31 تموز/يوليو 2009
موسيقى جاز السوينغ الانسيابية التي تميز بها بني غودمان وآخرون، حصلت على شعبية هائلة

ابتداءً من العام 1935، برز أسلوب جديد من الموسيقى المستوحاة من الجاز يدعى "السوينغ"، الذي طورته في بادئ الأمر في أواخر العشرينات من القرن العشرين فِرَق رقص سوداء في نيويورك، وشيكاغو، وكانزاس سيتي، وقد ساهم هذا الأسلوب في تحول الموسيقى الشعبية الأميركية. وكلمة "سوينغ" (مثل كلمات "جاز"، "بلوز" و"روك أند رول") مشتقة من اللهجة الإنجليزية التي يتحدث بها الأميركيون الأفريقيون. استخدمت هذه الكلمة أولاً كفعل للتعبير عن الزخم الإيقاعي الانسيابي "المتأرجح" الذي خلقته الموسيقى عندما تُعزف جيداً، وقد استعملت هذه الكلمة كامتداد للإشارة إلى حالة عاطفية تتميز بالإحساس بالحرية، والحيوية والاستمتاع. الإشارات إلى كلمتي "سوينغ" و"سوينغينغ" شائعة الاستعمال في عناوين وكلمات اسطوانات الجاز التي أنتجت في العشرينات وأوائل الثلاثينات من القرن العشرين.
توفّر لنا موسيقى السوينغ نافذة تطل على القيم الثقافية والتغيرات الاجتماعية لحقبة "الصفقة الجديدة". كانت الروح الأساسية لموسيقى السوينغ تتسم بالاستمتاع غير المقيد، التمايل، و"تمضية الوقت الممتع". المستمعون إلى موسيقى السوينغ تجاوزوا الحدود الاجتماعية التي كانت تفصل بين المجموعات العرقية، والسكان الأصليين، والمهاجرين، الجنوبيين والشماليين، وسكان المدن، وسكان الأرياف، الطبقة العاملة والطبقة المتوسطة المتوسعة، والأعضاء التقدميين من النخبة المثقفة.
بالنسبة لحقبة السوينغ، حدثت "لحظة التأسيس" الأسطورية في صيف 1935 عندما قامت فرقة موسيقى رقص بقيادة عازف الكلارينت الشاب في موسيقى الجاز، ويدعى بيني غودمان (1909-1986)، بجولة فنية في كاليفورنيا. لم يكن غودمان عازفاً مرتجلاً ماهراً للجاز فحسب، إنما كان أيضاً انضباطياً صارماً، يشدد على أن يلعب الموسيقيون في فرقته أدوارهم بدقة متناهية. ساهم ظهور فرقة غودمان في برامج "دعونا نرقص" التي كانت تذاع عبر الإذاعات القومية وأسلوبها الساخن ذو الإيقاع الرخيم في بناء قاعدة كبيرة من المعجبين بهذه الموسيقى.
وكأنما انسجاما مع صورة الهوس الزائد التي كانت تحيط ببول وايتمان، توجت الصحافة هذا الموسيقي "ملكاً للسوينغ". لكن هناك عدة اختلافات كبيرة بين من عُرفا بملكيْ الجاز والسوينغ. ففي حين بقي وايتمان موسيقياً كلاسيكياً طوال حياته، كان غودمان في الواقع (ولو أنه قليلاً ما يلقى التقدير) موسيقياً مرتجلاً درس موسيقى الجاز دراسة دقيقة. وفي حين أن فرقة وايتمان قدمت موسيقى راقصة معدلة الإيقاع في قاعات الرقص وفق أسلوب استعار اسمه من الجاز، كانت فرقة غودمان بالفعل فرقة جاز، تؤدي موسيقى مصممة بدقة وفق ابتكارات الموسيقيين والمؤلفين والموزعين الأميركيين الأفريقيين. وفي حين أن أوركسترات الرقص لبول وايتمان في العشرينات من القرن العشرين لم تشمل أبداً موسيقيين ملونين، كان غودمان أول قائد أبيض لفرقة موسيقية يوظف فيها عازفين ملونين ابتداءً بعازف البيانو تيدي ويلسون عام 1936، وتبعه عازف الغيتار الكهربائي الشاب اللامع شارلي كريستشين، وعازف الفيبرافون ليونيل همبتون وعازف البوق كوتي ويليامز.
ومع أن الفرق الموسيقية الكبيرة اعتمدت بشدة على الترتيب الذي اتبعته الأغاني الشعبية لناشري وكتّاب موسيقى "تين بن آلي" النيويوركيين – التي تميزت بترتيبها المؤلف من 12 فاصلة موسيقية، وأسلوب الثلاثة أوتار، ونغمات الشجن الحزينة، وأساليب المناداة والاستجابة، فإن النوتات الموسيقية لموسيقى البلوز (الشجن) ظلت ركيزة موسيقى السوينغ. ومن بين كافة الفرق الموسيقية الكبيرة، كانت أكثر الفرق ارتبطا بتقاليد موسيقى البلوز هي التي قادها عازف البيانو وليام "كاونت" باسي (1904-1984). ولد باسي في ولاية نيو جيرزي واكتسب الكثير من خبرته الأولى كعازف وقائد فرقة في كانزاس سيتي بولاية ميزوري. وخلال العشرينات وأوائل الثلاثينات من القرن العشرين طورت فِرَق الرقص السوداء في كانزاس سيتي أساليب مميزة خاصة بها في عزف الموسيقى الراقصة الساخنة. ارتبط أسلوب كانزاس سيتي بصورة أوثق بتقليد البلوز الريفي من أسلوب الفرق الموسيقية العاملة في نيويورك واعتمد بقوة أكبر على اللازمات (الأنماط المتكررة). أحد التأثيرات المهمة على المفهوم الإيقاعي لفرق كانزاس سيتي كان تقليد عزف موسيقى بلوز البوغي - ووغي على البيانو، الذي يلعب فيه عادة عازف البيانو نمطاً متكرراً بيده اليسرى على أسفل لوحة مفاتيح للبيانو بينما يرتجل أنماطاً متعددة الإيقاعات بيده اليمنى.
فرقة موسيقية أخرى بارزة في حقبة السوينغ كانت أوركسترا ديوك إلينغتون بقيادة إدوارد كينيدي "ديوك" إلينغتون (1899-1974)، الذي اعتبر على نطاق واسع أحد أهم الموسيقيين الأميركيين في القرن العشرين. كان إلينغتون يجرب ويختبر الأشكال الموسيقية. استنبط أشكالاً موسيقية غير اعتيادية، وجمع الآلات الموسيقية بطرق غير عادية وخلق ألواناً للأنغام مميزة ومعقدة.
فرقة السوينغ الرئيسية الثالثة هي فرقة غلين ميللر (1904-1944). كانت أوركسترا ميللر من عام 1939 حتى عام 1942 أشهر فِرَقه للموسيقى الراقصة في العالم، وقد حطمت الأرقام القياسية لمبيعات الاسطوانات ولأعداد الحضور لحفلاتها الموسيقية. طور ميللر أسلوباً صافياً زاخراً بالحيوية مما أثار إعجاب الناس في المدن الصغيرة في منطقة الغرب الأوسط من البلاد كما القواعد الشعبية في المدن الكبيرة على الساحلين الشرقي والغربي، الذين كانوا يستمعون في السابق إلى موسيقى السوينغ. وبالنسبة للنجاح الشعبي المحض، كانت فرقة ميللر تمثل قمة عصر السوينغ وأنتجت 23 اسطوانة حققت المرتبة الأولى في أقل من أربع سنوات.
لم ينته الجاز ولا تأثيره البعيد المدى على الموسيقى والثقافة الأميركية في الثلاثينات من القرن العشرين. فموسيقى السوينغ، التي عرفت أيضاً بأنها موسيقى الفرق الموسيقية الكبيرة، كانت قد نمت وتأثرت بقوة بموسيقى الجاز. وفيما يتجاوز عصر موسيقى السوينغ، حدد كل جيل لاحق من الموسيقيين أسلوبه الخاص في الجاز، مستجيباً ومتحدياً للإرث السمعي الذي بدأ في نيو أورلينز. أساليب موسيقى البيبوب، كول جاز، فيوجين جاز، سول جاز وأسيد جاز، هي مجرد قليل من الأساليب الموسيقية التي نمت من الشجرة الأصلية للصوت.
[اقتبس هذا المقال من كتاب "الموسيقى الشعبية الأميركية: من الغناء على أنغام الغيتار إلى أم بي 3" بقلم لاري ستار وكريستوفر واترمان، نشرته دار نشر جامعة أوكسفورد، حقوق النشر محفوظة (2003، 2007)، وقدمه مكتب البرامج والإعلام الخارجي على شكل نشرة موجزة].