الفنون| إعادة تشكيل الأفكار، التعبير عن الهوية

09 حزيران/يونيو 2009

الأميركيون الأوائل وحقبة الاستعمار

تقاليد الأميركيين الأصليين والتقاليد البريطانية تؤثر في الأدب الأميركي

 
"أول عيد شكر، 1621،" للرسام الاميركي دجاي إل جي فارس، يصف الاحتفال بالحصاد الوفير. (مكتبة الكونغرس)

بقلم كاثرين فانسبانكيرن

بدأ نشوء الأدب الأميركي من الأساطير، والخرافات، والحكايات والأشعار الغنائية (الأغاني دوماً) المتناقلة شفهياً للثقافات الهندية. أمّا التقليد الشفهي للأميركيين الأصليين فإنه متنوع جداً. فالقصص الهندية تتألق إجلالاً للطبيعة بمثابة الأم الروحية، والمادية كذلك. فالطبيعة حية وتتمتع بقوى روحية، والشخصيات الرئيسية في الأدب قد من الحيوانات أو النباتات، وغالباً ما تكون طوطما كرمز للقبيلة، أو المجموعة، أو الفرد.

المساهمات الهندية في ما هي عليه أميركا هي أكبر مما يعتقد في كثير من الأحيان. فمئات الكلمات الهندية في الإنجليزية الأميركية المستعملة في الأحاديث اليومية تتضمن كلمات "كانو (أو مركب)، "تبغ"، "بطاطا"، "موكاسين" (حذاء هندي)، "موس" (جاموس)، "البرسيمون" (فاكهة الخرما)، "راكون" (الغرير الأميركي)، "توماهوك" (فأس)، و"طوطم" (رمز منحوت). أمّا الكتابات المعاصرة للأميركيين الأصليين الواردة في الفصل الثامن فتتضمن أعمالاً في غاية الجمال.

أول سجل أوروبي للاستكشافات في أميركا مكتوب باللغة الاسكندنافية. تسرد الساغا، أو القصة البطولية الاسكندنافية، عن الشاطئ الأميركي الشمالي كيف استقر المغامر ليف إريكسون وجماعة من الاسكندنافيين المتجولين لفترة وجيزة في مكان ما على الشاطئ الأميركي الشمالي الشرقي، وعلى الأرجح في نوفا سكوتشيا في كندا، في العقد الأول من القرن الحادي عشر.

غير أن الاحتكاك الأول المعروف بين الأميركيين وباقي العالم بدأ بالرحلة الشهيرة للمستكشف الإيطالي كريستوفر كولومبوس التي مولتها ملكة إسبانيا إيزابيل. تسرد يوميات كولومبوس المذكورة في "كتاب رسائله" (الابيستولا) المطبوع في عام 1491 الدراما التي شهدتها رحلته.

كانت نتائج المحاولات الاستعمارية الإنجليزية الأولى كارثية. أنشئت المستعمرة الأولى في العام 1585 في روانوك على شاطئ ولاية نورث كارولينا، ولكن اختفى جميع مستعمريها. أما المستعمرة الثانية فقد دامت لوقت أطول، وهي مستعمرة جيمستاون التي تأسست عام 1607. وقد شهدت المجاعة، والوحشية وسوء الحكم. غير أن أدب تلك الفترة يصور أميركا بألوان متألقة كأرض للثروة والفرص. وقد أصبحت القصص التي تصف الحقب الاستعمارية مشهورة عالمياً.

في القرن السابع عشر، ساهم القراصنة، والمغامرون، والمستكشفون في فتح الطريق أمام موجة ثانية من المستعمرين الدائمين الذين جلبوا معهم زوجاتهم وأولادهم ومعداتهم الزراعية وأدواتهم الحرفية. يتألف الأدب الأول للاستكشاف من المذكرات والرسائل ويوميات السفر وسجلات السفن والتقارير المرسلة إلى ممولي المستكشفين. ولأن إنجلترا استولت على المستعمرات الأميركية الشمالية في نهاية المطاف، فإن أدب الاستعمار الأكثر شهرة والظاهر في المختارات الأدبية أكثر من غيره مكتوب باللغة الإنجليزية.

من المحتمل أنه لم يظهر مستعمرون آخرون في تاريخ العالم بنفس المستوى الفكري للبيوريتانيين، ومعظمهم من أصل إنجليزي أو هولندي. ففي الفترة الممتدة بين 1630 و1690، كان عدد المتخرجين من الجامعات في القسم الشمالي الشرقي من الولايات المتحدة المعروفة بإنجلترا الجديدة (نيو إنغلاند) مماثلاً لما كان عليه في إنجلترا. فالبيوريتانيون الذين صنعوا أنفسهم بأنفسهم والذين ثقفوا أنفسهم بأنفسهم في كثير من الأحيان رغبوا في التعليم لفهم ولتنفيذ مشيئة الله بينما كانوا ينشئون مستعمراتهم في أنحاء إنجلترا الجديدة.

كان الأسلوب الأدبي البيوريتاني متنوعاً بشكل هائل، وتراوح بين الشعر الميتافيزيقي المعقد واليوميات المنزلية البسيطة والتاريخ الديني المتزمت بشكل ساحق. ومهما كان الأسلوب أو النوع، فقد بقي بعض المواضيع ثابتا. كان ينظر إلى الحياة كاختبار، حيث الفشل يقود إلى اللعنة الأبدية وإلى نار الجحيم، والنجاح يقود إلى نعيم الجنة. هذا العالم كان حلبة للصراع المتواصل بين قوى الله وقوى الشيطان، العدو المرعب المتنكر في مظاهر متعددة.

أشار العلماء منذ وقت طويل إلى الرابط بين البيوريتانية والرأسمالية: فالاثنتان تستندان إلى الطموح والعمل الشاق والسعي الحثيث نحو النجاح. ورغم أن البيوريتانيين كأفراد لم يتمكنوا من المعرفة، بالمعنى الديني الصارم، ما إذا كانوا قد "خُلّصوا" وأصبحوا من المختارين الذين سيذهبون إلى الجنة، فإن البيوريتانيين كانوا يميلون إلى الشعور بأن النجاح الدنيوي يُشكِّل العلامة التي تدل على اختيارهم. كانوا يسعون إلى تحقيق النجاح والمنزلة الرفيعة ليس لأنفسهم فحسب بل وأيضاً كطمأنة مرحب بها للصحة الروحية والوعد بالحياة الأبدية.

علاوة على ذلك، فان مفهوم الإشراف المسؤول على أمور الحياة يشجع النجاح. فقد شعر البيوريتانيون أنه من خلال تعزيز أرباحهم الخاصة ورفاهية مجتمعهم، يساهمون أيضاً في تعزيز خطط الله. النموذج العظيم للكتابة والمعتقد والسلوك كان الكتاب المقدس، بترجمته الإنجليزية المعتمدة. والقِِدم العظيم للكتاب المقدس جعله جدير بالاعتماد في نظر البيوريتانيين.

ومع انقضاء القرن السادس عشر وبدء القرن السابع عشر، تقلصت القطعية الدينية تدريجياً رغم الجهود البيوريتانية القاسية المتكررة للقضاء على موجات التسامح. فروح التسامح والحرية الدينية التي نمت تدريجياً في المستعمرات الأميركية نشأت أولاً في رود آيلاند وبنسلفانيا موطن الكويكرز. كان الكويكرز الإنسانيون والمتسامحون، أو "الأصدقاء" كما كانوا يعرفون، يعتقدون بقدسية ضمير الفرد كرأس الينبوع للنظام الاجتماعي والأخلاقي.

فاعتقاد الكويكرز الأساسي بالمحبة والأخوّة على النطاق العالمي، جعل منهم ديمقراطيين بعمق ومناهضين للسلطة الدينية القطعية. وبعد طردهم من مساتشوستس المتشددة التي كانت تخشى نفوذهم، أنشأوا مستعمرة بنسلفانيا الناجحة جداً بظل حكم وليام بن في عام 1681.

]كاثرين فانسبانكرين، أستاذة الإنجليزية في جامعة تامبا، ألقت محاضرات حول الأدب الأميركي في الخارج، وهي مديرة سابقة للمعهد الصيفي حول الأدب الأميركي للعلماء الدوليين الذي ترعاه مؤسسة فولبرايت. تتضمن منشوراتها الشعر والبحث العلمي. نالت شهادة البكالوريوس من جامعة كاليفورنيا، بيركلي، وشهادة الدكتوراه من جامعة هارفرد[.

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي