الفنون| إعادة تشكيل الأفكار، التعبير عن الهوية

04 آب/أغسطس 2009

زقاق "تين بان": وضع "المعايير الموسيقية"

طور المؤلفون الموسيقيون سوية مع كُتّاب الأغاني الأغنية الأميركية "المعيارية"

 
كان أدي كانتور العازف المفضل في برودواي، ولدى مستمعي الإذاعات ومشاهدي التلفزيون.
كان أدي كانتور العازف المفضل في برودواي، ولدى مستمعي الإذاعات ومشاهدي التلفزيون.

خلال العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين، قام مؤلفو الألحان المحترفون، العاملون ضمن مجموعة محددة من الأشكال المتوارثة من الموسيقى الشعبية التي سادت في القرن التاسع عشر والمتأثرون بهوس بموسيقى الراغتايم والجاز، بكتابة بعض أكثر الأغاني المؤثرة والناجحة تجارياً في تلك الفترة.  هؤلاء المؤلفون، والعديد منهم كانوا من المهاجرين اليهود، وجدوا في الموسيقى صناعة خالية نسبياً من التحيز الاجتماعي الذي كثيراً ما كان يعيق تقدمهم في المجالات الأخرى. ولّدت جهودهم العديد من المعايير الأساسية، بما في ذلك الأغانيً التي ما زالت متداولة بنشاط حتى هذا اليوم.

"المعيار الموسيقي" الأميركي

خلال العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين دمج مؤلفو الموسيقى وكُتّاب الأغاني هيكليات الأغاني الأبكر لإنتاج شكل يجمع بين أبيات الأغنية واللازمة مما أتاح إجراء أنواع كثيرة من التغييرات المثيرة للاهتمام، على أيدي المؤلفين الموسيقيين الأكثر ابتكاراً. وفي حين أصبح بيت الأغنية لا يعتبر أكثر من مقدمة، فإن اللازمة، أو الجزء الذي يعتبر دائماً على أنه "الأغنية"، كان يتألف بصورة نموذجية من أربعة أقسام بطول متساوٍ وفق النمط A B B A.

يمثل القسم A اللحن، والنمط الأساسي لكلمات الأغنية، ومجموعة من التغييرات الوترية لدعمهما.

إثيل ميرمان، التي كانت سكرتيرة في الأصل، بدأت عملها الفني في برودواي في الاستعراض الموسيقي
إثيل ميرمان، التي كانت سكرتيرة في الأصل، بدأت عملها الفني في برودواي في الاستعراض الموسيقي "غيرل كرايزي" للأخوين غرشوين.

ومن ثم يتم تكرار لحن القسم A  باستعمال كلمات جديدة، وفي أحيان كثيرة يتم إدخال تغييرات طفيفة على اللحن، مما يجعل من A هذه بمثابة تغييرات وتعديلات موسيقية للحن A.

وبعد ذلك يتم إدخال موسيقى القسم B أو "الجسر". يقدم الجسر مواد جديدة، أي لحناً جديداً، وتغييرات وترية، وكلمات الأغنية.

وأخيراً يكرر اللحن A والتغييرات الوترية مع كلمات جديدة وأحياناً مع تعديلات إضافية في اللحن أو مع إضافة ما يسمى بـ "اللازمة أو السطر الأخير من الأغنية"، مما ينتج اللحن A، وتغايرات ثانية للحن A.

قد يتوقع المستمعون الذين ألفوا هذا الشكل الموسيقي أن يتبع القسم A عند نقطة معينة قسماً مقابلاً مع اختلاف في الأوتار، والكلمات، واللحن (الجسر)، وأن الأداء قد ينتهي على الأرجح بسماع القسم A مجدداً. المؤلفون، والموسيقيون، والمغنون والموزعون الموسيقيون، أي الأفراد الذين يؤدي اختيارهم للمفاتيح ودرجة السرعة والآلات الموسيقية المرافقة، وما إلى ذلك، إلى مطابقة القوة الصوتية للمغني مع أغنية مُعيّنة، اكتسبوا مهارة تلبية هذه التوقعات وفي نفس الوقت أدخلوا التغيير الكافي غير المتوقع للاستحواذ على انتباه المستمع. كان بإمكان أفضل مؤلفي الأغاني في زقاق "تين بان" العمل إبداعياً ضمن هذه التحديدات الهيكلية.

لم تتعامل أغاني " تين بان آلي" بشكل عام مع المسائل المقلقة السائدة في زمنها. وبدلاً من ذلك هدفت الأغاني الشعبية والمسرحيات والأفلام الموسيقية التي ظهرت فيها بصورة نموذجية إلى مساعدة الناس على التخلص من ضغوط الحياة اليومية. استكشفت أغنيات زقاق "تين بان" في مضمون كلماتها كما في أسلوب أدائها النموذج المثالي للحب الرومانسي. وبعكس الأغاني الشعرية الأوروبية القديمة، حيث كانت أعمال شخصيات الأغنية تسرد في أحيان كثيرة من وجهة نظر خارج التجربة الشخصية للمغني، فإن طابع استعمال كلمات بصيغة المتكلم في أغاني زقاق "تين بان" (كما هي مقترحة في عناوين أغانٍ مثل "ماذا سأعمل؟"، "لماذا أحبك؟" و"أنني أحصل على متعة معك" و"إنسان ما يحبني") سمح للمستمع بأن يشبه تجربته الخاصة بصورة مباشرة أكثر بتجربة المغني. تبنّى كتّاب الأغاني في زقاق "تين بان" بشكل عام أسلوب مخاطبة واقعيا، كما حصل في أغاني مثل "جيبرز كريبرز، أين تحصلون على هذه البيبرز؟" التي أوحت بأن أي شخص يعمل بجهد يستطيع أن يختبر نعيم الحب الرومانسي، أو من خلال "أغنية المشعل"، يعاني من تحطم قلبه بسبب  قصة غرام أصبحت مريرة.

ساهم تطوّر الأسلوب الغنائي المسمى بالدندنة العاطفية في تعزيز هذه الروابط بين الموسيقى الشعبية والتجربة الشخصية. فعند الاستماع إلى التسجيلات الأولى لمغني الفودفيل، مثل أدي كانتور أو آل جولسون اللذين تم تطوير أساليبهما المغالية لأدائهما في مسارح كبيرة، يشعر المرء بأنه "يُغني له" (وحتى "يصرخ عليه" أحياناً). تسجيلات بينغ كروسبي أو فرد أستير، التي جرت بعد إدخال الميكروفون الكهربائي في أواسط العشرينات من القرن العشرين تُشكِّل نوعاً مختلفاً من التجربة الموسيقية: تجربة خاصة. يدعوك الصوت الحريري اللطيف المظلل إلى المشاركة في أكثر الأسرار شخصية، ويتحدث إليك وحدك. في بعض الأحيان، يدخل المستمع بخياله إلى صوت المغني ويحصل عندئذ نوع من الانصهار النفسي بين شخصين لن يتقابلا وجهاً لوجه أبداً.

[اقتبس هذا المقال من كتاب "الموسيقى الشعبية الأميركية: من الغناء على أنغام الغيتار إلى أم بي3" بقلم لاري ستار وكريستوفر واترمان، نشرته دار نشر جامعة أوكسفورد، حقوق النشر محفوظة (2003، 2007)، وقدمه مكتب البرامج والإعلام الخارجي على شكل نشرة موجزة].

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي