10 آب/أغسطس 2009
اختصاصيون عديدون يلعبون دوراً حيوياً في إنتاج وترويج الموسيقى الشعبية
قبل أن تصل الموسيقى إلى المتاجر وتُبث على أمواج الأثير، يلعب وكلاء الأعمال ومنتجو أفلام الفيديو، وفنانو التصميم، ومحررو نصوص الأغاني، ومتاجر الإسطوانات، وعمال المسارح، وسائقو الشاحنات، وشركات قمصان التي شيرت، وشركات إنتاج الآلات الموسيقية، والتي تملكها في أحيان كثيرة نفس الشركات التي تنتج الإسطوانات، دوراً حيوياً في إنتاج وترويج الموسيقى الشعبية في يومنا هذا. من الصعب معرفة أين يمكننا رسم حدود هذه الصناعة التي دخلت نواح عديدة من نواحي التجارة والثقافة.
علاوة على ذلك، فإن العديد من الأدوار الواردة أعلاه أصبحت متشابكة مع بعضها البعض بطرق معقدة. فعلى سبيل المثال، يعمل كوينسي جونز مغنيا، وكاتب أغنيات، ومنسقا موسيقيا، ومنتجا (يتخذ الكثير من القرارات الهندسية)، ومسؤولا تنفيذيا لماركة إسطوانات. ويعني التوفر الأوسع لمعدات التسجيل الرقمي أن بعض المغنين يمكنهم أيضاً العمل كمنسقي موسيقى، ومنتجين، ومهندسين لأعمالهم بالذات (يُشكِّل ستيفي ووندر وبرنس، أمثلة جيدة عن هذا النوع من تداخل الأدوار).
الفيلسوف الألماني ثيودور أدورنو، الذي انتشرت كتاباته في الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين، انتقد بشدّة تأثيرات الرأسمالية والتصنيع على الموسيقى الشعبية. فقد اعتبر أن صناعة الموسيقى تروِّج للوهم القائل بأننا جميعا أفراد مستقلون بدرجة عالية وأذواقنا الشخصية هي التي تحدد هويتنا: "أنا أهوى الموسيقى الريفية"، "أنت تهوى موسيقى الميتال". وفي الواقع، كما جادل أدورنو، فإن الصناعة تتلاعب بمفهوم الذوق الشخصي لإغرائنا على شراء منتجاتها. وفي رأي أدورنو فإن التمثّل العاطفي بالنجوم المتفوقين الأثرياء الذين يظهرون على شاشة التلفزيون وفي الأفلام السينمائية، أي ما يسمى بظاهرة "التمثل بأسلوب حياة الأغنياء والمشاهير"، يُشكِّل بديلاً سيئاً للعلاقات الإنسانية الأخلاقية والاجتماعية التي تتصف بها عادةً المجتمعات الأهلية السليمة.
كان أدورنو محقاً من بعض النواحي: فالأميركيون هم على الأرجح فرديون أقل مما هم مستعدون للاعتقاد، ومن الصحيح في أحيان كثيرة أن شركات تسجيل الإسطوانات تخدعنا بشراء أحدث الأشياء على أساس وجود فروق طفيفة في الأسلوب الموسيقي، تقريباً مثل التغييرات الطفيفة على تصاميم الطرازات المختلفة من السيارات، أو أجهزة أم بي3 (MP3)، أو أحذية كرة المضرب. ومن الصحيح أيضاً أن التجربة الشخصية للاستماع عبر سماعات الرأس، أي مثل تجربة القيادة وحيداً في سيارة مقفلة النوافذ، يمكن أن تعزل الناس عن بعضهم البعض.
