09 حزيران/يونيو 2009
تُركّز هذه الأعمال على أهمية عقل وروح الفرد

بقلم كاثرين فانسبانكرين
(تمّ اقتطاف النص التالي من نشرة كتاب وزارة الخارجية الأميركية وهو بعنوان: "الأدب في الولايات المتحدة بإيجاز".)
حوالي العام 1820 وصلت إلى الولايات المتحدة الحركة الرومانسية التي ظهرت في بادئ الأمر في ألمانيا، وما لبثت وان انتشرت من هناك بسرعة. تركزت الأفكار الرومانسية حول البعد الروحي والجمالي للطبيعة، وأهمية العقل والروح للفرد. وأكد الرومانسيون على أهمية الفن التعبيري الذاتي للفرد كما للمجتمع.
أصبح تطوير الذات موضوعاً دراسياً رئيسياً، وإدراك الذات أسلوبه الأوليّ. فان كانت الذات والطبيعة، في ظل النظرية الرومانسية، واحدة، فإن الإدراك الذاتي لم يكن طريقاً أنانياً مسدوداً بل أسلوباً للمعرفة منفتحا على كل العالم. وإذا كانت ذات المرء موجودة لدى كل البشرية فإن الفرد عليه واجب أخلاقي لإصلاح التفاوتات الاجتماعية المجحفة والتخفيف من العذاب الإنساني. فثمة إعادة تحديد لمعنى فكرة "الذات" التي كانت توحي بالأنانية لدى الأجيال السابقة، وحلت محلها كلمات مركبة ذات معانٍ إيجابية: "تحقيق الرغبات الذاتية"، "التعبير عن الذات". و"الاعتماد على الذات" وفي حين أصبحت الذات الفريدة الذاتية ذات أهمية، كذلك أصبح مجال علم النفس. فتم تطوير مضامين وتقنيات استثنائية لاستحضار الحالات "النفسية الفائقة القوة". فتولدت عبارة "السمو" كأثر لعظمة الجمال (مثلاً منظراً طبيعياً من أعلى الجبل)، أي إثارة أحاسيس المهابة، والإجلال، والانفساح، والقدرة التي تتجاوز الإدراك الإنساني.
كانت الرومانسية إيجابية وملائمة لمعظم الشعراء الاميركيين وكتّاب المقالات المبدعين: جسدت هذه الروعة السامية الجبال، والصحارى، والمناطق الاستوائية الشاسعة في الولايات المتحدة كما بدت الروح الرومانسية على انها تناسب بوجه خاص الديمقراطية الأميركية: شددت على مذهب الفردية، وأكدت قيمة الإنسان العادي، وتطلعت إلى الخيال الملهم لإدراك قيمها الجمالية والأخلاقية.
حركة التسامي
حركة التسامي التي جسدها كاتبا المقالات رالف والدو ايمرسون وهنري ديفيد ثورو كانت بمثابة ردة فعل ضد المذهب العقلاني الذي كان سائداً في القرن الثامن عشر، وارتبطت بوثوق مع الحركة الرومانسية. وقد ترافقت عن كثب مع كونكورد بولاية مساتشوستس، وهي بلدة تقع بالقرب من بوسطن حيث عاش إيمرسون وثورو ومجموعة من الكتّاب الآخرين.
بصورة عامة، كان مذهب التسامي بمثابة فلسفة ليبرالية تفضل الطبيعة على الهيكلية الدينية النظامية، والبصيرة الفردية على العقيدة، والغريزة الإنسانية على التقاليد الاجتماعية. دفع الرومانسيون الأميركيون المؤيدون لمذهب التسامي الفردية المتطرفة إلى حدودها القصوى. وكثيراً ما اعتبر كتّاب أميركيون أنفسهم، في تلك الفترة وما تبعها، كمستكشفين منفردين خارج المجتمع والتقاليد. البطل الأميركي، مثل الكابتن أهاب في أعمال هرمان ملفيل، او هاك فين في أعمال مارك توين، كان في العادة يواجه المخاطر، أو حتى عملية تدمير معينة، من خلال سعيه لاكتشاف الذات الميتافيزيقية. بالنسبة للكاتب الأميركي الرومانسي، لم يكن أي شيء أمراً مسلّماً به. فالتقاليد الأدبية والاجتماعية كانت خطرة وكانت بعيدة كل البعد عن تقديم المساعدة. كان هناك ضغط هائل لاكتشاف الشكل، والمحتوى، والصوت الأدبي الأصيل.
رالف والدو ايمرسون (1803-1882)
كان لدى رالف والدو ايمرسون، الشخصية الشامخة في العصر الذي عاش فيه، إحساس ديني برسالته. ومع ان العديدين اتهموه بمحاولة إفساد الدين المسيحي، فقد فسّر ذلك بقوله: بالنسبة لي "لكي يكون المرء قساً صالحاً عليه أن يترك الكنيسة". الخطاب الذي ألقاه عام 1838 في كلية اللاهوت بجامعة هارفرد التي تخرج منها، جعل منه شخصاً غير مرحب به في جامعة هارفرد لمدة 30 سنة. اتهم ايمرسون في هذا الخطاب الكنيسة بالتشديد على العقيدة بينما كانت تخنق الروح.
كان إيمرسون ثابتاً بدرجة لافتة في دعوته إلى ولادة الفردية الأميركية المستلهمة من الطبيعة. يفتتح مطبوعته الأولى في مقال الطبيعة (1836) بما يلي:

عصرنا يستعيد الماضي. إنه يبني أضرحة الآباء. يكتب السير الذاتية، والتواريخ والنقد. وضعت الأجيال الماضية الله والطبيعة وجهاً لوجه ولا نرى سوى عبر أعينهم. لماذا لا نتمتع أيضاً بعلاقة أصلية مع الكون؟ لماذا لا يكون لدينا شعر يعتمد على البصيرة وليس على التقاليد، دين من خلال الوحي الذي ينزل علينا، وليس من خلال تاريخهم. تحتضننا الطبيعة لفصل واحد، فينساب فيض حياتها حولنا وعبرنا، وتدعونا بفعل القوى التي توفرها إلى العمل المتناسب مع الطبيعة، فلماذا علينا أن نبحث في الظلام عن العظام اليابسة للماضي...؟"
يعود الكثير من بصيرته الروحية إلى مطالعاته للكتب الدينية الهندوسية، والكونفوشيوسية، والصوفية الإسلامية.
هنري ديفيد ثورو (1817-1862)
ولد هنري ديفيد ثورو في بلدة كونكورد واستقر نهائياً فيها. ينحدر من عائلة فقيرة مثل ايمرسون، وكان يعمل لكي يستطيع أن يشق طريقه للوصول إلى جامعة هارفرد. كانت تحفة ثورو الرائعة "والدن"، أو "الحياة في الغابات" (1854)، نتيجة فترة سنتين وشهرين ويومين (من عام 1845 إلى عام 1847) أمضاها في العيش في كوخ بناه في والدن بوند، بالقرب من كونكورد. هذا المقال الشعري الطويل يتحدى القارئ كي يتفحص حياته ويعيشها بصورة أصيلة.
مقال ثورو الذي حمل عنوان "العصيان المدني"، المتضمن نظرية حول المقاومة السلبية المستندة إلى الضرورة الأخلاقية للفرد العادل في مخالفة القوانين غير العادلة، شكل مصدر إلهام لحركة استقلال الهند التي قادها المهاتما غاندي ولكفاح مارتن لوثر كنغ للحصول على الحقوق المدنية للأميركيين السود في القرن العشرين.
والت ويتمان (1819-1892)
ولد والت ويتمان في لونغ ايلاند، بولاية نيويورك وكان يعمل نجاراً بدوام جزئي ورجلاً يعمل لعامة الشعب، وعبرت أعماله المتألقة والمبدعة عن الروح الديمقراطية للبلاد. علّم نفسه إلى حد كبير. ترك المدرسة وهو في الحادية عشرة من عمره ليعمل، وتخلى عن التعليم التقليدي الذي جعل معظم المؤلفين الأميركيين مقلدين للإنجليز. يتضمن كتابه "أوراق العشب" (1855) الذي أعاد كتابته ومراجعته طوال حياته، "أغنية نفسي"، وهي من أكثر القصائد الأصلية إذهالاً التي كتبها أي أميركي.
الشكل الأدبي المبتكر لقصيدته غير الموزونة من الشعر الحرّ، والاحتفاء المنفتح بالحياة الجنسية، والحساسية الديمقراطية النابضة بالحياة، والتشديد الرومانسي المتطرف بأن ذات الشاعر هي شيء واحد مع الكون ومع القارئ، أدى إلى تغيير مجرى الشعر الأميركي.
إميلي ديكنسون (1830-1886)
إميلي ديكنسون تُشكِّل إلى حد ما رابطاً بين عصرها والحساسيات الأدبية للقرن العشرين. ولدت وعاشت حياتها في امهيرست، القرية الصغيرة في ولاية مساتشوستيس. لم تت?وج أبداً، وكانت تؤمن بالفردية المتطرفة، وعاشت حياة غير تقليدية غير حافلة بالأحداث الخارجية ولكنها كانت ممتلئة بالحدة الداخلية. كانت تعشق الطبيعة ووجدت إلهاماً عميقاً في الطيور، والحيوانات، والنباتات، والفصول المتغيرة لريف منطقة نيو انغلند. أمضت ديكنسون القسم الأخير من حياتها معتكفة عن الناس بسبب نفسيتها الحساسة للغاية وربما لتأمين الوقت للكتابة.
كان أسلوب ديكنسون المصقول، الصوري في كثير من الأحيان، أكثر حداثة وإبداعاً حتى من أسلوب ويتمان. وتُظهر أحياناً إدراكاً وجودياً مخيفاً. أشعارها المنمقة، الواضحة، والمنحوتة التي أعيد اكتشافها في الخمسينات من القرن العشرين تمثل بعض أكثر الأعمال الأدبية الأميركية سحراً وتحدياً.
]كاثرين فان سبانكرين، أستاذة الإنجليزية في جامعة تامبا، ألقت محاضرات حول الأدب الأميركي في الخارج، وهي مديرة سابقة للمعهد الصيفي حول الأدب الأميركي للعلماء الدوليين الذي ترعاه مؤسسة فولبرايت. تتضمن منشوراتها الشعر والبحث العلمي. نالت شهادة البكالوريوس من جامعة كاليفورنيا، بيركلي، وشهادة الدكتوراه من جامعة هارفرد[.