11 حزيران/يونيو 2009
أعمال الكتّاب والفنانين تتميز بتأثرها بالحداثة

بقلم كاثرين فانسبانكرين
وصف العديد من المؤرخين الفترة الواقعة بين الحربين العالميتين بأنها كانت فترة صدمة بلوغ الولايات المتحدة "سن الرشد"، رغم أن المشاركة المباشرة للولايات المتحدة في الحرب دامت مدة قصيرة نسبياً (1917-1918) وأن عدد الإصابات بين الأميركيين كان أقل بكثير من جيوش الحلفاء وأعدائهم. عاد الجنود الأميركيون إلى الوطن مصدومين ومتغيرين بدرجة دائمة، ولم يتمكنوا أبداً من استعادة براءتهم. كما لم يتمكن الجنود من الريف الأميركي العودة بسهولة إلى جذورهم. فقد اشتاق الآن الكثيرون منهم إلى عيش حياة مدينية عصرية بعد أن اختبروا العالم.
ازدهرت الأعمال خلال حقبة "الازدهار الاقتصادي" الكبير التي تلت الحرب، وحقق الناجحون ثروات تتجاوز أكثر أحلامهم طموحاً. وللمرة الأولى، التحقت أعداد كبيرة من الأميركيين بصفوف الدراسات العليا وتضاعف عدد الطلاب المسجلين في الجامعات خلال العشرينات من القرن الماضي. ازدهرت الطبقة المتوسطة وبدأ الأميركيون يتمتعون بأعلى معدل دخل قومي في العالم خلال تلك الحقبة التاريخية.
أحب الأميركيون الذين عاشوا في "العشرينات الهادرة" وسائل التسلية والترفيه العصرية. وأصبح معظم الناس يرتادون دور السينما مرة في الأسبوع. ورغم أن عصر التحريم، أي منع بيع المشروبات الكحولية في سائر أنحاء البلاد من خلال اعتماد التعديل الثاني عشر للدستور الأميركي، كان قد بدأ في عام 1919، فقد انتشرت الحانات والنوادي الليلية غير المشروعة التي تقدم فيها موسيقى الجاز، والكوكتيلات الكحولية، والأنماط الجريئة من الملابس والرقص. أصبح الرقص، وارتياد دور السينما، والرحلات في السيارات، والاستماع إلى الراديو هوساً قومياً. وشعرت النساء الأميركيات على الأخص بالتحرر. فقصصن شعورهن وارتدين ملابس قصيرة وابتهجن بحقهن في التصويت الذي ضمنه لهن التعديل التاسع عشر من الدستور، والذي تمت المصادقة عليه في عام 1920، وعبّرن عن أفكارهن بشجاعة وشغلن أدواراً عامة في المجتمع.
رغم هذا الازدهار، كان الشبان الغربيون الذين كانوا يقفون عند "الحافة" الثقافية في حالة من الثورة الفكرية، والغضب وخيبة الأمل من الحرب الوحشية كما من الجيل القديم الذي اعتبروه مسؤولاً عنها. وما يدعو إلى السخرية أن الظروف الاقتصادية الصعبة التي سادت أوروبا بعد الحرب قد سمحت للأميركيين الحاملين الدولارات، كالكتّاب إف. سكوت فيتزجرالد، وإرنست همنغواي، وغيرترود شتاين، وعزرا باوند بالعيش في الخارج بصورة لائقة على كمية ضئيلة من المال، لتخفيف خيبة الأمل التي تلت الحرب والاطلاع على التيارات الفكرية الأوروبية الأخرى، وبالأخص علم النفس الفرويدي والأفكار الماركسية إلى حد أقل.
تستحضر روايات كثيرة، وبصورة لافتة روايتا "الشمس تشرق أيضاً" لهمنغواي (1926) و"هذا الجانب من الجنة" لفيتزجرالد (1920)، الإسراف وخيبة الأمل لما وصفتهم الكاتبة غيرترود شتاين التي عاشت في الخارج "بالجيل الضائع." في القصيدة الطويلة الكبيرة الأثر للشاعر تي إس إليوت "الأرض اليباب" (1922) كان يرمز إلى الحضارة الغربية كصحراء جرداء بحاجة ماسة إلى المطر (التجديد الروحي(.
الحداثة
الموجة الثقافية العارمة للحداثة، التي برزت في أوروبا ثم انتقلت بعد ذلك إلى الولايات المتحدة في السنوات الأولى من القرن العشرين، عبرت عن إحساس بالحياة العصرية من خلال الفن بمثابة انفصال حاد عن الماضي. ومع التغيير الذي أحدثته الآلات الحديثة على وتيرة وأجواء ومظهر الحياة اليومية في أوائل القرن العشرين، قام العديد من الفنانين والكتّاب، وبدرجات متفاوتة من النجاح، بإعادة اختراع الأشكال الفنية التقليدية كما حاولوا خلق أشكال جديدة جذرياً، بحيث تعكس الصدى الجمالي لِما بات الناس يسمونه "عصر الآلة."
تي إس إليوت (1888-1965(
تلقى توماس ستيرنز إليوت أفضل تعليم تلقاه أي كاتب أميركي رئيسي من جيله في جامعة هارفرد، وجامعة السوربون، وجامعة أكسفورد. درس اللغة السنسكريتية والفلسفة الشرقية اللتين أثرتا على شعره. وكما فعل صديقه الشاعر عزرا باوند، ذهب إلى إنجلترا في سن مبكرة وأصبح شخصية شامخة في العالم الأدبي هناك. كان أحد أكثر الشعراء احتراماً في زمانه، وكان لشعره الحداثي الثائر على المعتقدات الموروثة، غير المنطقي ظاهرياً، أو التجريدي، تأثير ثوري.
في قصيدته "أغنية حب جاي الفريد بروفروك" (1915) يفكر الكهل الفاشل بروفروك بنفسه على انه "قاس حياته بملاعق قهوة"، حيث أن صورة ملاعق القهوة تعكس وجوده الممل الرتيب وحياته التي ضاعت سدى. المَطلع الشهير لقصيدة "بروفروك" التي كتبها إليوت، يدعو القارئ للدخول إلى أزقة مدينية مبهرجة لا تقدم، مثلها مثل الحياة العصرية، أية أجوبة عن أسئلة الحياة.
لهذا دعنا نذهب أنا وأنت
عندما ينتشر المساء تجاه السماء
كمريض مُخدّر على طاولة …
تنتشر صور مماثلة في قصيدة "الأرض اليباب" (1922) التي تعكس صدى قصيدة "الجحيم" لدانتي، إذ تستحضر شوارع لندن المكتظة حوالي فترة اندلاع الحرب العالمية الأولى:
تحت الضباب البُني لفجر شتاء،
تَدفّق جمع غفير عبر جسر لندن، منهم الكثير
لم أفكر ان الموت قضى على هذا العدد الكبير...
روبرت فروست (1874-1963(
ولد روبرت لي فروست في كاليفورنيا ولكنه ترعرع في مزرعة في الشمال الشرقي حتى سن العاشرة. ومثله مثل إليوت وباوند، سافر فروست إلى إنجلترا تجذبه الحركات الجديدة في عالم الشعر هناك. كتب عن الحياة التقليدية في مزرعة في نيو إنغلاند (تُشكِّل جزءاً من شمال شرق الولايات المتحدة)، يُناشد فيها الحنين إلى طرق الحياة القديمة. مواضيع قصائده عالمية، مثل "قطاف التفاح"، "الجدران الحجرية"، "السياجات"، و"الطرق الريفية." ومع أن مقاربته كانت جلية ويسهل الوصول إليها، فان أعماله كثيراً ما كانت تبدو بسيطة في ظاهرها. لكن الكثير من قصائده كان يوحي بمعانٍ أكثر عمقاً. فعلى سبيل المثال، قد توحي أمسية ثلجية هادئة مؤلفة من أبيات من السجع، الذي يدخلنا في حال من التنويم المغناطيسي تقريباً، باقتراب الموت غير المرحب به أبداً. نقتطف ما يلي من قصيدة "التوقف قرب الغابات في أمسية ثلجية".

لمن هذه الغابات، أعتقد اني أعرف
منزله قائم في القرية، ومع ذلك،
لن يراني وأنا أتوقف هنا
لمشاهدة غاباته وهي تمتلئ بالثلج
مع أن النثر الأميركي الذي ظهر بين فترة الحربين قام بالتجارب حول مختلف وجهات النظر والشكل، فإن الأميركيين كتبوا إجمالاً بصورة أكثر واقعية من الأوروبيين. أصبحت أهمية مواجهة الواقع موضوعاً مسيطراً في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين: فقد صور تكراراً ومراراً كتّاب مثل إف سكوت فيتزجرالد والكاتب المسرحي يوجين أونيل المآسي التي تنتظر الذين يعيشون في أحلام واهية.
إف سكوت فيتزجرالد (1896-1940(
حياة فرانسيس سكوت فيتزجرالد تشبه حكايات الساحرات. خلال الحرب العالمية الأولى تطوع إف فيتزجرالد في الجيش الأميركي ووقع في غرام فتاة جميلة وثرية تدعى زلدا ساير، التي كانت تعيش بالقرب من مونتغمري، بولاية الاباما حيث كان يقع مركز فرقته. بعد تسريحه من الجيش في نهاية الحرب سافر إلى نيويورك سعياً وراء النجاح الأدبي والزواج منها.
أصبحت أول رواية له، "هذا الجانب من الجنة" (1920)، من الكتب الأكثر رواجاً، وفي سن الرابعة والعشرين تزوجا. لم يتمكن أي واحد منهما تحمل ضغوط النجاح والشهرة وبددا أموالهما. انتقلا إلى فرنسا للاقتصاد في النفقات عام 1924، ثم عادا بعد سبع سنوات إلى الولايات المتحدة. أصبحت زلدا غير مستقرة عقلياً مما تطلب إدخالها إلى المستشفى للمعالجة وأصبح فيتزجرالد نفسه مدمناً على الكحول وتوفي شاباً حين كان كاتب سيناريوهات أفلام.
المركز المضمون لفيتزجرالد في الأدب الأميركي يعود بصورة أولية إلى روايته "غاتسبي العظيم" (1925)، وهي قصة مكتوبة ببراعة وتتحدث عن عالم الاقتصاد، إذ تدور أحداثها حول الحلم الأميركي لرجل صنع نفسه بنفسه. بطل الرواية، جاي غاتسبي الغامض، يكتشف الكلفة المدمرة للنجاح المتعلقة بمسائل الإنجازات الشخصية والحب. التقط فيتزجرالد صور الحياة البراقة والبائسة في العشرينات من القرن الماضي أفضل مما فعله أي كاتب آخر.
إرنست همنغواي (1899-1961(
عاش قليل من الكتّاب الحياة الغنية المتنوعة التي عاشها إرنست همنغواي، الذي كان من الممكن ان تكون حياته المهنية مماثلة لإحدى روايات المغامرات التي ألّفها. جاء همنغواي من الغرب الأوسط الأميركي، مثله مثل فيتزجرالد، ودرايسر، والعديد من الروائيين البارعين الآخرين الذين عاشوا في القرن العشرين. تطوع للعمل في وحدة إسعاف في فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى ولكنه جرح وأدخل إلى المستشفى وبقي فيها مدة ستة اشهر قيد المعالجة. بعد انتهاء الحرب وبصفته مراسلا حربيا يعمل من باريس تقابل مع كتّاب أميركيين مهاجرين أمثال شروود أندرسون، وعزرا باوند، وإف سكوت فيتزجرالد وغيرترود شتاين. أثرت شتاين بشكل خاص على أسلوبه المقتضب في الكتابة.
بعد أن أصبح مشهوراً بفعل روايته "الشمس تشرق أيضاً" (1926)، استمر همنغواي يعمل كصحافي يغطي أخبار أحداث الحرب الأهلية الإسبانية، وأخبار الحرب العالمية الثانية، والقتال الذي كان دائراً في الصين في الأربعينات من القرن الماضي. أصيب بجروح خلال رحلة صيد في أفريقيا عندما تحطمت طائرته الصغيرة، ولكنه مع ذلك استمر في التمتع بصيد الحيوانات وصيد الأسماك وهي نشاطات ألهمته بعض أفضل أعماله. حاز على جائزة بوليتزر عام 1953 لروايته "الشيخ والبحر" (1952)، وهي رواية شعرية قصيرة تحكي قصة صياد سمك كهل فقير التهم القرش السمكة الضخمة التي اصطادها. وفي السنة التالية، حصل على جائزة نوبل للأدب. بعد أن ثبطت همته خلفيته العائلية المشوشة، والمرض، والاعتقاد بأنه بدأ يفقد موهبته في الكتابة، انتحر همنغواي بإطلاق النار على نفسه عام 1961. من الممكن القول إن همنغواي يُعتبر أكثر الروائيين الأميركيين شعبية. كان تعاطفه سياسياً وإنسانياً بصورة أساسية ، وبهذا المعنى كان يعتبر عالمياً.
أصبح همنغواي، مثله مثل فيتزجرالد، ناطقاً باسم حياة جيله. ولكن بدلاً من أن يرسم فتنته القاتلة كما فعل فيتزجرالد، والذي لم يشترك أبداً في الحرب العالمية الأولى، كتب همنغواي عن الحرب، والموت، و"الجيل الضائع" من الناجين من الحرب الساخرين. أشخاص رواياته ليسوا حالمين بل هم مصارعو ثيران أشداء، وجنود، وأبطال رياضيون. وإذا كانوا من المفكرين، فإنهم كانوا مصابين بخيبة أمل وندوب نفسية عميقة. كانت سمته المميزة أسلوبه النظيف الخالي من الكلمات غير الضرورية. وكثيراً ما كان يستعمل الكلام المقتضب: في الرواية "وداعاً أيها السلاح" (1929) تموت بطلة الرواية خلال الولادة قائلة: "لست خائفة على الإطلاق. إنها مجرد حيلة قذرة." قارن همنغواي مرة أعماله بجبال من الجليد: "هناك سبعة أثمان منها تحت الماء لكل جزء ظاهر."
وليام فوكنر (1897-1962(
ولد وليام هاريسون فوكنر لعائلة جنوبية عريقة وترعرع في مدينة أكسفورد، بولاية مسيسيبي حيث عاش معظم سنوات حياته. يعيد فوكنر سرد تاريخ الأرض والأجناس المختلفة التي عاشت عليها. كاتب مبدع، جرب بدرجة رائعة طريقة سرد الأحداث وفق تسلسلها الزمني، وإعطاء وجهات نظر وأصوات مختلفة (بضمنها أصوات المنبوذين، والأطفال، والأميين) ونمط زخرفي باروكي متطلب مبني على جمل طويلة للغاية.
تشمل أفضل روايات فوكنر، "الصوت والغضب" (1929) و"عندما كنت ملقى أحتضر" (1930)، وهما روايتان عصريتان تجريبيتان تحملان وجهات نظر وأصواتا موجهة نحو سبر أغوار العائلات الجنوبية عندما ترزح تحت ضغط فقدان أحد أفراد العائلة. وتتحدث رواية "الضوء في آب" (1932) عن العلاقات المعقدة والعنيفة بين امرأة بيضاء ورجل أسود. أما "ابسالوم، ابسالوم!" (1936)، التي ربما كانت أفضل ما كتبه فإنها تتحدث عن صعود صاحب مزرعة كبير كوّن نفسه بنفسه وسقوطه المأساوي.
المسرحيات الأميركية في القرن العشرين
كانت المسرحيات الأميركية تقلّد المسرح الإنجليزي والأوروبي حتى تاريخ متقدم من القرن العشرين. ولم يحدث أن حاولت أية مسرحيات أميركية ذات شأن الابتكار الجمالي إلاّ بعد الدخول في القرن العشرين.
يوجين أونيل (1888-1953(
يمثل يوجين أونيل الشخصية العظيمة في المسرح الأميركي. تدمج مسرحياته العديدة أصالة فنية هائلة مع عذوبة في الرؤية وعمق عاطفي. اهتمت المسرحيات الأولى لأونيل بالطبقة العاملة والفقراء. وتستكشف أعماله اللاحقة عوالم غير موضوعية وتؤكد مطالعته لمؤلفات فرويد ومحاولته الغاضبة للتوصل إلى تقبّل وفاة والدته ووالده وشقيقه.
مسرحيته "رغبة تحت أشجار الدردار" (1924) تعيد خلق العواطف المخفية داخل عائلة واحدة. تشمل مسرحياته اللاحقة رائعته المعترف بها، "جاء رجل الجليد" (1946)، وهي مسرحية قاسية حول موضوع الموت. وكتاب "رحلة اليوم الطويل إلى الليل" (1956)، وهو سيرة ذاتية قوية وموسعة في شكل مسرحي يركز فيها على عائلته وتدهورها المادي والنفسي كما شاهده في مسار ليلة واحدة.
]كاثرين فانسبانكرين، أستاذة الإنجليزية في جامعة تامبا، ألقت محاضرات حول الأدب الأميركي في الخارج، وهي مديرة سابقة للمعهد الصيفي حول الأدب الأميركي للعلماء الدوليين الذي ترعاه مؤسسة فولبرايت. تتضمن منشوراتها الشعر والبحث العلمي. نالت شهادة البكالوريوس من جامعة كاليفورنيا، بيركلي، وشهادة الدكتوراه من جامعة هارفرد[.