ولكن المسألة أبعد من ذلك. ما عليك سوى طرح السؤال على أي شخص عمل في قطاع الموسيقى وأصيب بقرحة وهو يحاول التكهن بما سوف يكون عليه الاتجاه العام التالي. فبالمقارنة مع صناعات أخرى تنتج سلعاً استهلاكية، لا يمكن التكهن بما يحدث في قطاع الموسيقى. واليوم لا تحقق ربحاً سوى إسطوانة واحدة تقريباً من كل ثماني إسطوانات يتم إنتاجها. المفروض على إسطوانة بلاتينية واحدة، إسطوانة مثل أغنية "ثريللر" لمايكل جاكسون، أو "لايك أي فيرجن" لمادونا، أو "نيفرمايند" لنيرفانا، أو إسطوانة "ذي كرونيك"، لدكتور درو، أن تعوض عن مئات الإسطوانات غير المربحة التي يسجلها موسيقيون غير معروفين أو نجوم تلاشت شهرتهم. وعندما يسعى المسؤولون التنفيذيون إلى ضمان أرباحهم من خلال إنتاج نسخة معدلة "من نفس الشيء القديم"، فإنهم ينظرون أيضاً بأعصاب متوترة إلى الهوامش المنسية لتحديد آخر الاتجاهات والاستفادة منها.
العلاقة بين شركات الإسطوانات الكبرى، التي تملك قدراً كبيراً من رأس المال والسلطة، وما يسمى "الإنديز"، أو شركات الإسطوانات الصغيرة المستقلة التي تعمل في أسواق هامشية، هذه العلاقة شكّلت عاملاً مهماً في تطور الموسيقى الشعبية. وفي معظم الحالات، لعبت الشركات الرئيسية دوراً محافظاً، ساعية لتأمين الأرباح من خلال إنتاج موسيقى يمكن التكهن به (قد يصفها البعض بالموسيقى "الباهتة") لجمهور كبير من أعضاء الطبقة الوسطى. هذه الشركات المستقلة الصغيرة، التي يديرها رجال أعمال خاصة، كثيراً ما كانت أكثر جرأة، وتبحث عن مواهب جديدة، وتخلق أسواقاً مربحة متخصصة، وتدخل أساليب جديدة إلى التيار الموسيقي السائد. معظم هذه الأسماء الصغيرة هي التي نشرت في الأساس شعبية موسيقى البلوز، الموسيقى الريفية، موسيقى الإيقاع والبلوز، الروك أند رول، الفانك، موسيقى "السول"، الريغي، البانك روك، الراب، الغرانج، وورلد بيت، وأساليب أخرى "بديلة". وفي بعض الحالات نمت هذه الشركات الصغيرة لتصبح كبيرة وقوية. وأحد الأمثلة التي تؤكد ذلك هي شركة أتلانتيك ريكوردز التي بدأت عملها كشركة لموسيقى الإيقاع والبلوز في أواخر الأربعينات من القرن العشرين ونمت لتصبح شركة كبرى تتعامل بملايين الدولارات.
واليوم، تمددت العلاقة بين الشركات الصغيرة والشركات الرئيسية عبر أرجاء الكرة الأرضية، وأصبحت خمس شركات كبرى (واحدة منها فقط يقع مركزها الرئيسي كثر جرأة، تبحث عن مواهبمربحة متخصصة وتغذي اساليبافي الولايات المتحدة) تسيطر على نسبة 75 بالمئة من التجارة المشروعة في العالم للموسيقى المسجلة تجارياً. اشترت كل واحدة من هذه الشركات الدولية العديد من الشركات الصغيرة، واستعملتها كحاضنات للمواهب الجديدة، وهو نظام يذكّر بالعلاقة بين فِرَق البيسبول الرئيسية والثانوية.
من غير المرجح أن يكون هذا الاندماج يُشكِّل نهاية القصة. فمع بروز جهاز أم بي3، والأشكال الرقمية الأخرى، وهي تطورات جرت مناقشتها في الفصل العاشر من هذه المجلة، علاوة على الإنترنت ونماذج من أجهزة التوزيع الرقمي الشخصية، سوف تستمر تجارة الموسيقى في التطور والقبول. ولكن يبقى شيء واحد ثابت: سوف يواصل المستمعون البحث عن ألحانهم المفضلة والاستمتاع بها.
[اقتبس هذا المقال من كتاب "الموسيقى الشعبية الأميركية: من الغناء على أنغام الغيتار إلى أم بي3" بقلم لاري ستار وكريستوفر واترمان، نشرته دار نشر جامعة أوكسفورد، حقوق النشر محفوظة (2003، 2007)، وقدمه مكتب برامج الإعلام الخارجي على شكل نشرة موجزة].