الفنون| إعادة تشكيل الأفكار، التعبير عن الهوية

11 حزيران/يونيو 2009

صعود الواقعية

روائيان عظيمان: مارك توين وهنري جيمس

 
مارك توين (صورة قدمها تيد ميكسنسكي جونيور)
مارك توين (صورة قدمها تيد ميكسنسكي جونيور)

بقلم كاثرين فانسبانكيرن

شكلت الحرب الأهلية الأميركية (1861-1865)، التي نشبت بين الشمال الصناعي والجنوب الزراعي الذي كان يمتلك الأرقاء، حداً فاصلاً في التاريخ الأميركي. قبل الحرب، كان المثاليون يناصرون حقوق الإنسان ولا سيما إلغاء العبودية. لكن بعد الحرب أصبح الأميركيون يجلون بصورة متزايدة التقدم وفكرة "الرجل الذي يصنع نفسه بنفسه." كانت هذه حقبة المليونير صاحب المصنع والمضارب في الأسواق المالية، وحقبة تطبيق نظرية داروين في التطور البيولوجي و"بقاء الأصلح" على المجتمع، وبدا أن هذا التطبيق سمح للقطب المالي الناجح بممارسة أساليب عمل لا أخلاقية أحياناً.

ازدهرت الأعمال بعد انتهاء الحرب. أتاح كل من نظام سكة الحديد الجديد بين مختلف الولايات الذي جرى افتتاحه عام 1869، ونظام الاتصالات البرقية عبر القارات، الذي بدأ يعمل في عام 1861، للصناعة إمكانية الوصول إلى المواد، والأسواق ووسائل الاتصالات. أمّنت الموجات المتواصلة للمهاجرين الإمدادات من اليد العاملة الرخيصة والتي بدت وكأنها دون نهاية. تدفق إلى الولايات المتحدة بين عام 1860 وعام 1910 أكثر من 23 مليون أجنبي، ومنهم الألمان والاسكندنافيون والإيرلنديون في السنوات الأولى، ولاحقاً جاءت أعداد متزايدة من سكان أوروبا الوسطى والجنوبية. وفي عام 1860 كان معظم الاميركيين يعيشون في مزارع أو في قرى صغيرة، ولكن بحلول عام 1919 تركز نصف عدد السكان تقريباً في حوالي 12 مدينة.

وقد برزت مشاكل ترتبط بالتوسع المديني والصناعة: مساكن فقيرة مكتظة، ظروف غير صحية، أجور متدنية (سميت "بأجور الرقيق")، ظروف عمل صعبة، وغياب القيود الكافية على الأعمال. نمت نقابات العمال، وأثارت الإضرابات المحن التي يعاني منها الشعب العامل وأبرزتها على الصعيد القومي. ووجد المزارعون أنفسهم أيضاً يكافحون ضد "المصالح المالية" لشرق البلاد. فمن عام 1860 إلى عام 1914، تحولت الولايات المتحدة من مستعمرة زراعية صغيرة سابقة إلى دولة صناعية عصرية هائلة. كانت الولايات المتحدة دولة مثقلة بالديون في عام 1860 ولكنها بحلول عام 1914 أصبحت أغنى دولة في العالم. وبحلول الحرب العالمية الأولى تحولت إلى قوة عالمية رئيسية.

ومع نمو الصناعة، نما أيضاً الشعور بعدم الانتماء. رد أعظم روائيين في تلك الفترة، وهما مارك توين وهنري جيمس، بصورة مختلفة على هذا الأمر. تطلع توين نحو الجنوب والغرب إلى قلب أميركا الريفية والحدودية لاستقاء أسطورته المحددة، وتطلع جيمس إلى أوروبا لتقييم طبيعة الاميركيين العالميين الجدد.

صامويل كليمنس (مارك توين) (1835-1910)

هنري جيمس (مكتبة الكونغرس)
هنري جيمس (مكتبة الكونغرس)

ترعرع صامويل كليمنس، المعروف بصورة شائعة باسمه الأدبي مارك توين، في بلدة هانيبال الحدودية، في ولاية ميزوري، الواقعة على نهر المسيسيبي. قال إرنست همنغواي ان كل الأدب الأميركي جاء من كتاب عظيم واحد هو "مغامرات هاكلبري فين" لمارك توين. كان الكتّاب الأميركيون الذين عاشوا في أوائل القرن التاسع عشر يميلون إلى التنميق المفرط، ويكتبون بوجدانية وزخرفة. يعود ذلك جزئياً لأنهم كانوا لا يزالون يحاولون الإثبات ان بمقدورهم الكتابة بأسلوب أنيق مثل الكتّاب الإنجليز. أما أسلوب توين فقد استند إلى اللغة الأميركية المحكية القوية والواقعية فأعطى للكتّاب الاميركيين تقديراً جديدا لصوتهم القومي. كان توين المؤلف الرئيسي الأول القادم من وسط البلاد وتمكن من التقاط اللغة المحكية المميزة والظريفة والمحطمة للتقاليد.

بالنسبة لتوين ولكتّاب آخرين أميركيين عاشوا في أواخر القرن التاسع عشر، لم تكن الواقعية أسلوباً فنياً أدبياً فقط بل كانت طريقة لقول الحقيقة والقضاء على التقاليد البالية. لذلك كانت هذه الواقعية وسيلة للتحرر العميق، وربما الذي كان على تناقض مع المجتمع. كان أشهر نموذج للواقعية قصة حياة هاك فين، الولد الفقير الذي قرر ان يتبع صوت ضميره ويساعد أحد الأرقاء الزنوج على الهرب إلى الحرية، مع ان هاك فين الذي كان يعرف ان ذلك يعني انه سوف يلعن إلى الأبد لكونه انتهك القانون.

تبدأ أحداث رائعة توين التي نشرت عام 1884 في قرية سان بيترزبيرغ على ضفاف نهر المسيسيبي. كان هاك فين ابن رجل مدمن على الخمر، وكانت عائلة محترمة قد تبنته للتو عندما هدده والده بالقتل وهو في حالة سكر شديد. هرب هاك فين خشية على حياته وتظاهر بأنه مات. انضم إليه في هربه منبوذ آخر، الرِق جيم الذي كانت مالكته الآنسة واطسون تفكر ببيعه في منطقة تقع اسفل النهر إلى نظام استعباد أكثر قساوة يقع في عمق الجنوب. ركب هاك فين وجيم رمثاً وطافا في نهر المسيسيبي المهيب، ولكن سفينة تجارية أغرقت رمثهما فانفصلا ثم عادا واجتمعا من جديد. مرّ الاثنان بالعديد من المغامرات المضحكة والخطرة على الشاطئ التي تظهر التنوع والكرم وأحياناً اللامنطقية القاسية للمجتمع. وفي نهاية الأمر، نكتشف ان الآنسة واطسون قد حررت جيم من العبودية، وان العائلة المحترمة تعتني بالولد الجامح هاك فين. ولكن ما لبث هاك فين أن ضاق ذرعا بالمجتمع المتمدن وخطط للهرب إلى "الأراضي الجديدة"، أراضي الهنود الحمر.

تعطي النهاية إلى القارئ نظرة أخرى عن أسطورة "الطهارة" الأميركية الكلاسيكية: الطريق المفتوحة المؤدية إلى البرية البدائية، بعيداً عن تأثيرات "المدنية" التي تفسد الأخلاق. تُشكِّل روايات فنيمور كوبر، وأناشيد والت ويتمان إلى الطريق المفتوحة، ورواية وليام فوكنر "الدب"، ورواية "على الطريق" لماك كيرواك أمثلة أدبية أخرى.

هنري جيمس (1843-1916)

كتب هنري جيمس في إحدى المرات ان الفن ولا سيما الفن الأدبي "يصنع الحياة، يصنع الاهتمام، ويصنع الأهمية". روايات جيمس هي من اكثر الروايات صعوبة وتكلفاً ووعياً (لذاتها) التي ظهرت في عصره. اشتهر جيمس "بموضوعه الدولي"، أي بالعلاقات المعقدة القائمة بين الأميركيين السذج والأوروبيين العالميين.

كانت أعماله التي أطلق عليها كاتب سيرته الذاتية ليون اديل، مرحلة جيمس الأولى، أو المرحلة "الدولية" تشمل روايات مثل "الأميركي" (1877)، و"ديزي ميلر" (1879) ورائعته "صورة سيدة" (1881). وفي رواية "الأميركي"، على سبيل المثال، يسافر كريستوفر نيومان، الصناعي المليونير الساذج، ولكن الذكي والمثالي إلى أوروبا بحثاً عن زوجة وعندما ترفضه عائلتها لأنه لا ينتمي إلى عائلة أرستقراطية، تتوفر له فرصة للانتقام لنفسه. ولكنه بقراره عدم القيام بذلك يظهر تفوقه الأخلاقي.

كانت المرحلة الثانية لجيمس تجريبية. استكشف مواضيع جديدة لرواياته، مثل المساواة بين الرجل والمرأة والإصلاح الاجتماعي في روايته "أهل بوسطن" (1886) والمؤامرة السياسية في روايته "الأميرة كاسماسيما" (1885). وفي مرحلته الثالثة، او "الرئيسية"، عاد جيمس إلى التطرق إلى مواضيع دولية، ولكنه عالجها بإقناع عقلي وعمق نفسي أكبر. تنتمي رواياته المعق¤ة والأسطورية تقريباً مثل "أجنحة الحمامة" (1902)، و"السفراء" (1903) (التي اعتبرها جيمس أفضل مؤلفاته) و"الوعاء الذهبي" (1904) إلى هذه المرحلة الرئيسية. فإذا كان الموضوع الرئيسي في أعمال توين هو المفارقة الهزلية بين الادعاء والواقع، فان الاهتمام الثابت لجيمس كان دائما هو الانطباع أو الإدراك الحسي. ففي روايات جيمس يولد الإدراك الذاتي والوعي الحسي الواضح للآخرين الحكمة والحب المؤدي إلى التضحية بالذات.

(كاثرين فان سبانكرين، أستاذة اللغة الإنجليزية في جامعة تامبا بولاية فلوريدا، ألقت محاضرات حول الأدب الأميركي في الخارج، وهي مديرة سابقة للمعهد الصيفي حول الأدب الأميركي للعلماء الدوليين الذي ترعاه مؤسسة فولبرايت. تتضمن منشوراتها الشعر والبحث العلمي. نالت شهادة البكالوريوس من جامعة كاليفورنيا، بيركلي، وشهادة الدكتوراه من جامعة هارفرد).

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي