11 حزيران/يونيو 2009
شخصيات بطولية أكبر من الحياة سيطرت على الروايات

بقلم كاثرين فانسبانكرين
يمثل والت ويتمان، وهرمان ملفيل، وإميلي ديكنسون، كما يمثل معاصراهم ناثانيال هوثورن وإدغار ألان بو، أول جيل أدبي كبير ظهر في الولايات المتحدة. وبالنسبة لمؤلفي الروايات، اتجهت الرؤية الرومانسية للتعبير عن ذاتها بشكل ما دعاه هوثورن "بالرومانس"، وهو شكل رمزي وعاطفي للرواية بارز بقوة. وحسب ما حدده هوثورن، لم تكن الروايات الرومانسية قصص حب، بل روايات جدّية استخدمت أساليب فنية خاصة لنقل المعاني المعقدة والمرهفة.
وبدلاً من التعريف الدقيق لشخصيات واقعية من خلال تقديم ثروة من التفاصيل، كما فعل معظم الروائيين الإنجليز أو الأوروبيين، ابتكر هوثورن وملفيل وبو شخصيات بطولية أكبر من الحياة متوهجة بأهمية أسطورية. الأبطال النموذجيون للروايات الرومانسية الأميركية هم أفراد دون انتماء تسكنهم الأرواح. آرثر ديمسديل أو هستر برين، بطلا رواية "الرسالة القرمزية" لهوثورن، وأهاب في رواية "موبي ديك" لملفيل، والشخصيات العديدة اللامنتمية التي يستحوذ عليها هاجس واحد في روايات ألان بو، هم أبطال وحيدون يكافحون ضد المصائر المظلمة غير المعروفة التي تنمو بطريقة غامضة بشكل ما من أعمق ذاتهم اللاواعي. تكشف الحبكات الرمزية للروايات الأعمال المخبأة للروح الغاضبة. وأحد أسباب هذا الاستكشاف الخيالي في خبايا الروح كان غياب المجتمع المستقر في ذلك الوقت. الروائيون الإنجليز، مثل جين أوستن، وتشارلز ديكنز (المفضَّل الأكبر)، وأنتوني ترولوب، وجورج إليوت، ووليام ثاكيراي، عاشوا في مجتمع تقليدي مُعقّد مترابط جيداً وأطلعوا قراءهم على مواقف شكلت قصصهم الواقعية.
واجه الروائيون الأميركيون تاريخاً يتخلله النزاع والثورة، وجغرافيا البراري الشاسعة، ومجتمعاً ديمقراطياً غير محدد المعالم ودون طبقات نسبياً. لكن العديد من الروائيين الإنجليز صوروا شخصية رئيسية فقيرة تصعد السلم الاقتصادي والاجتماعي، ربما بسبب الزواج الجيّد أو اكتشاف ماضٍ أرستقراطي غير معروف. ولكن هذه الحبكة لا تتحدى الهيكلية الاجتماعية الأرستقراطية لإنجلترا، بل على العكس فإنها تُثبّتها. فصعود الشخصية الرئيسية في الرواية كان يُلبي رغبات العديدين من القرّاء الذين ينتمون إلى الطبقة المتوسطة في تلك الأيام في إنجلترا.
بالمقابل، كان على الروائي الأميركي الاعتماد على وسائله الخاصة. كانت أميركا في جزء منها أرضاً غير محددة تتحرك حدودها باستمرار ويقطنها مهاجرون يتحدثون بلغات مختلفة ويتبعون طرقاً حياتية خشنة وغريبة. وهكذا، فإن الشخصية الرئيسية في رواية أميركية قد تجد نفسها وحيدة بين قبائل من "آكلي لحوم البشر"، كما في رواية "تيبي" من تأليف ملفيل، أو تستكشف برية كما في رواية جيمس فنيمور كوبر، "الجورب الجلدي"، أو تشهد رؤى متوحدة تخرج من القبر، مثل الأفراد المنعزلين عن الناس في روايات إدغار ألان بو، أو تلتقي بالشيطان السائر في الغابة مثل الشاب غودمان براون في رواية هوثورن. جميع كبار الشخصيات الأميركية تقريباً كانوا أناسا "فرديين." أمام هذا الواقع، كان على الفرد الأميركي الديمقراطي أن يبتكر نفسه. وهكذا، كان على الروائي الأميركي الجدي ان يبتكر أشكالاً جديدة كذلك: وبالتالي نجد الشكل المتوسع جداً والفريد في نوعه في رواية "موبي ديك" لملفيل، وفي "قصة أرثر غوردون بيم"، الذي يجوب البحار في عالم يشبه الأحلام لألان بو.
هرمان ملفيل (1819-1890(
تحدر هرمان ملفيل من عائلة قديمة ثرية أصبحت فجأة فقيرة بعد وفاة الوالد. ورغم تربيته، وتقاليد عائلته وعمله الشاق، وجد ملفيل نفسه بدون تعليم جامعي. في التاسعة عشرة من عمره انخرط في العمل كبحار. وكان اهتمامه بحياة البحار، قد نما بصورة طبيعية من تجاربه الخاصة، واستمد مواضيع رواياته الأولى من أحداث رحلاته. استند أول كتاب له، "تيبي"، إلى الوقت الذي أمضاه بين أفراد قبيلة تيبي في جزر المركيز في جنوب المحيط الهادئ.
ورواية "موبي ديك"، أو "الحوت" الرائعة لملفيل تحكي القصة الملحمية لسفينة صيد الحيتان بيكود، وربانها أهاب الذي دفعه هوسه للعثور على الحوت الأبيض موبي ديك إلى قيادة السفينة ورجاله نحو الهلاك. هذا العمل الذي يبدو كرواية مغامرات واقعية يتضمن سلسلة من التأملات حول الحالة الإنسانية.
فصيد الحيتان، عبر كامل الرواية، ما هو إلا استعارة كبرى لمسألة السعي وراء المعرفة. مع أن سعي أهاب كان فلسفياً، لكنه كان أيضاً مأساوياً. ورغم بطولته، فقد كان أهاب محكوماً عليه بالموت وربما باللعنة في نهاية الرواية. فالطبيعة، مهما بلغ جمالها، تبقى غريبة مع احتمال أن تكون فتاكة. يتحدى ملفين في موبي ديك الفكرة المتفائلة التي تقول بأن الإنسان يستطيع أن يفهم الطبيعة. فالحوت الأبيض العظيم، موبي ديك، مخلوق كوني غامض يسيطر على الرواية كما يستحوذ على عقل أهاب. لا تستطيع الحقائق حول الحيتان وصيد الحيتان تفسير موبي ديك، بل على العكس من ذلك، فإنها تميل للذوبان في الرموز. نجد خلف مراكمة ملفيل للحقائق رؤيا غامضة، ولكن لا يقوم ملفيل بشرح ما إذا كانت هذه الرؤيا شريرة أو طيبة، إنسانية أو لا إنسانية.
يصر أهاب على تصوير عالم بطولي أبدي من القضايا المطلقة. وبصورة غير حكيمة، يطلب الحصول على "النص" الكامل، أي الجواب. ولكن الرواية تظهر انه كما لا توجد نصوص نهائية، لا توجد أيضاً أجوبة نهائية، باستثناء، ربما، الموت. يتردد صدى مرجعيات أدبية معينة عبر الرواية. فأهاب، اسم ملك ورد ذكره في التوراة، يرغب بالحصول على معرفة فاوستية (نسبة إلى فاوست في شعر غوتة) كاملة شبيهة بمعرفة الله. ومثله مثل أوديب في مسرحية سوفوكليس الذي يدفع مأساوياً ثمن المعرفة الخاطئة، يصاب أهاب بالعمى قبل أن يُقتل في النهاية.
سُمّيت سفينة أهاب، بيكود، على اسم قبيلة هندية منقرضة عاشت في منطقة نيو إنغلاند. وهكذا، يوحي هذا الاسم بان السفينة ينتظرها الدمار. كان صيد الحيتان صناعة رئيسية بالفعل ولا سيما في نيو إنغلاند. كانت هذه الصناعة تزود زيوت الحيتان لاستعمالها كمصدر للطاقة، وخاصة لإضاءة المصابيح. وهكذا يقوم الحوت حرفياً "بإلقاء الضوء" على الكون. ويطلق الكتاب صدىً تاريخياً. فقد كان صيد الحيتان توسعياً بحد ذاته، وارتبط بالفكرة التاريخية "للقدر المحتوم" للأميركيين، لانه تطلب من الأميركيين الإبحار حول العالم بحثاً عن الحيتان (وفي الواقع، فإن ولاية هاواي وقعت تحت السيطرة الأميركية لأنها كانت تُستخدم كقاعدة رئيسية لتزويد الوقود لسفن صيد الحيتان الأميركية). يمثل طاقم سفينة بيكود كافة الأعراق ومختلف الأديان، مما يوحي بفكرة أميركا كحالة عقلية شاملة وكبوتقة انصهار. وأخيراً، يجسد أهاب النموذج المأساوي للفردية الأميركية الديمقراطية. فهو يؤكد كرامته كفرد ويتجرأ على مواجهة القوى الخارجية للكون التي لا ترحم.
]كاثرين فا?سبانكرين، أستاذة الإنجليزية في جامعة تامبا، ألقت محاضرات حول الأدب الأميركي في الخارج، وهي مديرة سابقة للمعهد الصيفي حول الأدب الأميركي للعلماء الدوليين الذي ترعاه مؤسسة فولبرايت. تتضمن منشوراتها الشعر والبحث العلمي. نالت شهادة البكالوريوس من جامعة كاليفورنيا، بيركلي، وشهادة الدكتوراه من جامعة هارفرد[.