17 حزيران/يونيو 2008
أكثر من مجرد أفلام ذات ميزانية ضخمة وأرباح كبيرة
قال المخرج السينمائي الراحل ريتشارد بروكس ذات يوم "الصور تأتي أولا، ومع الصور، كالموسيقى، يكون رد الفعل الرئيسي عاطفيا". وتشهد الشعبية الاستثنائية التي حظيت بها الأفلام السينمائية المصنوعة في هوليوود في جميع أنحاء العالم على مدى أكثر من 100 عام على صحة هذه الحقيقة الأساسية. ففي عصر العولمة، تنتقل القوة العاطفية للأفلام السينمائية بسهولة عبر الثقافات وتجعل أفلام هوليوود من صادرات أميركا الرئيسية إلى الدول الأخرى.
والأفلام ليست مجرد ترفيه، ومشاركة الجمهور في رحلة إثارة في مدينة ملاهي في الظلام. وكما يشير عنواننا "صناعة السينما اليوم"، فإن إحدى الطرق للنظر إلى الأفلام الأميركية هو اعتبارها نوعا من الصناعة. ومن الحقائق الواضحة التي تغفل في كثير من الأحيان كون الفيلم ينجح أو يفشل أولا في خضم التنافس في السوق. هل سيدفع الجمهور ثمن تذكرة لكي يراه؟ هذا هو السؤال المالي الأساسي الذي يطرحه أقطاب صناعة السينما على أنفسهم عندما ينظرون في مشروع سينمائي محتمل، وهو الأساس لفهم الأفلام الأميركية.
وفي الوقت نفسه، فإن صناعة السينما أكثر من مجرد عمل تجاري. فهي أيضا فن تعاوني رفيع المستوى يوظف مئات الأشخاص في كل فيلم – من "المواهب" التي تتقاضى أجورا عالية جدا وتقوم بالتمثيل والإخراج والتأليف إلى الفنيين الحرفيين الماهرين المسؤولين عن هندسة الديكور وإضاءة المشاهد ووضع الماكياج على نجوم الفيلم.
وأخيرا، فإن الفيلم السينمائي، كسائر أشكال الثقافة الشعبية، يشتمل على قيم معينة أشمل لا مفر من أن يضمنها صانعوه إياها نتيجة لمئات الخيارات الضرورية لإنتاج الفيلم. ومن النادر أن تتخذ هذه القيم شكل مواضيع أو رسائل واضحة. بل هي في العادة نتيجة لاشعورية لما يحاول جميع السينمائيين أن يفعلوه – الاستحواذ على اهتمام الجمهور.
فما الذي يجعل الأفلام الأميركية إذن أميركية هذه الأيام. هناك جواب معروف جيدا ونمطي إلى حد ما: فيلم الميزانية الضخمة الذي يحقق نجاحا كبيرا ويبيع تذاكر حول العالم ويحقق أرباحا كبيرة، ويعرف باسم بلوكبستر. ويشير هذا التعبير عادة إلى فيلم من أفلام الأكشن والمغامرات أو فيلم إثارة تزيد ميزانيته على 100 مليون دولار ويقوم ببطولته نجم أثبت قدرته سابقا على اجتذاب الجمهور. ويلعب النجم السينمائي في هذه الأفلام دور بطل رياضي وذكي وقوي العزيمة يتعين عليه التغلب، رغم القوى الضخمة التي تواجهه، على عناصر شريرة جدا لديها خطة تهدد معظم حضارة العالم. وباستطاعة المشاهدين أن يتوقعوا من مثل هذا الفيلم أن يشتمل على منعطفات مفاجئة في حبكة القصة، ومشاهد مطاردات متواصلة، وتفجيرات ضخمة للغاية. ومن ناحية أخرى، لا يتوقع من مثل هذه الأفلام أن تتعمق في كشف جوانب الشخصيات أو أن تتضمن الكثير من الخلفية الاجتماعية أو التصوير الواقعي لحياة أشخاص عاديين.
ولكن الممثل ويل سميث قدم في حفلة جوائز الأوسكار للعام 2007 وجهة نظر مختلفة: "الطابع المشترك الذي ستجده في الأفلام الأميركية، والذي يجعلها أفلاماً أميركية مختلفة عن غيرها، هو عدم وجود أي طابع مشترك بينها. فهي متباينة تباين أميركا نفسها، بعضها يطرينا، والبعض يهزأ بنا، وبعضها يتغنى بنا، والبعض الآخر يبكي علينا، ولكن كلا منها يحدث العالم عنا كشعب: بلد يتغير ويتطور باستمرار من خلال اختلافاتنا الاجتماعية والسياسية والدينية".
ويؤكد سميث هنا على عدة قيم ترتبط في الأذهان عادة بالولايات المتحدة: أولا، فكرة أن هذه البلاد هي عملية لم تكتمل بعد بل ما زالت تتطور، بلاد يسمح نظامها السياسي لها بالتحرك في اتجاه مثُلها، وثانيا، التنوع والاحتفال بتعددية الشعب الأميركي. ولدى النظر إلى صناعة السينما في هوليوود تسهل رؤية بعض القيم الأخرى التي يعتز بها الأميركيون ويقدرونها أعظم تقدير: الابتكار والريادة والتفاؤل والإبداع والانفتاح على الثقافات الأخرى الذي يتخذ عادة شكل الهجرة.
وأحد أهدافنا في تقديم هذا العدد من المجلة الإلكترونية إي جورنال يو إس إيه هو جعل قرائنا يدركون أن الأفلام الأميركية أكثر ثراء وتنوعا بكثير من الفكرة التي يعطيها فيلم الميزانية الضخمة والأرباح الهائلة النمطي. وتقدم مقالات هذا العدد صورة لصناعة في حالة تغير متواصل. ويحلل واضعو المقالات الطابع الدولي المتزايد لصناعة السينما، من حيث جماهير المشاهدين والمواهب السينمائية على حد سواء؛ وبروز أسلوب أكثر خصوصية وشخصية في أفلام السينمائيين المستقلين خلال السنوات الأخيرة؛ وسوق الأفلام الأجنبية في الولايات المتحدة؛ وتأثير الإنترنت والثورة الرقمية على كيفية إنتاج وتوزيع الأفلام السينمائية. وتركز مقالات أقصر على المهرجانات السينمائية كمهرجان صندانس التي تطلق مواهب شابة وتتيح تفتح براعم واعدة، وعلى جهود بعض الاستوديوهات في التوجّه نحو المحافظة على البيئة أثناء إنتاج أفلامها. ويبرز عرض للصور عددا من الكوادر الشابة متعددة الجنسيات من الكتّاب والمخرجين والمنتجين والممثلين الذين يثيرون الاهتمام حالياً في عالم هوليوود التنافسي المثير.
لذا فإن ريتشارد بروكس صدق في ما قال، إذ إن أفلام هوليوود تواصل مد العالم بكنز نفيس من الأعمال الفنية المرجعية والعواطف فيما ندخل القرن الواحد والعشرين. وكما قال ريتشارد شيكيل عميد نقاد السينما الأميركيين "لقد حفل السجل السينمائي الأميركي دائما بأعمال تخاطب العاطفة والفكر وحتى تفوق ما يتصوره العقل".
المحررون