02 تشرين الأول/أكتوبر 2009
هزّت الولايات المتحدة التغييرات المتشنجة التي أحدثتها الصناعة والسكن في المدن في نهاية القرن التاسع عشر. بدأ ظهور الحركات العمالية وبدأت تتطلع إلى تولي السلطة، وبدأ المهاجرون يساعدون في تكييف أيديولوجيات الاحتجاج الأوروبية إلى أشكال أميركية.
بحلول الثمانينات من القرن التاسع عشر، كانت الصناعة والتجارة قد تفوقتا على إنتاج المزارع من حيث القيمة. انتشرت صناعات جديدة وخطوط سكك حديدية جديدة، بدعم حيوي من ممولين أوروبيين. ازداد حجم المدن الأميركية الرئيسية، لتي جذبت عائلات المهاجرين والهجرة من المزارع. هزت البلاد حالة ركود اقتصادي مدمر خلال النصف الأول من التسعينات من القرن التاسع عشر وتسببت في إفلاس حوالي 16 ألف شركة في عام 1893 وحده. في السنة التالية، أضرب ما يزيد عن 750 ألف عامل ووصلت معدلات البطالة إلى 20 بالمئة. قام المزارعون من الجنوب والغرب الذين تعرضوا لضربة قوية بسبب تقييد الائتمان وهبوط أسعار السلع، بتشكيل منظمة سياسية قومية ثالثة، وهي الحزب الشعبوي الذي صب جام غضبه على أصحاب المصارف والممولين وأصحاب خطوط السكة الحديدية. طالب برنامج عمل الحزب الشعبوي الحصول على ائتمان مالي اكثر سهولة واتباع سياسة عملة تساعد المزارعين. في انتخابات عام 1894 حصل مرشحو الحزب الشعبوي على نسبة 11 بالمئة من جميع أصوات المقترعين.
لكن السياسة الأميركية تجمعت تاريخياً حول حزبين كبيرين هما الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي اللذين شغلا هذا الدور منذ منتصف الثمانينات من القرن التاسع عشر. خدمت تجمعات سياسية اصغر حجماً بصورة رئيسية لحقن قضاياها في مرشح واحد من مرشحي الحزبين الرئيسيين أو كليهما. وكان ذلك المصير النهائي للحزب الشعبوي في تسعينات القرن التاسع عشر. بحلول عام 1896، كان الحزب الجديد قد اندمج بالحزب الديمقراطي، ولكن وجدت أجزاء مهمة من برنامج عمل الحزب الشعبوي طريقها بالتالي إلى القوانين من خلال الحركة التقدمية عبر الأحزاب التي برزت في أول عقدين من القرن العشرين. كان من بين الابتكارات الانتخاب الشعبي المباشر لأعضاء مجلس الشيوخ وفرض ضريبة دخل قومية تقدمية.
عكست التقدمية الأميركية شعوراً متنامياً بين العديد من الأميركيين انه، وحسب كلمات المؤرخ كارل ديغلر، "لم يعد المجتمع الأهلي وسكانه يتحكمون بمصيرهم الذاتي". اعتمد التقدميون على خبراء مدربين في العلوم الاجتماعية وفي حقول اخرى من أجل تصميم سياسات وأنظمة للسيطرة على ما اعتبروها تجاوزات لشركات الائتمان القوية والمصالح التجارية الأخرى. في العام 1909 كتب هربرت كرولي، مؤلف الكتاب الهائل النفوذ "وعد الحياة الأميركية" وأول رئيس تحرير لمجلة "نيو ريبابليك" (الجمهورية الجديدة) عن عقيدة التقدميين بالقول: "يجب أن تتدخل الحكومة القومية وأن تميز، ليس نيابة عن الحرية والفرد الخاص بل نيابة عن المساواة والفرد العادي."
نما نفوذ الفكر التقدمي بسرعة بعد اغتيال رئيس الجمهورية وليام ماكنلي عام 1901 ودخول نائب الرئيس ثيودور روزفلت إلى البيت الأبيض. روزفلت، الذي لقب بـ "تيدي" الذي كان مغامرا، وعالما طبيعيا ووريث عائلة ثرية، آمن بأن جبابرة الشركات القوية يخنقون المنافسة. وأكد هو وحلفاؤه على ضرورة تقييد أسوأ التجاوزات خوفاً من ان يستدير الشعب ضد النظام الرأسمالي الأميركي.
نشرت صحيفة نيويورك وورلد التي يملكها الناشر المتنفذ جوزيف بوليتزر افتتاحية جاء فيها: "لم تكن الولايات المتحدة اقرب أبداً من ثورة اجتماعية مما كانت عليه عندما اصبح ثيودور روزفلت رئيساً للبلاد." رد روزفلت على هذه الافتتاحية بفرض الأنظمة ورفع قضايا منع الاحتكار الفدرالية لكسر أكبر تجمعات القوة الصناعية. كانت قضية مكافحة الاحتكار التي رفعتها إدارته ضد أكبر شركة محتكرة للسك الحديدية في البلاد، وهي شركة "نورذرن سيكيوريتز كومباني"(شركة الضمانات الشمالية)، بمثابة هجوم مباشر على أبرز رأسمالي في البلاد حينئذ وهو جي بي مورغان. قال مورغان لروزفلت "لو كنا ارتكبنا أي خطأ، فلتقم بإرسال ممثلك للتحدث إلى ممثلنا فيستطيعان تسوية الأمر بينهما". وكان جواب روزفلت "لا يمكن فعل ذلك". كان القرار النهائي الذي أصدرته المحكمة العليا ضد شركة نورذرن سيكيوريتز رأس الجسر في حملة الحكومة لتقييد سيطرة اكبر الشركات على الاقتصاد.