الفنون| إعادة تشكيل الأفكار، التعبير عن الهوية

12 آب/أغسطس 2009

الهيب هوب: أغنية الراب "رابرز ديلايت"

الأميركيون المدينيون ينهلون من التقاليد الأفريقية لصياغة صوت أصيل

 
غراند ماستر فلاش، الخلف الوسط، و
غراند ماستر فلاش، الخلف الوسط، و"الخمسة الغاضبون"، بعد أن أدخلوا إلى قاعة مشاهير الروك أند رول 2007.

من بين جميع أنواع الموسيقى الشعبية،  تثر أي منها ذاك القدر من الجدل والنقاش العام الحماسي أكثر من موسيقى الراب. تميزت موسيقى الراب بكونها  تشكل رابطاً حيوياً في سلسة التواصلات الثقافية والموسيقية بين أفريقيا والأميركيتين، والتي تعود إلى عدة قرون، وكصوت أصيل لطبقة دنيا مدينية مضطهدة، وكشكل يستغل الصور النمطية القديمة العهد بالنسبة إلى السود. وواقع الأمر أن كل واحدة من وجهات النظر هذه تقدم لنا شيئاً حول تاريخ ومعنى موسيقى الراب.

تستمد موسيقى الراب مضمونها من الموسيقى والتقاليد الشفهية الأفريقية. واستمراريتها العميقة مع الموسيقى الأميركية الأفريقية تشمل التشديد على الزخم والإبداع الإيقاعي، وتفضيلها للألوان النغمية المعقدة والنسيج المكثف، والتقدير العميق للمهارة الارتجالية (في الكلمات والموسيقى)، والمقاربة الدمجية المبتكرة للتقنيات الموسيقية.

يُشكِّل جزء كبير من موسيقى الراب بالفعل استجابة ثقافية للاضطهاد والتمييز العنصري التاريخي، ونظاما للتواصل بين المجتمعات الأهلية السوداء عبر الولايات المتحدة. (أي "أنها أصبحت بمثابة محطة سي إن إن للسود في أميركا"، كما وصفها في إحدى المرات مغني موسيقى الراب، تشاك دي)، ومصدراً للتبصر في قيم، ومفاهيم، وأحوال الناس الذين يعيشون في المجتمعات الأهلية المدينية المعزولة في أميركا. وأخيراً، وعلى الرغم من أن أصول ومصدر وحي موسيقى الراب تنساب من الثقافة السوداء، فما من شك أن جمهور مستمعي هذا النوع من الموسيقى قد أصبح متعدد الأعراق، ومتعدد الثقافات، ويتخطى الحدود القومية. وفي الحين الذي تحولت فيه موسيقى الراب من ظاهرة محلية قائمة في أحياء قليلة في مدينة نيويورك إلى صناعة تقدر قيمتها بعدة ملايين الدولارات، وإلى ظاهرة ثقافية عالمية، فإنها تطورت لتصبح معقدة أكثر ومتعددة الوجوه أكثر.

برزت موسيقى الراب في بادئ الأمر خلال السبعينات من القرن العشرين كجزء من ثقافة معقدة تسمى الهيب هوب. كانت ثقافة الهيب هوب، التي تمت صياغتها على أيدي شباب أميركيين أفريقيين وأميركيين من دول البحر الكاريبي يقطنون مدينة نيويورك، تتضمن أساليب مميزة من الفن المرئي (الرسوم الغرافيتية على الجدران) والرقص (الأسلوب البهلواني المنفرد المسمى "بريك دانسينغ" والرقص الثنائي الحماسي المُسمى "ألفريك") كما الموسيقى، والملابس، والكلام. كانت موسيقى الهيب هوب في البدء ظاهرة محلية، تركزت في أحياء معينة في البرونكس، التي تعتبر أكبر المناطق المحرومة اقتصادياً في مدينة نيويورك.

البالغون الشباب الذين مهدوا الطريق أمام أساليب موسيقى الهيب هوب، مثل البريك دانسينغ وموسيقى الراب في الملاهي الليلية، وحفلات الشوارع، والحدائق العامة في المدينة، كانوا ينتمون في أحيان كثيرة إلى مجموعات اجتماعية غير رسمية تسمى "طواقم" أو "جماعات المعجبين"، وكل واحدة منها ترتبط بحي مُعيّن أو شارع معين. من المهم أن نفهم أن ثقافة الهيب هوب بدأت كتعبير عن الهويات المحلية. وحتى في إسطوانات موسيقى الراب التي حققت مبيعات أهّلتها لتصبح مراراً عديدة إسطوانات بلاتينية متفوقة، والتي تمّ تسويقها عبر العالم، فهي مليئة بالإشارات الداخلية إلى أحياء معينة، ومزايا المشهد المديني، والمجموعات والشبكات الاجتماعية.

فإذا كانت موسيقى الهيب هوب رفضاً لموسيقى الرقص السائدة من قبل المستمعين الشباب السود والبورتوريكيين، فقد تمّ تشكيلها بعمق أيضاً على أيدي تقنيات لاعبي إسطوانات الديسكو. كان أوائل مشاهير موسيقى الهيب هوب، وهم كول هيرك (كلايف كامبل)، غراند ماستر فلاش (جوزيف سادلر) وأفريكا بامباتا (كيفن دونوفان)، وجميعهم من لاعبي الإسطوانات بدأوا عملهم المهني في منتصف السبعينات من القرن العشرين يشغلون الإسطوانات في حفلات شوارع الأحياء، وللرقص في قاعات الألعاب الرياضية (الجمنازيوم)، وفي نوادي الرقص، وفي أماكن عامة كمراكز المجتمعات الأهلية، والحدائق العامة. طوّر هؤلاء الشبان الثلاثة، وعشرات غيرهم من لاعبي الإسطوانات الأقل شهرة المنتشرين عبر منطقة البرونكس وهارلم ومناطق أخرى في مدينتي نيويورك ونيو جرزي، أساليبهم الخاصة ضمن شبكة من التنافس الشرس لتحقيق الشهرة والافتخار في الحي الذي ينتمون إليه.

يتدرب لاعبو الإسطوانات في المستقبل فن
يتدرب لاعبو الإسطوانات في المستقبل فن "الخدش"، فن التلاعب بإبرة القرص الدوار على إسطوانة.

تمّ للمرة الأولى تكييف تقنية لاعبي ‘سطوانات الديسكو في "المزج" بين قرصين دوارين لتشغيل الإسطوانات من أجل تنفيذ تحولات سلسة بين الإسطوانات لتتوافق مع جماليات موسيقى الهيب هوب وذلك على يد كول هيرك، الذي هاجر من كينغستون، في جاميكا إلى مدينة نيويورك وعمره لا يتجاوز 12 سنة. لاحظ هيرك أن الراقصين الشباب بين جمهوره يستجيبون بحماس أكبر خلال ما يسمى بالفواصل في إسطوانات موسيقى الفانك والسالسا، وهي أقسام قصيرة يتم خلالها عزل اللحن لتمييز قسم الإيقاع. استجاب هيرك لذلك بعزل الفواصل في بعض الإسطوانات الشعبية، مثل إسطوانة جيمس براون "غت أون ذي غود فوت"، ومزجها في وسط إسطوانات رقص اخرى. عرفت هذه الملصقات الصوتية الإيقاعية فيما بعد بموسيقى "بريك بيت"، وهي عبارة تحولت بالتالي إلى عبارة  "بريك دانسينغ"، وهذه تأديات بهلوانية منفردة ارتجلها شباب فرقة "بي-بويز"، الذين كانوا يحضرون حفلات رقص موسيقى الهيب هوب.

ساعد أسلوب مبتكر آخر في تشكيل صوت وحساسية موسيقى الهيب هوب الأولى: تحويل القرص الدوار لتشغيل الإسطوانات من واسطة لإعادة لعب صوت مسجل إلى آلة موسيقية يمكن لعب الموسيقى عليها. في أحد الأيام، في منتصف السبعينات من القرن العشرين، بدأ كول هيرك بوضع نسختين من نفس الإسطوانة على قرصين دوارين. ومن خلال التناوب  بين القرصين الدوارين، وجد هيرك أن بامكانه عكس الإسطوانة إلى الوراء (إرجاعها إلى الوراء أو بعكس اتجاه دوران عقارب الساعة بإحدى يديه) بينما تواصل الأخرى اللعب عبر مكبرات الصوت. سمح ذلك له بتكرار فاصل معين المرة تلو المرة من خلال التناوب بين الإسطوانتين وإرجاع الإسطوانة إلى بداية الفاصل. صقل هذه التقنية الغراند ماستر فلاش، مستعملاً أساليب المزج التي يتبعها لاعبو إسطوانات الديسكو، ولا سيما لناحية استعمالهم سماعات الرأس من أجل تأمين التزامن بين درجات السرعة للإسطوانات، وخلق تحولات هادئة من إيقاع راقص إلى إيقاع آخر. وباستعمال سماعتي الرأس، أصبح بإمكان فلاش أن يحدد بدقة أكبر بداية الفاصل من خلال الاستماع إلى صوت الإسطوانة وهي تدار إلى الوراء على القرص الدوار. أمضى فلاش العديد من الساعات وهو يتدرب على هذه التقنية واكتسب شهرة محلية لمهارته في إدخال أقسام قصيرة من الأصوات تشبه المدفع الرشاش.

وقد تّم تطوير تقنية جديدة سميت "Ãلخدش" من جانب الشاب ثيودور الذي كان تحت رعاية فلاش، وانفصل عنه ليشكل مجموعته الخاصة لموسيقى الهيب هوب وهو في سن 13 عاماً. في عام 1978، ابتكر ثيودور تقنية جديدة انتشرت بسرعة عبر مجتمع فرسان الإسطوانات. فخلال تدربه على إعادة الإسطوانة إلى الوراء في غرفته، بدأ ثيودور يوجه اهتماماً أوثق إلى الأصوات التي نشأت في سماعتي رأسه وهو يدير الإسطوانة بعكس اتجاه دوران عقارب الساعة. واكتشف سريعاً أن هذه التقنية تولّد تأثيرات صوتية خدشية ونقرية يمكن إدخالها في الإيقاع الراقص. لم يكن ثيودور في بادئ الأمر متأكداً من كيفية تفاعل الناس مع هذا العمل. قال ثيودور:

"كانت قاعة الرقص في الجادة الثالثة مكتظة بالحضور وتصورت بأني قد أستطيع أن أجرب هذه التقنية. لذلك وضعت نسختين من إسطوانة "سكس ماشين" (جيمس براون) وبدأت الخدش على واحدة منهما. عشق الجمهور ذلك ... وهاجوا طربا."

الصوت المميز لتقنية الخدش أصبح جزءاً مهماً من اللوحة الصوتية لموسيقى الهيب هوب، حتى في التسعينات من القرن العشرين، بعد أن حل جمع العينات الرقمية الموسيقية إلى أكبر حد محل الأقراص الدوارة كوسيلة لخلق التركيبات الموسيقية وإيقاعات موسيقى الرقص على إسطوانات الراب، وقد استعمل المنتجون في أحيان كثيرة هذه الأصوات كطريقة للإشارة إلى صلتها بأصول "المدرسة القديمة" لموسيقى الهيب هوب.

مع أن جميع لاعبي الإسطوانات استعملوا الميكروفون لإطلاق الإعلانات، كان "كول هيرك" أيضاً واحدا من أوائل لاعبي الإسطوانات الذين يسردون جملاً إيقاعية خلال "الفواصل" التي كان ينتجها على أقراص إسطواناته. استندت بعض "رابات" هيرك إلى تقليد الأداء الشفهي المسمى "توستينغ"، وهو شكل من السرد القصصي الشاعري تعود جذوره إلى قصص المحتالين من غرب أفريقيا. المحتال وهو شخصية ماكرة يتمثل هدفه الرئيسي في الحياة بتحدي السلطة وقلب النظام الطبيعي للأشياء، وقد أصبح شخصية منتشرة في تقاليد سرد القصص التي يتبعها الأرقاء السود في الولايات المتحدة، حيث اكتسب أهمية إضافية كرمز لاستمرار البقاء الثقافي والمقاومة السرية. بعد انتهاء الحرب الأهلية، حل جزئياً محل شخصية المحتال أشخاص ذكور أكثر عدائية وأصبحوا نقطة تركيز القصص الشاعرية شبه الارتجالية الطويلة، التي تسمى "توست". كان تقليد "التوستينغ" مركزاً بتكرار على "الرجال الأشرار"، قطّاع الطرق الذين يسلبون ولا يرحمون والعاشقون المرفوضون بازدراء والمنتصرون على أعدائهم، أحياناً بفضل ذكائهم ولكن في أحيان كثيرة من خلال ممارسة العنف الجسدي.

رغم أن تقليد توستينغ اختفى بدرجة كبيرة من المجتمعات الأهلية السوداء بحلول السبعينات من القرن العشرين، لكنه تجذّر في السجون حيث وجد السجناء السود أن الشكل السردي القديم يناسب تجاربهم الحياتية وظروفهم الحالية. أحد المصادر الرئيسية للألحان التي ألفها لاعبو الإسطوانات الأوائل لموسيقى الهيب هوب في البرونكس كان ألبوم بعنوان "هاسلرس كونفنشن" (1973) الذي سجله جالا أوريدين، قائد مجموعة من السجناء السابقين المتشددين عرفوا باسم "آخر الشعراء". كان "هاسلرس كونفشين" صورة آسرة "للحياة" – للعالم السفلي المديني للمقامرين، والقوادين، والمحتالين – عبر إسطوانات السجن التي تحمل عناوين مثل "محكوم عليه بالإعدام على الكرسي الكهربائي". حصلت هذه الإسطوانة التي تميزت بمصاحبة موسيقية من جانب مجموعة من أكبر نجوم موسيقى الفانك والسول والجاز على شعبية هائلة في البرونكس وألهمت كول هيرك وغيره من لاعبي الإسطوانات على تأليف ألحانهم الخاصة. وما لبث أن بدأ لاعبو الإسطوانات يجندون أعضاء جماعتهم ليعملوا كمؤدين شفهيين أو أم سيز (MC) (رمز مختصر لعبارة "مذيع الحفلة"). لعب مذيعو الحفلات دوراً مهماً في السيطرة على سلوك جماهير الحضور في حفلات الرقص الكبيرة المتزايدة حيث كان لاعبو الإسطوانات يؤدون عملهم، وما لبث وأن أصبح مذيعو الحفلات هؤلاء أكثر شهرة من لاعبي الإسطوانات أنفسهم. فإذا كان لاعبو الإسطوانات هم أسلاف منتجي موسيقى الراب اليوم، أي المسؤولين عن تشكيل البنية الموسيقية والإيقاع، فإن مذيعي الحفلات هم أسلاف عازفي موسيقى الراب المعاصرين.

[اقتبس هذا المقال من كتاب "الموسيقى الشعبية الأميركية: من الغناء على أنغام الغيتار إلى أم بي3" بقلم لاري ستار وكريستوفر واترمان، نشرته دار نشر جامعة أوكسفورد، حقوق النشر محفوظة (2003، 2007)، وقدمه مكتب برامج الإعلام الخارجي على شكل نشرة موجزة].

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي