29 تموز/يوليو 2009
عرض المنيستريل، أول شكل من أشكال الترفيه الموسيقي والمسرحي

ساهمت الموسيقى الشعبية في صياغة وعكس الثقافة الأميركية طوال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. شهدت هذه الحقبة ولادة عروض المنيستريل، أو عروض الممثلين البيض ذوي الأوجه المطلية بالأسود، وهي أول شكل أميركي مُميز من أشكال الثقافة الشعبية، كما شهدت صعود الصناعة الموسيقية الحديثة، والازدياد السريع في أعداد المستمعين وليس أقله بسبب تمكين التكنولوجيات الجديدة من إيصال الموسيقى إلى مجموعات مستمعين على المستوى القومي. كان من المقدر أن تؤثر بعض أساليب موسيقى الغناء والرقص التي ظهرت بدرجة عميقة على الموسيقى الشعبية الأميركية طوال القرن العشرين.
عروض المنيستريل، وهو الشكل الأول من أشكال الترفيه الموسيقي والمسرحي الذي يعتبره الجمهور الأوروبي على انه أميركي الطابع بامتياز، تميز بصورة رئيسية بقيام ممثلين بيض بطلاء وجوههم بالأسود وتأدية الموسيقى، والرقص، والملابس واللغة المحلية للأميركيين الأفريقيين بصورة هزلية. أما اليوم فينظر إلى الذين يظهرون على المسرح بوجوه مطلية بالأسود بانزعاج او غضب. لكن هناك سببا للاعتقاد بأن التفسير العام لهذه العروض كتعبير عن التمييز العنصري يُبسّط بدرجة كبيرة المعاني المتنوعة التي تمثلها. على أية حال قد يكون من الصعب فهم الموسيقى الشعبية الأميركية دون بعض الإلمام بعروض المنيستريل.
برز عرض المنيستريل في أحياء الطبقة العاملة في المدن حيث انتشر التفاعل بين الأعراق. شكّل الممثلون ذوو الأوجه المطلية بالأسود أول تعبير عن الثقافة الشعبية الأميركية المُميزة التي يعبّر فيها شباب بيض من الطبقة العاملة عن إحساسهم بالتهميش من خلال تشبهم بأشكال ثقافية أميركية أفريقية. لا يعني هذا القول ان الغناء على أنغام الغيتار لم يكن عرضاً للتمييز العنصري لدى البيض بل ان معانيه لم تكن ثابتة ولا غير مُلتبسة.
توماس دارموث برايس (1808-1860)، ممثل أبيض ولد لعائلة فقيرة في المنطقة السابعة في مدينة نيويورك، أبرز الشعبية المحتملة لهذا الغناء بأغنيته "جيم كرو" (1829)، وهي أول أغنية أميركية تلقى نجاحاً عالمياً. أدى رايس هذه الأغنية ووجهه مطلي بالأسود بينما كان يُحاكي في نفس الوقت خطوات رقصة تسمى "كايك ووك"، وهي نسخة أفريقية عن رقصة الكوادريل الأوروبية.
بعد وقت قصير من إدخال رايس لأغنية "جيم كرو" إلى نيويورك عام 1832، حصل انفجار حقيقي للتمثيل بوجوه سوداء في أماكن تراوحت بين المسارح والحانات، حيث كان يرعى الأخيرة في أحيان كثيرة جمهور مختلط الأعراق. فظهر ممثلون من السود ومن أعراق مختلطة في معظم الحانات المحلية الشعبية التي عرضت أداء هؤلاء المغنين على أنغام الغيتار. الإرث الموسيقي واللغوي الأول لهذا الغناء كان مختلطاً تماماً كما كان المستمعون إليه والمؤدون فيه. مصدر الإلهام الأكثر احتمالاً لأغنية "جيم كرو" لم يكن أغنية أميركية أفريقية بل لحناً أيرلندياً شعبياً تحول فيما بعد إلى أغنية مسرح إنجليزية.
شخصية جيم كرو التي مثلها رايس، وهي شخصية "دادي"، تحدثت وغنّت بلكنة محلية استندت إلى شخصيات ريفية (مثل الجندي في كتيبة الرماة ديفي كروكيت من ولاية كنتاكي) وجزئياً إلى مجموعة متنوعة من اللكنات المحلية السوداء والكريولية كان قد سمعها رايس عندما كان ولداً يترعرع على أرصفة ميناء المنطقة السابعة.
تعالوا، استمعوا كلكم، يا أيتها الفتيات والفتيان،
لقد جئت للتو من توكيهو
وسوف أغني أغنية صغيرة،
اسمي جيم كرو
أدور وألتف وارقص
أقوم بذلك فقط
وفي كل مرة أدور فيها أقفز
جيم كرو
استعملت شخصية جيم كرو هذه اللغة المحلية الهجينة، التي لم تكن لا سوداء ولا بيضاء، بل لغة بينهما للسخرية من السياسيين المدّعين والنُخب الاجتماعية، وأدخل الممثل نصاً فرعياً ساخراً وجده الذين استهدفهم رايس من الطبقة العليا مهدداً لهم.
ابتداءً من عام 1840 وحتى عام 1880 أصبح الغناء بوجوه مطلية بالأسود النوع المُهيمن على الثقافة الشعبية في الولايات المتحدة. ومع تحوّل هذا النوع إلى "عرض كامل" لهؤلاء المغنين وتم تنظيمه بصورة رسمية أكثر، فإنه فقد الكثير من نوعيته الهجائية الأصلية. كان هؤلاء المغنون يعرضون في القرن التاسع عشر العديد من المواضيع التي سوف تهمنا عبر مجمل هذا الاستطلاع الصحفي. برز أسلوب غناء المتنكرين كسود خلال الثلاثينات من القرن التاسع عشر للتعبير عن ثقافة شباب بيض من المدن سعوا إلى التعبير عن استقلاليتهم من خلال استملاك أسلوب السود. وبعد ان أصبح هذا الغناء ظاهرة جماهيرية خلال العقود التي سبقت الحرب الأهلية الأميركية، أصبح شكله روتينياً وتصويره للخصائص السوداء مقولباً ونمطياً بدرجة أكثر صرامة. هذا النمط الأساسي الذي برز فيه شكل جديد من الموسيقى داخل مجتمع محلي مُهمّش، ثم انتقل إلى التيار السائد للثقافة الشعبية الجماهيرية وخسر عبر هذه العملية الكثير من طاقته المتمردة الأصلية، سوف يصادف مراراً عديدة في هذا الكتاب.
[اقتبس هذا المقال من كتاب "الموسيقى الشعبية الأميركية: من الغناء على أنغام الغيتار إلى أم بي3" بقلم لاري ستار وكريستوفر واترمان، نشرته دار نشر جامعة أوكسفورد، حقوق النشر محفوظة (2003، 2007)، وقدمه مكتب البرامج والإعلام الخارجي على شكل نشرة موجزة].