الفنون| إعادة تشكيل الأفكار، التعبير عن الهوية

10 آذار/مارس 2009

مهرجان أرابيسك للفنون العربية يبهر جماهير الأميركيين

الأدباء العرب يروون الشعر والفنانون يعرضون المسرحيات والرقص والموسيقى وأكثر

 
صورة أكبر
مشهد من استعراض فرقة كركلا اللبنانية للرقص.
مشهد من استعراض فرقة كركلا اللبنانية للرقص.

من مايكل باندلر، المحرر في موقع أميركا دوت غوف

بداية النص

واشنطن – يكتظ الطابق السفلي في مركز جون كينيدي التذكاري للفنون الأدائية في واشنطن بمعروضات الشرق الأوسط التي تشمل الألبسة والأزياء المختلفة والمجوهرات والتحف وغيرها من منتجات الحرف اليدوية اللافتة للنظر والاهتمام في سوق تستقطب المتسوقين من زوار المركز احتلت مكان محل التحف والهدايا.

هذا التغيير في تسهيلات وعروض المركز الدائمة مؤقت، والسبب هو أرابيسك: فنون العالم العربي. وأرابيسك هو المهرجان الثقافي الذي يشارك فيه أكثر من 20 بلدا من البلدان العربية التي ملأت قاعات المركز ومسارحه وأماكنه العامة بالنشاطات والعروض الفنية والفنون التي تمثل مختلف جوانب الثقافة العربية، وذلك منذ أواخر شباط/فبراير والجزء الأكبر من شهر آذار/مارس.

والواقع أن في ما يجري في المركز كثيرا من الرمزية. فكما كانت السوق في ماضي التاريخ منتهى مقصد القوافل التي تحمل السلع متنقلة عبر المسافات بين شمال أفريقيا والشرق الأوسط ومحط المسافرين، كذلك كانت السوق التي أقيمت في العاصمة الأميركية مقصدا لنحو 800 من الفنانين والحرفيين العرب الذين جاء كثيرون منهم من مسافات بعيدة للمشاركة في هذا الحدث الفريد.

تراوحت مساهماتهم بين عروض مسرحية منولوجية من الأداء الفردي إلى الفرق الموسيقية، ومن عروض مسرحية مقتبسة من الأعمال الكلاسيكية إلى الرقصات الاستحواذية الرائعة، ومن رقصات الدراويش إلى أغاني الهيب هوب، ومن رنين العود إلى الطرب، عدا عن عروض الأزياء والمآكل وغير ذلك الكثير مما لذ للذوق وطاب للنظر.

أليشا أدامز، نائبة رئيس مركز كينيدي للبرامج الدولية والرقص وصفت كل ذلك بقولها "بالنسبة لي، هذه كلها نوافذ تفتح على ثقافة المنطقة."

أمضت أدامز الردح الأكبر من السنوات العشر الماضية منشغلة في التخطيط لهذا الحدث متنقلة في أسفارها بين أكثر من عشرة من البلدان العربية للبحث والدرس على أرض الواقع. وكان واضحا منذ البداية أن على المرشحين للمشاركة في العروض والأداء في المهرجان أن يكونوا في مستوى المعايير الفنية للمركز وأن تكون الأعمال والعروض التي يقدمونها أصيلة تعبر عن الثقافات الوطنية لواضعيها.

لذلك كان للمهرجان من خلال هذا المنظور حس كلاسيكي عريق جاء ليضع أمام الجماهير الأميركية تقاليد وأعرافا خالدة ربما لم يسبق لهم الاطلاع عليها أو اختبارها. غير أنه كانت هناك أيضا إلى جانب القديم مواهب جديدة واتجاهات حديثة. من الأمثلة على المواهب الناشئة عازفة البيانو العراقية الشابة تامي ميكو ذات الأعوام السبعة عشر التي عزفت في عرض مجاني في قاعة المدخل الرئيسي للمركز.

صورة أكبر
الفنان الكوميدي الجزائري سمير بوعناني.
الفنان الكوميدي الجزائري سمير بوعناني.

ثمة مثال آخر على جيل الفنانين الناهض هو مصمم الرقصات المغربي خالد بن غريب من فريق الذكور للرقص المعاصر "سيودوكيفار." وعلى الرغم من أن أعضاء الفريق لم يكونوا مدربين على الرقص فقد قررت أدامز إشراك الفريق في المهرجان ورغم ما اعترفت به من أنهم "كانوا مغمورين كليا في هذا المجال." فكانت لحسها معطياته المجزية. فقد استقبلت جريدة نيويورك تايمز في تعليق متحمس لناقدها للرقص بترحاب امتدح فيه الفريق بقوله "إنه نظرة انتقائية متسامحة خفيفة الظل ذات روح كبيرة إلى العالم."

من بين العروض الفنية كان عرض سوري لفريق أطفال الفرح للإنشاد ومن الصومال كان فنان الهيب هوب كنعان ومن لبنان كانت فرقة كركلا المسرحية للرقص (التي امتدحها ناقد الرقص في جريدة واشنطن بوست بقوله "إنها تأسر القلب") ومن الجزائر العرض المنفرد للكوميدي حمو بوطليلس، ثم الأكثر اجتذابا للاهتمام العرض بعنوان "يا لعمان."

ويشارك في هذا العرض الذي يتحرى الفجوة الثقافية المتضيقة من خلال الرقص، وهو استعراض ابتكرته الممثلة ومصممة الرقصات الأميركية ديبي، 30 راقصا بينهم 15 من العمانيين و15 من الأميركيين. فعلاوة عن تجربة المشاركة في العرض بحد ذاتها، هناك تجربتهم من زيارة أعضاء كل من الفريقين بلد الآخر والتي كانت حدثا مثيرا بحد ذاته.

وصفت أدامز ذلك الحدث بأنه "كان فرصة العمر. فإن ما عرفه وخبره هؤلاء الأميركيون من نظرائهم العرب سيكون له أثر كبير عندما يروون حكاياتهم على آبائهم وأصدقائهم ومعلميهم وزملائهم على مقاعد الدراسة في المستقبل."

إلا أنه رغم انهماك أرابيسك في الفنون الأدائية والتركيز عليها، فقد ضم المهرجان نشاطات أخرى من غير طابع النص المسرحي، وهي بالذات الكلمة المحكية. فإلى جانب برنامج شامل من القراءات من عدد من الكتاب والمؤلفين العرب وتكريم لذكرى أدباء من أمثال الشاعر الفلسطيني محمود درويش والروائية مصرية المولد أهداف سويف، قدم المهرجان حوارات ومناظرات بين الكتاب والأدباء تناولت مواضيع شملت تحديات الكتابة من منظور الجنس المختلف (نساء يكتبون للرجال، ورجال يكتبون للنساء) علاوة على مناقشات حول أدب المهجر ودور الكتاب في بناء الجسور الثقافية.

قالت أدامز إن هذا الجانب من النشاط "يضيف أصواتا أخرى إلى المهرجان. ونأمل أن نزود جماهيرنا أيضا بنظرة على هؤلاء الناس، من يكونون وعما يكتبون، ولخلق تعطش لمزيد من الأدب العربي الذي يتوفر لنا."

وبينما يستقطب مهرجان أرابيسك أقصى ما تستطيع طاقته من استيعاب لجماهير "نوافذ على الثقافة"، فالمهرجان يمثل الثقافة في أوسع معانيها. فليس من دليل على ذلك أشد وضوحا من عرض المهرجان فيلم "الاستكشاف" الذي يصور ما قدم العرب من إسهام للمجتمع والعلوم خلال "العصر الذهبي" بين القرنين الثامن والخامس عشر، وهو إسهام طواه النسيان على مر الزمن.

وأبرزت أدامز كمثال على المنجزات الفكرية العربية ما كان من "إسهام في علم الفلك وفي الطب والرياضيات، وأن بغداد كانت في الواقع هي ’دار الحكمة‘ التي قصدها طلاب العلم من المنطقة للعلم والدرس. فقد كان العلم هو روح العصر آنذاك. ولولا ذلك العصر (الذهبي) لما كانت هناك نهضة أوروبية."

ومما يذكر أن بعض العروض التي شملها مهرجان أرابيسك سيستمر عرضها في الولايات المتحدة. إذ تنوي بعض المدن الأميركية استضافة كنعان وفريق أطفال الفرح للإنشاد ومسرحية عربية مقتبسة عن رائعة وليام شكسبير "ريتشارد الثالث" التي ستعرض في نيويورك. ومن المتوقع أن تعود إلى الولايات المتحدة في وقت قريب فرقة بن غريب للرقص.

مهرجان أرابيسك هو في نهاية المطاف خلاصة زبدة مكوّناته الباهرة من موسيقى ورقص ومسرح وأزياء ومآكل وعلم وثقافة، فكلها كما وصفتها أدامز "وصلات ثقافية، وسائل يمكن أن ينتمي كل منا من خلالها إلى الناس والإنسانية وإلى الخير والجمال اللذين تنعم بهما تلك المنطقة من العالم."

نهاية النص

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي