13 آب/أغسطس 2009
أستاذان في موسيقى "السول" في الستينات من القرن العشرين

من بين العديد من الفنانين المهمين الذين ارتبطت أسماؤهم بموسيقى "السول" في الستينات من القرن العشرين، يحتل جيمس براون وأريثا فرانكلين مركزاً مرموقاً كمغنيين حققا شعبية استثنائية وامتدت سيرتاهما الفنية على مدى عدة عقود. وفي الواقع، كانا أشهر فناني موسيقى الإيقاع والبلوز خلال هذه الفترة الزمنية. حمل الاثنان معهما خبرة غناء التراتيل الإنجيلية لتي أثّرت على أدائهما الموسيقي العلماني. طور كل واحد منهما أسلوبا عاطفيا، متألقا، جريئا خاص به بدرجة عالية في أداء أغاني موسيقى البوب.
جيمس براون
إذا كان راي تشارلز قد استخدم موسيقى "السول" كمتنفذ لأسلوب موارده المتنوعة، فقد كشف جيمس براون عن اتجاهات مختلفة منذ البداية. أولى إسطواناته التي كانت بعنوان "بليز، بليز، بليز" (1956) هي خير دليل على ذلك: ففي حين كانت الأغنية على شكل أغنية شعرية وفق أسلوب الإيقاع والبلوز الذي ساد في الخمسينات من القرن العشرين، يتمسك صوت براون بتكرار كلمات فردية بحيث يتركز أحياناً نشاط المقطوعة الشعرية بكاملها على تكرارات مرخّمة مشددة بعنف على جملة واحدة. وتكون النتيجة مذهلة ولها تأثير التنويم المغناطيسي. وباعتباره النسخة العلمانية لواعظ متحمس، يتجاهل براون المفاهيم التقليدية للنحو والمعنى في جهده للتعبير عن حالة عاطفية متأججة. وفي وقت لاحق، ابتعد براون عن هيكليات موسيقى الإيقاع والبلوز التي سادت في الخمسينات من القرن العشرين وتخلى عن التغييرات الوترية بالكامل في أعمال عديدة له. وفي أواخر الستينات من القرن العشرين، كانت الألحان المميزة لبراون، مثل أغنية "كان هناك زمن"، هي عبارة عن موسيقى مركزة على التلاعب بالإيقاع والنغم. وفي حين كان المغني يسرد قصة، لم يكن اللحن الصوتي أكثر بكثير من تكرارات غير منتظمة لعدد صغير من أشكال الطبقات الصوتية المختصرة، بينما تناغم الألحان يبقى ثابتاً بالكامل وتتقلص أدوار الآلات لتقدم لازمات متكررة أو وتريات موقوفة. لكن هذا الوصف لا ينصف الأغنية كثيراً، فحين يغنيها براون يكون تأثيرها ساحراً. فأسلوب براون المتطور بالكامل في موسيقى السول يُشكِّل موسيقى تتسم بالعاطفة الشديدة والتركيز الرائع، ومكرسة لإظهار أن "الأقل هو الأكثر".
في الأغنية المشحونة سياسياً، "قل ذلك بصوت عال- أنا أسود وأنا فخور بذلك"، والتي احتلت المركز الأول في لوائح اسطوانات موسيقى الإيقاع والبلوز الأكثر مبيعاً، يخفض براون أداءه الصوتي إلى درجة خطاب إيقاعي بدرجة عالية. ومع أن عبارة (موسيقى الراب) لن تستعمل إلا بعد عقد على الأقل، فقد كانت الأغنية "قل ذلك بصوت عال- أنا أسود وأنا فخور بذلك" من ناحية جميع غاياتها وأغراضها هي أغنية "راب"، وشكلت توقعاً لافتاً للموسيقى السوداء المهمة المقبلة. في أعقاب حركة الموسيقى "الشعبية" في المدن التي حصلت في أوائل الستينات من القرن العشرين، حيث قدم المغنون البيض أنفسهم كناطقين باسم الشعب حول مجالات القلق السياسية والاجتماعية لجيلهم، قاد براون الموسيقيين السود في تولي دور مماثل لدى المواطنين السود. وبدأ يُنظر إلى موسيقيي السول على أنهم مساهمون أساسيون وناطقون باسم الحياة والتجربة الأميركية الأفريقية.
من أواخر الستينات من القرن العشرين، مروراً بموسيقى الديسكو في السبعينات من القرن العشرين، ومن بدايات موسيقى الراب ومروراً بازدهار موسيقى الهيب هوب في التسعينات من القرن العشرين، لم يظهر أي موسيقي فرد أثبت تأثيره على صوت وأسلوب الموسيقى السوداء مثل جيمس براون. أسلوبه التكراري المستند إلى المقاطع الموسيقية المترددة باستمرار، الذي رفع الإيقاع إلى درجة أعلى من التناغم بكثير كمصدر أولي لمجال الاهتمام، وفر الأساس الذي استندت إليه معظم الأغاني الموسيقية الموجهة إلى الرقص في تلك الفترة.

يبين تركيز براون على الإيقاع والنغمة المميزة الروابط القوية لمفاهيمه مع أساليب الموسيقى الأفريقية. تقليل أو إلغاء التغييرات الوترية وإلغاء التشديد اللاحق على التناغم تجعل من موسيقى براون تبدو، في المفهوم وفي الصوت الفعلي، أقل توجهاً بكثير نحو موسيقى الغرب الأميركي (الويسترن) من قسم كبير من الموسيقى الأميركية الأفريقية التي سبقتها. فمن ناحية أولى، يتردد صدى هذه النوعية مع أوجه عديدة من الثقافة الأميركية الأفريقية في أواخر الستينات والسبعينات من القرن العشرين عندما كان هناك اهتمام ملحوظ ببروز الوعي "بالجذور" الأفريقية. ومن جهة أخرى، يمكننا أن نناقش جدلاً بأن القبول والتأثير الواسع للأوجه "غير الغربية" في موسيقى براون، وفرت الأساس للطفرة الأخيرة من الاهتمام بموسيقى عالمية متعددة الأنواع.
أريثا فرانكلين
مرت أريثا فرانكلين، مثلها مثل راي تشارلز وجيمس براون، بفترة طويلة من "التدرب" قبل أن تحقق نجاحها كنجمة غناء شعبي عام 1967. بعد قضاء حياة مهنية أقل من نجومية في شركة إسطوانات كولومبيا ريكوردز، من عام 1960 إلى عام 1966، انتقلت إلى شركة الإسطوانات أتلانتيك ريكوردز حيث شجعها كل من أحمد أرتغون وجيري ويكسلر، على تسجيل مواد قوية تناسب جيداً صوتها المتألق ووظفا موسيقيين من النجوم ومغنين عاطفيين لمساندتها. وبقية القصة، كما يقال، باتت جزءا من التاريخ. ابتداءً من أغنية "لم أحب أبداً رجلاً (بالطريقة التي أحبك بها)" عام 1967، أنتجت فرانكلين سيلاً استثنائياً من الإسطوانات الناجحة خلال فترة خمس سنوات شملت 13 إسطوانة باعت الملايين و13 إسطوانة احتلت مركزاً بين أكثر الإسطوانات العشر الأكثر مبيعاً لأغاني البوب. ورغم أن أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن العشرين شهدت هبوطاً في مرتبة فرانكلين كإحدى أنجح المغنيات، إلاّ أن اسمها لم يغب أبداً عن قوائم الإسطوانات الأكثر مبيعاً، وحملت لها منتصف الثمانينات من القرن العشرين إعادة انبعاث لشعبيتها. وفي عام 1994، كان اسم فرانكلين لا يزال حاضراً على قوائم الإسطوانات الأكثر مبيعاً.
ترعرعت فرانكلين مع موسيقى التراتيل الإنجيلية، فقد كان والدها قساً لرعية معمدانية كبيرة في ديترويت. وأول أغنيات مسجلة لفرانكلين كانت لها كمؤدية للتراتيل الإنجيلية وهي في الرابعة عشرة من عمرها، وكانت تعود أحياناً إلى تسجيل التراتيل الإنجيلية في منتصف سنوات حياتها المهنية كمغنية بوب. والأكثر تألقاً من هذه الموسيقى كان ألبوم "أميزينغ غريس" (1972) الذي سُجل حياً في كنيسة. قدم هذا الألبوم أعداداً لا تحصى من هواة موسيقى البوب إلى قوة موسيقى التراتيل الإنجيلية. وكان الألبوم من بين الألبومات العشرة الأكثر مبيعاً، وهو الألبوم الذي ?قق أكبر نجاح طوال حياة فرانكلين المهنية. فقد بيعت منه أكثر من مليوني نسخة.
الأمر الأكثر أهمية بالنسبة لأريثا فرانكلين كان القوة الغامرة والعاطفية الشديدة في أدائها الصوتي. فقد نفخ صوتها نسمات هائلة من الهواء النقي في ثقافة البوب التي كانت تُعرِّف المغنيات النساء بالرقة، واللين، والعاطفية. وعندما كانت تطالب "بالاحترام" أو تحضّ مستمعيها على "التفكير بماذا تحاولون أن تفعلوا بي"، كانت قوة أدائها تنقل أغانيها إلى مكان أبعد من عالم العلاقات الشخصية إلى المجالات السياسية والاجتماعية الأوسع. ولا سيما ضمن سياق أواخر الستينات من القرن العشرين، عندما كانت حركات الحقوق المدنية والقوة السوداء في أوج نشاطها، ومع بدء تحرك حركة تمكين النساء، كان من الصعب عدم سماع التداعيات الكبيرة الحجم في إسطوانات هذه المرأة الاستثنائية الأميركية الأفريقية. رغم أن أريثا فرانكلين لم تصبح شخصية سياسية علنية، فقد قدمت بيانات سياسية واجتماعية قوية من خلال سمات أدائها.
لم تكن فرانكلين مجرد مغنية على إسطواناتها بل كانت أيضاً مشاركة رئيسية في أوجه عديدة من عمليات تسجيل الصوت والإنتاج. كتبت أو شاركت في كتابة جزء مهم من ذخيرتها الموسيقية الغنية. فهي عازفة بارعة على البيانو ويمكن الاستماع لعزفها على البيانو بوضوح في العديد من إسطواناتها. كما أنها زودت أيضاً توزيعات صوتية ملونة بأسلوب النداء والاستجابة وفق تقاليد التراتيل الإنجيلية التي ترعرعت في أحضانها.
رمزت فرانكلين إلى المرأة المتمكنة ليس في صوت إسطواناتها فحسب، بل وأيضاً في عملية صنعها. ففي الوقت الذي سجلت فيه لحنها المسمى "الأخوات يصنعن ذلك لأنفسهن" عام 1985، كانت تسرد قصة حقيقية حدثت لها منذ مدة طويلة. ففي الستينات من القرن العشرين، كان تمكين المرأة شيئاً جديداً مهماً في حقل موسيقى البوب. ولم يفقد حداثته أو أهميته مع الجيل الصاعد من المغنيات ومؤلفات الأغاني، مثل لورا نايرو وجوني ميتشل، اللواتي بدأ صعودهن إلى الشهرة مباشرة في أعقاب النجاح الساحق لأعمال أريثا فرانكلين على قوائم الاسطوانات الأكثر مبيعاً.
[اقتبس هذا المقال من كتاب "الموسيقى الشعبية الأميركية: من الغناء على أنغام الغيتار إلى أم بي3" بقلم لاري ستار وكريستوفر واترمان، نشرته دار نشر جامعة أوكسفورد، حقوق النشر محفوظة (2003، 2007)، وقدمه مكتب برامج الإعلام الخارجي على شكل نشرة موجزة].