الفنون| إعادة تشكيل الأفكار، التعبير عن الهوية

11 آب/أغسطس 2009

الموسيقى: قطاع الأعمال التجارية

نقل الموسيقى إلى الناس

 

من أجل فهم تاريخ الموسيقى الشعبية الأميركية، علينا أن نتعلم طبيعة العمل في قطاع الموسيقى. إنتاج الموسيقى الشعبية يشمل نموذجياً عمل العديد من الأفراد الذين يؤدون أدواراً مختلفة.

تُشكِّل الأعمال في قطاع الموسيقي إنتاج الموسيقى الشعبية والوسائل التي تُنقل بواسطتها إلى المستهلك. كانت النوتات الموسيقية المطبوعة ابتداءً من القرن التاسع عشر وحتى العشرينات من القرن العشرين هي الوسيلة الرئيسية لنشر الأغاني الشعبية بين جماهير المستمعين. كانت هذه العملية تتضمن في العادة شبكة معقدة من الناس والمؤسسات: المؤلف الموسيقي، وكاتب كلمات الأغنية، وشركة النشر التي اشترت حقوق تسجيل وبيع هذه الأغنيات، ومروجو الأغاني الذين روجوا للأغنية في المتاجر وأقنعوا نجوماً كبار بإدخالها في استعراضاتهم الفنية، والنجوم بحد ذاتهم الذين عملوا في أحيان كثيرة في استعراضات تنقلت في جولات فنية عبر مسارح تملكها مؤسسات أخرى، وهكذا دواليك، حتى الوصول إلى المستهلك الذي ابتاع نوتات الموسيقى المطبوعة وعزفها في منزله.

وقد ساهم ظهور الراديو، والتسجيلات، والأفلام السينمائية التي شكلت الوسائل الأولية لنشر الموسيقى في إضافة طبقات عديدة جديدة من التعقيدات على هذه العملية. وفي يومنا هذا يشارك مئات من الأفراد في إنتاج الموسيقى التي نستمع إليها. في الموسيقى الشعبية السائدة، لا يزال الملحن وكاتب كلمات الأغنية أو الشاعر الغنائي يحتلان أهمية كبرى. كما يُعاد العمل على الأغاني التي ألفوها كي تتكامل مع القوة الصوتية لمغن معين وذلك على يد منسق الموسيقى الذي يقرر ما هي الآلات التي يجب استعمالها لمرافقة أدائه، وما هي طبقة الصوت التي يجب أن تستعمل في أداء الأغنية، وكم مرة يجب تكرارها، ومجموعة من عشرات التفاصيل الأخرى. الموظفون المسؤولون عن اكتشاف الفنانين وذخيرتهم الموسيقية لدى شركة الإسطوانات يبحثون عن المواهب ويقومون في أحيان كثيرة بزيارة الملاهي الليلية وجلسات التمرين للاستماع إلى الفرق الجديدة. ويلعب منتج الإسطوانات عدة أدوار: إقناع مجلس الإدارة في شركة الإسطوانات بدعم مشروع معين، وتحديد شكل عملية تطوير "الموهبة" الجديدة، وفي أحيان كثيرة التدخل مباشرة في عملية التسجيل. ويعمل المهندسون في الاستديو ويتخذون مئات القرارات المهمة حول التوازن فيما بين الصوت والآلات، واستعمال التأثيرات الصوتية كالصدى والارتجاع، وعوامل أخرى تُشكُِّل "الصوت" الإجمالي للإسطوانة. وتقوم الدائرة الإعلامية بتخطيط الحملة الإعلامية، أما دائرة العلاقات العامة فتتولى العلاقة مع الصحافة.

يصور بروز موسيقى الروك أند رول في الخمسينات من القرن العشرين كيف تكيّف هذا النموذج مع التغيرات الطارئة على التكنولوجيا والذوق الشعبي وظهور ثقافة شابة متزايدة التأثير. ساعدت الحيوية الإجمالية للاقتصاد الأميركي بعد الحرب العالمية الثانية في رفع أرباح قطاع الصناعة الترفيهية إلى مستويات جديدة. وازدادت مبيعات آلات لعب الإسطوانات وأجهزة الراديو بدرجة ذات شأن بعد انتهاء الحرب؛ حيث ارتفع إجمالي قيمة المبيعات السنوية من الإسطوانات في الولايات المتحدة من 191 مليون دولار عام 1951 إلى 514 مليون دولار في العام 1959. ورافق هذا الازدياد تنوع تدريجي للأذواق الشعبية السائدة وعودة ظهور شركات إسطوانات مستقلة كان الكساد العظيم قد قضى عليها قبل حوالي 20 سنة. معظم هذه الشركات الصغيرة، التي أسسها أصحاب مبادرات في قطاع الأعمال في نيويورك ولوس أنجلوس، كما في مراكز ثانوية مثل شيكاغو، سينسيناتي، ناشفيل، ممفيس، ونيو أورلينز، كانت متخصصة بإنتاج إسطوانات الإيقاع والبلوز والموسيقى الريفية وموسيقى الغرب (الوسترن) التي كانت قد بدأت تجذب جماهير شعبية على المستوى القومي. وكان ينظر إلى هذه العملية بمزيج من الاهتمام والحذر من جانب مدراء شركات الإسطوانات الكبيرة (مثل أر سي أي فيكتور، كابيتول، ميركوري، كولومبيا، أم جي أم، وديكا)، التي استمرت في التخصص بصورة رئيسية بموسيقى جماعة "تين بان" التي يؤديها مغنون عاطفيون. تمكنت بعض الشركات الكبيرة، مثل شركة ديكا، التي حققت الملايين من الدولارات من مبيعات إسطوانات الإيقاع والبلوز والموسيقى الريفية، من إنتاج بعض أوائل الإسطوانات الناجحة لموسيقى الروك أند رول. تمهّلت شركات كبيرة أخرى لمدى سنتين قبل أن تتفاعل مع ظهور موسيقى الروك أند رول. فعلى سبيل المثال، احتلت شركة آر سي أي فيكتور المركز الأول في قائمة الأغاني الأكثر رواجاً في عام 1956 بفضل أغنية كاي ستار "روك أند رول والتز" (وهي أغنية تصف مراهقة تراقب والديها وهما يحاولان الرقص على أنغام هذه الموسيقى الجديدة، ترافقها موسيقى تشبه موسيقى الفالس التي تعزف في قاعات الرقص أكثر مما تشبه موسيقى الروك أند رول). ولكن أر سي أيه وقّعت أيضاً اتفاقاً مع مغني الروك ألفيس بريسلي وباشرت العمل لتحويله إلى معبود النساء في هوليوود وأول نجم أصيل لموسيقى الروك أند رول.

سجلت قوائم مبيعات الإسطوانات التي تصدر في منشورات دورية لصناعة الموسيقى مثل "بيل بورد" و"كاش بوكس" خلال الخمسينات من القرن العشرين التغييرات في الأذواق الشعبية، ودور المؤشرات في توجيه أنواع هامشية سابقة من الموسيقى إلى التيار السائد للموسيقى الشعبية، وفي ظهور سوق مراهقين جديدة. كشفت القوائم أيضاً عن نمط معقد من التنافس بين الأنواع الموسيقية. فعلى سبيل المثال، لننظر إلى قوائم مبيعات الإسطوانات التي نشرتها "بيل بورد" في 9 تموز/يوليو 1955، عندما أصبحت أغنية "روك أروند ذي كلوك" بيل هالي وفرقة الكومتس  أول أغنية روك أند روك تحتل المركز الأول على قائمة "أفضل المبيعات في المتاجر". يشير مؤرخو موسيقى الروك إلى هذا الحدث على أنه حدث ثوري، أو بداية عصر في الثقافة الشعبية الأميركية. لكن كانت هناك إسطوانتان مختلفتان للغاية تذكران بالأنواع الأولى من الموسيقى الشعبية قد احتلتا المركز الأول على قائمة الأغنيات المذاعة عبر أجهزة لعب الإسطوانات (جوك بوكس) والراديو في 9 تموز/يوليو، وإحداهما كانت الأغنية الراقصة الأميركية اللاتينية، "شيري بينك وأبل بلوسوم وايت"، التي غناها بيريز برادو وفرقة الأوركسترا التابعة له. والثانية كانت أغنية "ليرنينغ ذي بلوز" التي غناها المطرب العاطفي فرانك سيناترا، الذي عمل في السابق مع فِرَق كبرى، بمرافقة نيلسون ريدل والأوركسترا الموسيقية الخاصة به. وحتى لا نفترض بأن هذا التباين الكبير في الأساليب كان يمثل نزاعاً هائلاً بين شركات الإسطوانات الصغيرة والكبيرة، يجب أن نشير إلى أن جميع هذه الإسطوانات الثلاث قد أطلقتها شركات إسطوانات كبرى (ديكا، وآر سي أي فيكتور، وكابيتول، على التوالي).

الإسطوانة التي أخرجت أغنية "روك أروند ذي كلوك" من مركزها الأول بعد شهرين من نيلها المركز، كانت أغنية "ذي يلو روز أوف تكساس" (وهي أغنية شعرية من القرن التاسع عشر)، التي غنتها فرقة ميتش ميلر سينغرز وفق أسلوب مشترك للغناء قديم الطراز بشكل معتمد. كان ميلر المدير والنافذ والقµي لدائرة اكتشاف الفنانين وتطويرهم الفني في شركة إسطوانات كولومبيا، وفي ذلك الدور ساعد في تأسيس الحياة المهنية لمغنين عاطفيين مثل دوريس داي، وطوني بينيت، وفرانكي لاين. وكان أيضا عدواً لموسيقى الروك أند رول ولنفوذها المتزايد على برامج راديو "الإيه إم" التي كان يسخر منها ميلر لكونها موجهة إلى الأطفال "الذين تتراوح أعمارهم بين بعمر 8 و14 سنة، الذين يشكلون نسبة تبلغ 12 في المئة من سكان البلاد، ونسبة صفر بالمئة من القدرة الشرائية." ليس من الصعب فهم غضب ميلر لسيطرة قوائم الأغاني الأربعين التي تحتل المراتب الأولى على محطات الإذاعة، فهي كانت قوائم محددة مسبقاً لأغاني عدد محدود من الفنانين، تدعمهما في أحيان كثيرة رشاوى من مسؤولين في شركات إسطوانات إلى موظفين في محطات الإذاعة. يستطيع المرء أن يرى محطات "الإف إم" الحرة في أواخر الستينات من القرن العشرين، كما صعود محطات بديلة في الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين، حيث كان لفارس الإسطوانات الحرية في بث موسيقى انتقائية ومتحدية في أحيان كثيرة، بمثابة ردود فعل مماثلة لميلر ضد مفهوم قائمة أكثر الإسطوانات رواجاً. ولكن رفضه الاعتراف بسوق المراهقين، لم يكن سوى قصر نظر. فقد أظهرت عملية استطلاع أجريت في عام 1958 لأنماط الشراء السائدة لدى التسع عشرة مليون مراهق  في الولايات المتحدة أنهم أنفقوا ما مجموعه تسعة بلايين دولار سنوياً، وأثّروا بقوة على خيارات والديهم في شراء كل شيء من معجون الأسنان إلى الأطعمة المعلبة إلى السيارات، وآلات الفونوغراف. وبالطبع، فقد اشتروا الملايين من الإسطوانات.

[اقتبس هذا المقال من كتاب "الموسيقى الشعبية الأميركية: من الغناء على أنغام الغيتار إلى أم بي3 (MP3)" بقلم لاري ستار وكريستوفر واترمان، نشرته مطبعة جامعة أوكسفورد، حقوق النشر محفوظة (2003، 2007)، وقدمه مكتب البرامج الإعلام الخارجي على شكل نشرة موجزة).

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي