12 حزيران/يونيو 2009

بقلم كاثرين فانسبانكيرن
أدّى الكساد الكبير في الثلاثينات من القرن الماضي إلى تدمير الاقتصاد الأميركي فعلياً. لكن الحرب العالمية الثانية أحيته. وأصبحت الولايات المتحدة قوة رئيسية على المسرح العالمي، وتمتع الأميركيون بعد الحرب العالمية الثانية بازدهار شخصي وحرية فردية غير مسبوقين.
جعل توسُّع التعليم العالي وانتشار التلفزيون عبر أميركا بعد الحرب العالمية الثانية من الممكن للناس العاديين الحصول على معلومات دون مساعدة، وأصبحوا أكثر رقيا ودراية. أدت وفرة وسائل الراحة الاستهلاكية وإمكانية الحصول على منازل كبيرة جذابة في ضواحي المدن إلى جعل عائلات الطبقة المتوسطة تعيش باستقلال ذاتي أكبر. وشددت النظريات المنتشرة لعلم النفس الفرويدي على أصول وأهمية العقل الفردي. كما حررت "حبة" منع الحمل النساء من الخضوع الصارم إلى القواعد البيولوجية، ولأول مرة في تاريخ البشر أصبح بمقدور عدد كبير من الناس العاديين العيش حياة مرضية بشكل واسع والتأكيد على قيمتهم الشخصية.
إن صعود مذهب الفردية على نطاق جماهيري واسع، وكذلك حركات الحقوق المدنية ومعارضة الحروب في الستينات من القرن العشرين، عزز الأصوات التي كانت صامتة قبلاً. أكد الكتّاب على طبيعتهم الداخلية الأكثر عمقاً كما على تجربتهم الشخصية، وعنت التجربة الفردية ضمنياً أهمية المجموعة التي ترتبط بها. المثليون، والمدافعون عن حقوق المرأة وغيرهم من الأصوات المهمشة أعلنوا صراحة عن أوضاعهم. ووجد الكتّاب الأميركيون اليهود والسود جماهير واسعة من القرّاء لرواياتهم المتعددة للحلم الأميركي، أو الكابوس الأميركي. ناقش الكتّاب من خلفية بروتستانتية، مثل جون تشيفر وجون أبدايك، تأثير ثقافة ما بعد الحرب على الحياة المماثلة لحياتهم. لا يزال بعض الكتّاب الحديثين والمعاصرين مصنفين ضمن تقاليد قديمة، كالواقعية. ومن الممكن وصف بعضهم على أنهم كلاسيكيون ووصف آخرين على انهم تجريبيون، حيث يتأثر أسلوبهم الأدبي بأشياء سريعة الزوال من الثقافة الشعبية أو فلسفات كالوجودية أو الاشتراكية. وقد صنّف العديدون منهم بسهولة بمجرد الاستناد إلى خلفيتهم الإثنية أو المناطقية. رغم ذلك، وبصورة إجمالية، فإن الكتّاب العصريين كانوا يطالبون دائماً بقيمة هوية كل فرد.
سيلفيا بلاث (1932-1963)
عاشت سيلفيا بلاث حياة مثالية ظاهريا وتابعت دراستها في كلية سميث بمنحة دراسية، وتخرجت الأولى في صفها، وفازت بمنحة فولبرايت للدراسة في جامعة كيمبريج في إنجلترا. هناك تعرفت على الشاعر تيد هيوز الذي أصبح زوجها، والذي أنجبت منه طفلين واستقرت في منزل ريفي في إنجلترا.
ووراء نجاح قصتها التي تشبه قصص الخيال كانت تتفاقم لديها مشاكل نفسية لا حل لها، وقد استحضرتها في روايتها الشعبية جداً "الجرّة الجرسية" (The Bell Jar) (1963). كان بعض هذه المشاكل مشاكل شخصية بينما نشأت مشاكل أخرى نتيجة إحساسها بالمواقف المكبوحة لدى النساء في الخمسينات من القرن العشرين. كان من بين هذه المعتقدات، والتي شاركتها فيها نساء عديدات، أن على النساء أن لا يُظهرن الغضب او يسعين للطموح إلى حياة مهنية بل أن يجدن سعادتهن في الاهتمام بأزواجهن وأطفالهن. شعرت النساء الناجحات مهنياً، مثل بلاث، أنهن يعشن حياة متناقضة. انهارت حياة بلاث المثالية عندما انفصلت عن هيوز وبدأت تعتني بالطفلين الصغيرين في شقة في لندن خلال فصل شتاء كان شديد البرودة. عانت بلاث من المرض والعزلة واليأس، وعملت ليلاً نهاراً لإنتاج مجموعة من القصائد المذهلة قبل أن تنتحر بتنشق الغاز في مطبخها. وقد تم جمع هذه القصائد في ديوان "أرييل" (1965) بعد سنتين من وفاتها. أشار الشاعر روبرت لويل، الذي كتب مقدمة الديوان، إلى التطور السريع لشعرها منذ الوقت الذي كانت تحضر فيه دروس الشعر لديه في عام 1958.
الأشعار الأولى لبلاث مكتوبة بمهارة وتقليدية لكن أشعارها الأخيرة تظهر براعة فنية يائسة وصرخة غضب تناصر فيها حقوق المرأة. في قصيدتها "مقدم الطلب" (1966)، تكشف بلاث عن الفراغ في الدور الحالي للزوجة (وقد حولتها إلى جماد باستعمال ضمير غير العاقل “it” للإشارة إليها).
دمية حية، حيثما تنظر.
يمكنها أن تخيط، أن تطبخ
أن تتكلم، تتكلم، تتكلم.
ألان غينزبرغ (1926-1997)
برز "شعراء جيل البِيت" في الخمسينات من القرن العشرين. وكلمة “Beat” تعني أكثر من معنى منها الإيقاع الموسيقي، كما في موسيقى الجاز، أو الغُبطة الملائكية، أو البركة. وتعني عبارة “Beat up”، متعب أو متألم. ألهمت موسيقى الجاز، والديانات الشرقية وحياة التشرد معتنقي توجه "البِيت". وقد تم تصوير حياة هؤلاء في الرواية الشهيرة "على الطريق" التي كتبها جاك كيرواك، والتي شكلت حدثاً مثيراً عندما نشرت عام 1957. الرواية كانت سرداً لأحداث رحلة بالسيارة عبر البلاد عام 1947 كتبها كيرواك خلال ثلاثة أسابيع مرهقة على لفة ورق واحدة فيما أسماه كيرواك "نثر شعبي عفوي." النمط الجامح المرتجل، والشخصيات الغامضة المطلعة على أحدث الاتجاهات، والرفض للسلطة والتقاليد ألهبت خيالات القرّاء الشباب، وساعدت في إدخال الثقافة المضادة التي لا ضابط لها في ستينات القرن العشرين. هاجر معظم معتنقي مذهب البِيت المهمين إلى سان فرانسيسكو على الساحل الشرقي لأميركا فحصلوا على أول اعتراف قومي بهم في كاليفورنيا. أصبح ساحر الجماهير ألان غينزبرغ المتحدث الرسمي الرئيسي باسم المجموعة. ولد غينزبرغ لأب شاعر وأم غريبة الأطوار ملتزمة بالشيوعية، ودرس في جامعة كولومبيا حيث أقام بسرعة صداقات مع زميليه في الجامعة جاك كيرواك (1922-1969) ووليام بروز (1914-1997)، الذي شملت رواياته العنيفة المخيفة حول العالم السفلي للمدمنين على الهيروين "الغذاء العاري" (1959). شكل هؤلاء الثلاثة نواة حركة البِيت.
شعر البِيت هو شفهي، متكرر ومؤثر بدرجة هائلة عند قراءته، ويعود الأمر بصورة كبيرة لأنه تطور من قراءات شعرية في النوادي "السرية." وقد يعتبره البعض عن حق بأنه الجد الأكبر لموسيقى الراب التي سادت في التسعينات من القرن العشرين. كان شعر البِيت الشكل الأدبي الأكثر عداءً للنظام في الولايات المتحدة ولكن تحت كلماته المريعة يكمن الحب للوطن. هذا الشعر كان صرخة ألم وغضب ضد ما كان يعتبره الشعراء فقدان أميركا لبراءتها والهدر المأساوي لمواردها البشرية والمادية.
أحدثت بعض القصائد، مثل قصيدة "عواء" (1956) لألان غينزبرغ، ثورة في الشعر التقليدي.
رأيت أفضل عقول جيلي وقد دمرت
بفعل الجنون، جائعين هستيريين عراة،
يجرّون أنفسهم عبر شوارع الزنوج عند الفجر يبحثون
عن إبرة مخدرة غاضبة،
رؤوس ملائكة هيبيين يتحرّقون للاتصال السماوي العتيق
مع الدينامو المزدان بالنجوم
في آلات الليل...
تنيسي وليامز (1911-1983)
ولد تنيسي وليامز، في ولاية مسيسيبي، وأصبح أحد الأفراد الأكثر تعقيداً في الساحة الأدبية الأميركية في منتصف القرن العشرين. تركز عمله على العواطف المشوشة داخل العائلات، ومعظمها من الجنوب. اشتهر بتكراريته التعويذية، وبتنسيق شعري للألفاظ الجنوبية، وخلفيات قوطية موحشة لأحداث رواياته، وبالاسكتشاف الفرويدي للعاطفة الإنسانية. كان أحد الكتّاب الأميركيين الذين كشفوا عن مثليته الجنسية، وشرح وليامز بان الرغبات الشديدة لشخصياته المعذبة كانت تعبر عن عزلتها. شخصيات رواياته تعيش وتعاني بشكل بالغ الحدّة.
كتب وليامز أكثر من 20 مسرحية كاملة، كان العديد منها سيرا ذاتية. وصل إلى قمة شهرته في وقت مبكر من احترافه مهنة الكتابة، في الأربعينات من القرن العشرين، بكتابه "المعرض الزجاجي للوحوش" (1944) و"حافلة تسمى الرغبة" (1949). لم يبلغ أي عمل من أعماله اللاحقة، التي كتبها خلال عقدين من الزمن، إلى مستوى النجاح والثراء لهاتين المسرحيتين.
يودورا ويلتي (1909-2001)
وُلدت يودورا ويلتي في ولاية مسيسيبي لعائلة ثرية من الشماليين المنتقلين. قاد خطى يودورا الروائيان، روبرت بن وارن وكاثرين آن بورتر. كتبت بورتر بالفعل المقدمة لأول مجموعة من القصص القصيرة التي كتبتها ويلتي، "ستارة من الأخضر" (1941). أسست ويلتي عملها الأدبي الدقيق المعاني الغامضة على نموذج أعمال بورتر، ولكن هذه المرأة الأصغر سناً كانت مهتمة أكثر بالشكل الهزلي والغرائبي المشوه في أعمالها. ومثلها مثل زميلتها الثانية الجنوبية، فلانيري أوكونور، استخدمت ويلتي في أحيان كثيرة شخصيات غير طبيعة، غريبة الأطوار، او استثنائية كمواضيع لرواياتها.
رغم العنف في أعمالها، كان ذكاء ويلتي إنسانياً وإيجابياً. تشمل مجموعات قصصها القصيرة، "الشبكة الواسعة" (1943)، "التفاحات الذهبية" (1949)، و"عروس الانيسفالين" (1955)، و"بحيرة القمر" (1980). كما كتبت ويلتي روايات مثل "عرس في الدلتا" (1946)، التي ركزت اهتمامها على عائلة تعيش في مزرعة في الأزمان الحديثة، ورواية "ابنة المتفائل" (1972).
رالف اليسون (1914-1994)
كان رالف اليسون مواطناً من الغرب الأوسط، ولد في أوكلاهوما، ودرس في معهد تاسكيغي في جنوب الولايات المتحدة. كانت له إحدى أغرب أنواع الحياة المهنية في حقل الأدب الأميركي، إذ تكونت حياته من كِتاب واحد حاز على شهرة واسعة، وليس الكثير غير ذلك.
الرواية هي "الرجل الخفي" (1952)، وهي قصة رجل أسود يعيش حياة تحت الأرض في قبو مضاء إضاءة ساطعة بكهرباء مسروقة من شركة كهرباء عامة. يسرد الكتاب تجاربه الغريبة المتحررة من الأوهام. فبعد ان حصل على منحة دراسية للدخول إلى جامعة خاصة بالسود قام البيض بتحقيره. وعندما ذهب إلى الكلية شاهد رئيس الجامعة يزدري هواجس الأميركيين السود، كما كانت الحياة خارج الجامعة فاسدة كذلك. فعلى سبيل المثال، حتى الدين لم يقدّم له أي عزاء: إذ يتبين بأن الواعظ نفسه كان مجرماً. تدين الرواية المجتمع لتخلفه عن تزويد مواطنيه، السود والبيض منهم على حدٍ سواءً، بمُثل عليا قابلة للدوام، والمؤسسات اللازمة لتحقيقها. تجسد الرواية موضوعاً عِرقياً قوياً لان "الرجل الخفي" ليس خفياً بذاته بل لأن الآخرين لا يستطيعون رؤيته كما هو بالفعل بعد أن أعماهم التحيز.
سول بيللو (1915-2005)
ولد في كندا وتربى في شيكاغو وكان من أصل يهودي روسي. درس في الجامعة علم الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع اللذين أثرا بدرجة كبيرة على كتاباته. عبّر في إحدى المرات عن دَينه العميق للروائي الواقعي الأميركي ثيودور درايزر لانفتاحه على مجموعة واسعة من التجارب وارتباطه العاطفي بها. بيللو، الذي حظي باحترام كبير، نال جائزة نوبل للآداب في العام 1976.
تشمل الروايات الأولى، والوجودية الرهيبة إلى حدٍ ما، "الرجل المعلّق" (1944) وهي دراسة وفق أسلوب كافكا لرجل ينتظر تجنيده في الجيش، وتشمل رواية "الضحية" (1947) حول العلاقات بين اليهود وغير اليهود. وقد أصبحت رؤيته أكثر هزلية في الخمسينات من القرن العشرين: استخدم سلسلة من الرواة النشيطين والمغامرين الذين يتحدثون بصيغة المتكلم في روايته "مغامرات اوجي مارش" (1953)، وهي دراسة حول مقاول من المدينة يشبه هاك فين يصبح تاجراً في السوق السوداء في أوروبا. ولاحقاً نشر رواية "هندرسون ملك المطر" (1959)، وهي رواية جدية -هزلية رائعة تتسم بالحيوية الفياضة حول مليونير متوسط العمر تقوده طموحاته غير المحققة إلى أفريقيا. تشمل الأعمال المتأخرة لبيللو: "هرتزوغ" (1964) حول الحياة المضطربة لأستاذ جامعي بريطاني عصبي متخصص في فكرة الذات الرومانسية، و"كوكب السيد ساملر" (1970)، و"هدية هامبولد" (1975)، والسيرة الذاتية "ديسمبر العميد" (1982). ورواية بيللو "التقط اليوم" (1956) هي رواية رائعة تتركز أحداثها على رجل أعمال فاشل، يدعى توني ويلهلم، الذي استهلكته الأحاسيس بعدم الكفاءة إلى درجة انه أصبح عديم الكفاءة كليا، وفشل في علاقاته مع النساء، ومع الوظائف، ومع الآلات، ومع سوق السلع حيث خسر كل ما يملكه. يُشكِّل ويلهلم مثالاً للفاشل في الأدب الشعبي اليهودي: شخص يحصل له الحظ العاثر بصورة حتمية.
جون تشيفر (1915-2005)
سمي جون تشيفر في أحيان كثيرة "روائي السلوك الإنساني" كما اشتهر أيضاً بقصصه القصيرة المعبرة الأنيقة التي تتفحص عالم الأعمال في نيويورك من خلال تأثير ذلك العالم على رجال الأعمال، وزوجاتهم، وأطفالهم، وأصدقائهم.
يكمن في ظلال قصص تشيفر انقباض نفسي ساخر ورغبة لا تنطفئ أبداً، ولكنها يائسة على ما يبدو بالحب او باليقين الميتافيزيقي. وهي مرسومة بأناقة وفق قصص تشيخوف في مجموعات من القصص القصيرة: "الحياة التي يعيشها البعض" (1943)، "لص المنازل في شايدي هيل " (1958)، "بعض الناس، الأماكن، والأشياء التي لن تظهر في روايتي التالية" (1961)، "الجنرال وأرملة الغولف" (1964)، و"عالم التفاح" (1973). تكشف عناوين قصصه عن عدم اكتراثه المميز، ودعابته، واستخفافه بالمقدسات وتلمح إلى موضوع القصة.
نشر تشيفر أيضاً عدة روايات، منها "فضيحة وابشوت" (1964) و"حديقة الرصاص" (1969)، و"البازدار" (1977)، وهذه الأخيرة كانت سيرة ذاتية بجزء كبير منها.
]كاثرين فان سبانكرين، أستاذة الإنجليزية في جامعة تامبا، ألقت محاضرات حول الأدب الأميركي في الخارج، وهي مديرة سابقة للمعهد الصيفي حول الأدب الأميركي للعلماء الدوليين الذي ترعاه مؤسسة فولبرايت. تتضمن منشوراتها الشعر والبحث العلمي. نالت شهادة البكالوريوس من جامعة كاليفورنيا، بيركلي، وشهادة الدكتوراه من جامعة هارفرد[.