. أصيب الاقتصاد الأميركي "بضيق" كما قال مستشارو كارتر، ولم يبد أي شيء فعلته الحكومة على أنه قدم جواباً شافيا لمشاكل البطالة العالية والأسعار العالية وأسواق الأسهم الراكدة.
في حالات المخاض الاقتصادي، كان الأميركيون في أحيان كثيرة يعاقبون الحزب الموجود في السلطة وكان عام 1980 مثالا على ذلك. أظهرت استفتاءات الرأي التي نفذت في تلك السنة ان ثلثي الشعب الأميركي يعتقدون ان البلاد تسير في اتجاه سلبي. سعى أميركيون عديدون إلى إحداث تغيير في الاتجاه فوجدوه في المرشح رونالد ريغان، الحاكم الجمهوري السابق لولاية كاليفورنيا. في المناظرة الوحيدة المتلفزة خلال الحملة الانتخابية، سأل ريغان المشاهدين ببساطة: "هل انتم الآن افضل حالاً مما كنتم عليه قبل أربع سنوات؟" أطلق المحللون على هذا السؤال ضربة ريغان القاضية.
كان انتخاب ريغان لمنصب الرئاسة يرمز إلى تغيير بارز آخر في الاتجاه حول دور الحكومة في الاقتصاد. أعلن ريغان في خطاب تنصيبه الرئاسي عام 1981 انه "في هذه الأزمة الحالية لا تُشكِّل الحكومة الحل لمشاكلنا، لأن الحكومة هي المشكلة. لقد حان الوقت لوقف وعكس تضخم حجم الحكومة."
الاقتصاد "الريغاني" سعى إلى تخفيض معدلات الضريبة حتى ولو أدى ذلك إلى عجز في الموازنة الفدرالية. احتج النقاد بالقول ان هذا العمل هو طريقة غير مباشرة لفرض تخفيضات في الإنفاق الاجتماعي المحلي وفي البرامج التي لا توافق عليها الحكومة الجديدة.
أكد ريغان ومستشاروه بأن معدلات ضريبة هامشية أدنى قد تنعش الاقتصاد. واعتقدوا ان من الأفضل ترك أموال أكثر بين أيدي رجال الأعمال والمستهلكين الذين قد تولّد مدخراتهم وإنفاقهم وخياراتهم في الاستثمار بصورة جماعية نمواً اقتصادياً أكثر مما قد يولده الإنفاق الحكومي. شددت هذه النظرية، التي سميت نظرية اقتصاد جانب العرض، على ان النمو الاقتصادي الناتج قد يولد أيضاً إيرادات أكثر مما قد يخسر من خلال فرض معدلات ضريبة أدنى وانه وفقاً لهذه الطريقة يمكن تحقيق التوازن في الميزانية الفدرالية.
ساعدت التخفيضات الضريبية لريغان في إنعاش الاقتصاد الأميركي، ولكن بعكس تكهنات مؤيدي جانب العرض، استمر العجز في الميزانية الفدرالية ونما لكن كانت "ثورة ريغان" نقطة تحول سياسي تجاه حكومة أصغر وفردانية أكبر، وغادر ريغان منصب الرئاسة كأحد أكثر الرؤساء الأميركيين شعبية.