03 آب/أغسطس 2009
كان العديد من كبار المؤلفين الموسيقيين "النموذجيين" مهاجرين من دول أوروبا الوسطى والشرقية

لعب المهاجرون اليهود، وبالأخص الذين قدِموا من دول أوروبا الوسطى والشرقية، دوراً رئيسياً في الأعمال الموسيقية في أوائل القرن العشرين، وذلك كمؤلفين موسيقيين، وكُتّاب أغاني، ومغنين، وناشرين، وخبراء دعاية. وفي العروض المسرحية الغنائية أو الفودفيل، ومن ثم عبر كامل قطاع الترفيه، كثيراً ما كانوا لا يتعرضون للمشاعر المناهضة للسامية مثلما كانوا يواجهون في مؤسسات الأعمال الراسخة الأخرى. ونتيجة لذلك كان العديد، ولكن بالتأكيد ليس الجميع، من كُتّاب الأغاني الأكثر نجاحاً، من اليهود.
إرفينغ برلين، الذي ولد وكان اسمه إسرائيل، أو إيزيدور بالين (1888-1989)، وصل مع عائلته إلى منطقة الجانب الشرقي الأدنى من مدينة نيويورك عندما كان في سن الرابعة، هربا من المذابح الجماعية في روسيا. عمل في سن الثامنة ببيع الصحف في الشارع ، وفي سن الرابعة عشرة غادر منزل أهله نهائياً. فعمل كمرشد لموسيقي أعمى يعزف في الشوارع، وكعازف بيانو في الحانات، وكنادل يغني.
الأغنية الأولى التي أكسبت برلين شعبية جماهيرية كانت "الكزاندرز رغتايم باند" التي نشرت عام 1911. وبيع منها مليون ونصف مليون إسطوانة على الفور تقريباً. كتب برلين، مثله مثل غيره من المؤلفين الموسيقيين من زقاق "تين بان"، أغاني للمسرح في برودواي ولوسيلة الترفيه الجديدة، الفيلم الناطق (ألف الموسيقى لـ 18 فيلماً). وقد أدى آل جونسون في فيلم "مُغني الجاز" أغنية "السماوات الزرقاء" التي ألفها إرفينغ برلين. عرض فيلم "هوليداي إن" المنتج عام 1944 أحد أنجح أغاني برلين، "وايت كريسماس"، أما موسيقى المسرحية الموسيقية التي عرضت في برودواي عام 1946، بعنوان "آني خذي بندقيتك" التي ألّفها برلين، ربما تضمنت أغاني ناجحة أكثر من أي مسرحية أخرى ("يقولون إنه لأمر مدهش"، "الفتاة التي سأتزوجها"، "أقوم بما يأتي طبيعياً" و"لا توجد أعمال أفضل من أعمال الاستعراض"، من بين أغان أخرى). كان برلين أكثر المؤلفين إنتاجاً واستمرارية من موسيقيي زقاق "تين بان"، وقد عمل ناشطاً في مهنة كتابة الأغاني لفترة تصل تقريباً إلى 60 سنة.

كانت الحياة المهنية وإنجازات جورج غيرشوين، الذي ولد باسم جيكوب غيريشويتز (1899-1937) لأب مهاجر يعمل في صناعة الجلود، فريدة من نوعها. وحين توفي في عمر مبكر بصورة مأساوية عن عمر 38 عاماً (بسبب سرطان في المخ)، كان قد حقق شهرة عالمية، ويبقى حتى يومنا الحاضر على الأرجح أشهر المؤلفين الموسيقيين الأميركيين. وحده بين معاصريه المميزين العديدين في زقاق "تين بان"، سعى غيرشوين إلى تحقيق النجاح في عالم حفلات الكونسرت الموسيقية ("رابسودي بالأزرق" و"أميركي في باريس") كما في مجال الموسيقى الشعبية. وسوية مع شقيقه، كاتب الأغاني إيرا غيرشوين، ألف جورج عشرات من الأغاني الكلاسيكية لزقاق "تين بان" شملت أغاني أساسية مثل "لدي إيقاع"، "إيقاع ساحر" و"أوه، يا سيدتي كوني طيبة."
تُظهر الأغاني الشعبية لغيرشوين، كما أعماله "الكلاسيكية"، دمجاً متطوراً للوسائل الأسلوبية المستمدة من مصادر أميركية أفريقية، مثل إيقاعات النغم المعدلة وألحان البلوز، وتتفوق بكثير على الاستعمال السطحي لهذه الوسائل في معظم الأعمال الموسيقية للأميركيين البيض في ذلك الوقت. وأعظم مؤلف موسيقي لغيرشوين، "بورغي أندبيس" (1935)، والذي أسماه "أوبرا شعبية أميركية"، يمثل أهم توليف كامل للتأثيرات الأسلوبية للموسيقى الكلاسيكية الأوروبية، والموسيقى الشعبية السائدة، وتأثيرات أساليب الموسيقى الأميركية الأفريقية، وهو توليف يبقى خاصاً به، ولكنه أيضاً توليف يمجّد التنوع الواسع للثقافة الأميركية.
كول بورتر (1891-1964) ولد لعائلة ثرية في إنديانا ودرس الموسيقى الكلاسيكية في جامعتي ييل وهارفارد وفي "سكولا كانتوريوم" في باريس. تشمل مساهماته الدائمة لكُتّاب الأغاني الأميركية، "ليلاً ونهاراً"، و"احصل على متعة معك"، و"احتفظ بك تحت جلدي". ريتشارد روجرز (1902-1979)، الذي أنتج العديد من أفضل أغنيات الفترة بالتعاون مع كاتبي الأغاني لورنز هارت (1895-1943) وأوسكار هامر شتاين الثاني، كان ابنا جامعيا لطبيب وعازف بيانو. من أشهر قطعه الموسيقية، "أليست رومانسية" و"القمر الأزرق".
وتمثّل الأغاني التي كتبها هؤلاء الرجال وآخرون غيرهم إنجازاً لجهة النوعية والكمية التي تبقى استثنائية حتى يومنا هذا. العديد من أفضل جهودهم غذى العلاقة المتبادلة الطويلة الأمد والمفيدة بين جماعة زقاق "تين بان" ومسارح برودواي القريبة، التي تمتعت بنجاح عظيم من خلال العروض المسرحية الموسيقية واستعراضات "الفوليز"، التي بفضل تتابع عروضها للوصلات الهزلية، والأغاني، والرقصات والممثلين المتعددين، أصبحت النمط اللاحق الواضح للعروض المسرحية الغنائية، أو الفودفيل. وقد قام برلين، وبورتر، والأخوان غيرشوين، وروجرز، وهارت وغيرهم من كُتّاب الأغاني البارزين في تلك الفترة بكتابة عشرات الألحان للأعمال المسرحية الموسيقية التي قُدّمت في برودواي.
عكست الأغنية الشعبية، كما ساعدت في تشكيل التغييرات العميقة في المجتمع الأميركي خلال العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين: تمازج ثقافات الطبقة العليا والدنيا، وتبني تكنولوجيات جديدة، والتوسع في الرأسمالية القائمة على الشركات المساهمة، والتفاعل الحميم المتزايد بين الثقافتين البيضاء والسوداء خلال فترة التمييز العنصري المذموم، وبروز ثقافة شعبية قومية حقيقية. ولم تعد هذه الأغاني تسيطر على الذوق الشعبي فقط كما كانت عادتها. ومع ذلك فإن أجيالا جديدة من الموسيقيين والمستمعين لا زالوا يعيدون اكتشافها. وكان لجماعة زقاق "تين بان" وأسلوب الغناء العاطفي المعروف "بالدندنة" تأثيرات مهمة (رغم عدم الاعتراف بهما في أحيان كثيرة) على الإيقاع، والبلوز، والروك أند رول خلال الخمسينات والستينات من القرن العشرين. لا زالت أغان عديدة صدرت من زقاق "تين بان" تُستعمل من جانب أجيال جديدة من موسيقيي الجاز المعاصرين كأساس لارتجالاتهم الموسيقية. كما يستمر نجوم الأغنية الشعبية الحاليون بتأدية هذه الأغاني، مثل تسجيل ألفيس كوستيللو لأغنية "ماي فاني فالانتاين" (ألف موسيقاها ريتشارد روجرز ولورنس هارت)، ونسخة ويللي نلسون لأغنية "السماوات الزرقاء" (إرفينغ برلين)، والأغنية الثنائية لبونو مع فرانك سيناترا في "احتفظ بك تحت جلدي" (كول بورتر)، وقيام فرقة سماشينغ بامبكينز بإعادة إحياء الأغنية "سمائي الزرقاء" عام 1996. في أوائل التسعينات من القرن العشرين ظهر المغني العاطفي العريق توني بنيت في المسلسل التلفزيونية "أنبلاغد" الذي عرض على قناة أم تي في ووجد له مستمعين جددا بين هواة الموسيقى "البديلة"، الذين يقدرون المزج بين الكثافة العاطفية والتطور في أسلوب بينت وحتى في العديد من الأغاني ذات الطراز القديم نفسها.
[اقتبس هذا المقال من كتاب "الموسيقى الشعبية الأميركية: من الغناء على أنغام الغيتار إلى أم بي3" بقلم لاري ستار وكريستوفر واترمان، نشرته دار نشر جامعة أوكسفورد، حقوق النشر محفوظة (2003، 2007)، وقدمه مكتب البرامج والإعلام الخارجي على شكل نشرة موجزة].