28 تموز/يوليو 2009
الألحان والألوان الأفريقية تتكامل مع الموسيقى الأميركية

(المقال التالي جرى اقتباسه من مطبوعة وزارة الخارجية الأميركية وهي بعنوان "الموسيقى الشعبية الأميركية.")
لم يأتِ جميع المهاجرين إلى البلاد طوعاً. فقد جاء ما بين مليون ومليوني أفريقي بصورة قسرية إلى الولايات المتحدة بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر. كانت المناطق في غرب ووسط أفريقيا التي أُخذ منها الأرقاء مَواطن لمئات من المجتمعات الأهلية، واللغات، والتقاليد الموسيقية المميزة.
نشوء الموسيقى الأميركية الأفريقية في الولايات المتحدة شمل عمليتين مرتبطتين ببعضهما البعض. العملية الأولى كانت التوفيق بين الأشكال المختلفة للممارسات، والمعتقدات، أي الدمج الانتقائي للتقاليد المستمدة من أفريقيا وأوروبا. وكانت العملية الثانية إنشاء مؤسسات أصبحت فيما بعد مراكز مهمة للحياة الموسيقية للسود أو الموسيقى السوداء، أي العائلة، والكنيسة، والتجمع الطوعي، والمدرسة وما إلى ذلك.
من الخطأ التحدث عن "الموسيقى السوداء" بمثابة كيان متجانس. فقد اتخذت الثقافة الأميركية الأفريقية أشكالاً مختلفة في البرازيل، وكوبا، وهايتي، وجاميكا، والولايات المتحدة. وتكوّن كل شكل منها من مزيج خاص من تقاليد المصادر الأفريقية والأوروبية، كما تكيّف مع الظروف الاجتماعية المحلية. في الولايات المتحدة، بدا أن الناس الذين قدموا من منطقة سنيغامبيا (السنيغال- غامبيا) في غرب أفريقيا قد شكلوا الجزء الأكبر من الأرقاء. تم تطوير آلة البنجو، وهي اختراع أميركي - أفريقي، من آلات موسيقية وترية منتشرة في تلك المنطقة واستمدت بعض جوانب موسيقى البلوز من تقاليد الغريوت (المغني المدّاح) في مناطق السافانا في غرب أفريقيا.

تُشكِّل بعض المزايا المعينة من الموسيقى الأفريقية جوهر الموسيقى الأميركية الأفريقية وامتداداً للموسيقى الشعبية الأميركية ككل. أشكال المناداة والاستجابة، التي يتناوب على أدائها مغن رئيسي وكورس، تشكل سمة مميزة للتقاليد الموسيقية الأميركية الأفريقية. في الكثير من القطع الموسيقية الأفريقية يعتبر التكرار قوة جمالية، حيث تبنى أشكال عديدة من جمل قصيرة تتكرر في دورة منتظمة. تتآلف هذه الجمل القصيرة بطرق متنوعة لإنتاج موسيقى تتميز بقوة وتنوع عظيمين. تُسمى هذه الأنماط المتكررة في الموسيقى الأفريقية الأميركية في أحيان كثيرة "اللازمة".
يكمن الاهتمام الجمالي للكثير من الموسيقى الأفريقية في تشابك الأنماط المتكررة والمتعددة لتشكيل نمط كثيف متعدد الإيقاعات (نمط تمارس فيها إيقاعات عديدة في نفس الوقت). هذه التقنية واضحة في الأنماط الأميركية الأفريقية كموسيقى "الفانك"، ولا سيما في أعمال جميس براون، ومصاحبة الآلات لتسجيلات موسيقى الراب المعاصرة. هناك نمط إيقاع شائع من غرب أفريقيا أدى إلى إنتاج العديد من الأشكال المتنوعة في الأميركتين، بما في ذلك لازمة "الهامبون" (إيقاع البوغي المعدل، الذي يُنتج في بعض الأحيان بحركة إيقاعية للركبة وبصفع الصدر) التي راجت شعبيتها خلال عصر الروك أند رول على يد بو ديدلي، جوني أوتيس، وبادي هوللي.
بعكس جماليات موسيقى الفن الغربي، حيث تُشكِّل النبرة "الواضحة" النموذج المثالي، يستعمل المغنون والعازفون الأفريقيون مزيجاً واسعاً من الآلات الجرسية. تتولد النبرات الطنانة من خلال ربط أداة خشخشة بجهاز ويستعمل المغنون بصورة متكررة تأثيرات الدمدمة والهمهمة، وهي تقنية يمكن سماعها أيضاً في أنواع الموسيقى الأميركية-الأفريقية كالبلوز، والأغاني الإنجيلية، والجاز. ووفق تقاليد قرع الطبول في غرب أفريقيا، يضرب قارع الطبل الرئيسي في أحيان كثيرة على الطبلة التي تصدر أبطأ درجة نغم في المجموعة. هذا التشديد على الأصوات المنخفضة قد يكون السلف للدور البارز للطبلة الجهيرة في فِرَق الموسيقى السوداء في المسيسيبي المكونة من ناي وطبلة كما في جمالية "جهارة الهدير الصوتي" في موسيقى الراب.
تأثير الجماليات والتقنيات الموسيقية الأفريقية على الموسيقى الشعبية الأميركية كان عميقاً. ويكشف تاريخها عن إبداع الموسيقيين السود كما عن استمرار التمييز العنصري في الأعمال التجارية الموسيقية والمجتمع الأميركي ككل. في أوائل القرن العشرين، كونت موسيقى الراغتايم والبلوز، الشكل السائد للأغنية الشعبية الأميركية. "عصر الجاز" الذي ساد في العشرينات من القرن العشرين و"عصر السوينغ" في الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين شملا إعادة تصميم الموسيقى الراقصة الأميركية الأفريقية من أجل جذب جمهور من البيض من أبناء الطبقة الوسطى.
مع أن الموسيقى الريفية تعرف في العادة على أنها أسلوب "أبيض"، فقد كان بعض أكبر نجومها من السود وأساليب عازفي الموسيقى الريفية مثل جيمي روجرز، وهانك وليامز، وويلي نلسون تأثرت بقوة بالموسيقى الأميركية الأفريقية. يستطيع المرء أن يشير إلى أمثلة عديدة أخرى لتأثير الموسيقى السوداء على الموسيقى السائدة في أميركا. لقد أعيد كتابة قسم كبير من موسيقى الروك أند رول، والإيقاع، والبلوز لكي تلقى نجاحاً في سوق الموسيقى التي يسيطر عليها المراهقون البيض. يمكن سماع تأثير الموسيقى العاطفية في الستينات من القرن العشرين المتجذرة في الموسيقى الإنجيلية السوداء وموسيقى الإيقاع والبلوز في الأسلوب الصوتي لكل مغن شعبي، بدءاً من بوني رايت وويتني هيوستن، ووصولاً إلى بروس سبرنغتين ومايكل جاكسون. وأسلوب أغاني الغيتار المبتكر القائم على الهيفي ميتال يعود بفضله إلى عازفي موسيقى البلوز الحضريين، مادي واترز وهولينغ وولف. وموسيقى الراب المستندة إلى تقاليد موسيقية وشفهية مستمدة من الموسيقى الأفريقية تستمر في تزويد العديد من الأميركيين البيض بتجربة بديلة "للاستماع من الخارج" إلى الثقافة المدينية السوداء.
يمكننا القول، مع كل سنة تمضي، أن الموسيقى الشعبية الأميركية قد اقتربت من جوهر القيم الجمالية وتقنيات الموسيقى الأفريقية. ولكن ذلك قد يكون مضللاً لأنه يحرف الانتباه عن واقع أن الأميركيين الأفريقيين هم أميركيون أيضا. أسلاف الأميركيين السود جاؤوا إلى الولايات المتحدة قبل أسلاف العديد من الأميركيين البيض. فالتاريخ المعقد للتفاعل بين الأساليب الأوروبية- الأميركية والأساليب الأفريقية – الأميركية وبين الموسيقيين والمستمعين يبرز سخف التمييز العنصري.
[اقتبس هذا المقال من مطبوعة "الموسيقى الشعبية الأميركية: من الغناء على أنغام الغيتار إلى أم بي3" بقلم لاري ستار وكريستوفر واترمان، نشرته مطبعة جامعة أوكسفورد، حقوق النشر محفوظة (2003، 2007)، وقدمه مكتب البرامج والإعلام الخارجي على شكل مطبوعة موجزة].