08 كانون الثاني/يناير 2008
إنه، بالطبع، سؤال في غاية الصعوبة، إنه لغز شبيه بلغز من جاء أولاً: البيضة أم الدجاجة. وعليك أن تسمو بتطلعاتك حتى تتبين ما أعنيه: كيف تأثّر تشيكوف بكونه روسياً؟ وكيف تأثرت فرجينيا وولف بكونها امرأة؟ وكيف حدد الحجم المتقزم للبحار بوباي مقولاته العامة، وهو الذي عرف أخيراً الإجابة وعرف عنها بأفضل ما يمكن حين قال: "أنا من أنا. وهذا كل ما لديّ عن نفسي."
لكسر طوق هذا المنطق، عليّ أن أحلم بإجابة، لا أن أجد واحدة موجودة فعلاً. وهذه هي مهمة القاصّ: أن يتجاوز ما هو واضح إلى ما هو جديد، وأن يخلق وعياً يتسم بالحيوية، وأن يضيف إلى مجموع الحقيقة التي يمكن الوصول إليها، وأن يفتح مغاليق البحر المتجمد في داخلنا – كيفما تخيلت أسلوب تحقيق ما هو جديد.
هناك أمران مبدئيان يحتاجان إلى طرحهما جانباً على الفور، وكلاهما مرتبطان بأمور لا أميركية. فإجابة عن السؤال الوارد في عنوان هذه المقالة "كيف غني كوني أميركياً ما أكتب" يمكن للمرء أن يقول: "حسناً، إن كوني أميركياً يعني أنني شعرت بأنني أستطيع أن أكتب ما أريد، وهكذا فعلت. انتهت المقولة."
لكن ألم يكن باستطاعتي عمل هذا في الدانمارك، أو كندا، أو بريطانيا، وأن أكون واحداً من رعاياها؟ إن هذا صحيح بالنسبة للولايات المتحدة، ولكنه ليس صحيحاً بصورة تفردية. أما الأمر الثاني، فهو أنه في الوقت الذي ربما ساعد فيه كوني أميركياً على جعلي كاتباً ووسم جهودي بشكل لا مراء فيه، فإنه لم يصيّرني بالضرورة كاتباً أفضل من الكتّاب في بلد آخر. ونظرة إلى الأدب العالمي تنبئنا بذلك. وحسب معرفتي، فإنني ربما كنت كاتباً أفضل لو كنت فرنسياً.
لا أتذكر المرة الأولى التي تبينت فيها أنني أميركي. فقد أقسمت يمين الولاء للعلم وعمري ست سنوات، وسجلت اسمي للخدمة الانتقائية في الثامنة عشرة من عمري، وانضممت إلى قوات المارينز في العشرين. وأنا واثق، مع ذلك، أنه قبل أن يحدث أي من هذه الأحداث بزمن طويل كوّن لدي الوعي بأنني أولاً من ولاية مسيسيبي، من بلدة جاكسون في الواقع، وأنني جنوبي وابن لوالدين لم يكونا من مسيسيبي بل من آركنسا، ولذا فهما مختلفان قليلاً عني. وكل هذه الهويات المحلية الفريدة، بالطبع، تفترض أن أكون أميركياً، حيث أن الجمهورية الفدرالية، أي البلاد والمبادئ التي تجسدها، تضم تحت مظلتها جميع الانتماءات الأخرى. ولهذا، فإن أي شيء عني وعن إنتاجي قد أنسبه إلى كوني جنوبياً، الخ ...، يمكن أيضاً نسبته – من خلال المنطق المشع – إلى كوني أميركياً.
لكن عندما كنت أترعرع في مسيسيبي، في الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين، كان المزاج السائد المتصل بولاء الجنوب للأمة الأميركية الأكبر ملتبساً بصورة ملحوظة. فلم يكن قد مر وقت طويل على "فترة الكساد" والحرب العالمية الثانية. وكان أحد أبناء عمومتي في بيرل هاربور (وقد تحدثت أسرتي عن هذا الأمر على مائدة العشاء). كما أن شرارة الحرب الكورية كانت قد اشتعلت. ونظر إلى الشيوعية على أنها خطر يهدد ما كان يعتبره معظم الجنوبيين أمننا الوطني، إن لم يكن بالفعل كامل هويتنا. وأدلى والداي بدلوهما، وكان روزفلت وترومان رئيسينا. وأقسمت يمين الولاء. وكانت أميركا لنا، وانتمينا إليها – على الأقل من أجل الحفاظ عليها والدفاع عنها.
مع ذلك، وعندما كان الأمر يتصل بقضايا اجتماعية سياسية هامة – وخاصة العرق، وحقوق التصويت، وتكافؤ الفرص، والقدرة على التمتع بالوفرة الأميركية، وحجر الأساس الدستوري، ذلك المغرق في اتسامه بكونه أميركياً والمسمى بالفدرالية، والمعروف إقليمياً على أنه حقوق "الولايات" – فإن المرء كان يشعر أن العديدين في الجنوب ربما فضّلوا الارتباط ببلد آخر تماماً: جنوب إفريقيا أو باراغواي بالنسبة لكثير من البيض، وفرنسا أو السويد إذا كان الشخص أسود اللون. ومن أي جانب لهذه القضايا التي تؤثر في مسيرة الحياة، فإن كون الشخص أميركياً، وإيمانه بالأهداف الحياتية المعلنة للأمة، وهي الحرية والسعي إلى تحقيق السعادة، غدت أموراً صاخبة، غير متناغمة، جدلية، وأحياناً ضارة بالصحة. بالاعتراف بصورة واعية بالهوية الوطنية للفرد وتخاطبه مع نفسه من خلالها ليسا بوضوح، إلا تعبيراً عن امتلاكه لهوية. وفي الواقع، فإننا نحن الأميركيين نفضل أن نأخذ الكثير حول هويتنا على أنه أمر مسلم به، كيف نركز بصورة أكثر كثافة على ثمار الانتماء. فالهدف غير المنظور للشكل الجمهوري لحكومتنا هو أن لا ينشغل المواطنون بآليات وفلسفة المواطنة، بل أن يصرفوا اهتمامهم إلى التصرّف – ولو بصورة لا تصل حدّ الابتهاج – كمواطنين. وهكذا فإن الهوية الوطنية تكون وسيلة إلى غاية هي الحرية الفردية، وليست غاية لذاتها.
لكن بالنسبة لي، في ميسيسيبي، في الجنوب، في السنوات التي شكّلت شخصيتي بين عامي 1950 و1962، فإن كوني أميركياً معبّراً عن هويتي الوطنية كان معناه الانخراط والانشغال (وليس بالضرورة في حالة ابتهاج) في شبكة ممتدة من العواطف والأفكار المتصارعة الملتهبة التي تتم مناقشتها علناً، وذات النتائج الخطيرة، حول المواطنة الأميركية. كان قلب هذا الجدل وأسّه هو: كيف أتوافق مع انتمائي إلى هذه البلاد التي ولدت فيها في الوقت الذي تبدو فيه هذه البلاد مصرة على قمع ما أعتقد أنه حقوقي الفردية الأساسية والتي لا تقبل النقاش في أي حال من الأحوال؟ وبالنسبة إلى العنصريين البيض، كان هذا الحق المفترض هو الحق الذي يتيح لهم الفصل بينهم وبين أولئك الذين يختلفون عنهم، بينما كان الحق المقابل بالنسبة للسود والبيض الداعين إلى الدمج بين السود والبيض هو ذلك الحق الذي يحررهم للتحرك حيثما شاؤوا والاختلاط بأي شكل يرونه مناسباً دون خوف من الإيذاء. وفي إطار هذا التفهم والنزاع الذي أحاط به – وهو نزاع طويل سمّي بحركة الحقوق المدنية الأميركية – فقد الكثير من الناس حياتهم من أجل سيادة العدالة والحق، وقد سادا في النهاية، إن لم يكن ذلك بصورة كاملة.
لم أشعر بالراحة أبداً لدى حكمي على أي توجه، أو شخص أو سلوك، أو صفة شخصية، أو تجربة، أو إيمان بأنه/بأنها أميركي/أميركية بصورة توافق المعيار السائد. وعندما أكون في بلد آخر، ويسألني واحد من الذين يقرأون كتبي إذا ما كانت إحدى القصص التي كتبتها أميركية وفق المعايير السائدة، فإنني أقول كلاماً غير مفهوم، ثم أخاطبه بالقول: فكر بالطيران فوق ضاحية أميركية في طائرة مروحية، وبرؤية رجل يعتمر طاقية واقية وهو يقص العشب الأخضر حول بيته. فمن المؤكد أن هذا هو الأميركي وفق المعيار السائد. من هو؟ (وقد نعتقد أننا نعرف الجواب). ولكن عندما نقوم بإلقاء نظرة متفحصة ونرفع القبعة برفق من فوق رأس الرجل، نكتشف أنه باكستاني، أنه مهاجر، أو رجل غاني أميركي أو صيني أميركي من الجيل الثالث. وأن الطريق التي جاءت به إلى مرج العشب الأخضر حول بيته، في هذه البلدة، في هذا اليوم، تنفي معظم المقولات عن المعيارية السائدة وتكشف ميلها للتعتيم على الصفات المحددة التي لا تتفق مع المعيارية السائدة أو استبعادها. والعمومية في هذه الطريقة أثبتت أنها غير موثوقة من الخصوصية – وهي النقطة التي تسعى غالبية الآداب العظيمة إلى إثباتها: والتي مفادها أننا نرى أوضح ما يكون من خلال النظر من أقرب مسافة ممكنة – وعلينا أن نقوم بذلك.
أما فيما إذا كانت تجربتي في نشأتي في منطقة مسيسيبي في عقد الخمسينات من القرن العشرين يمكن أن يقال عنها أنها أميركية وفق المعيارية السائدة بدرجة أكبر من تجربة المهاجر الباكستاني، فأمر بالطبع فيه نظر. فأنا، مثله، أميركي. وتجربتنا هي التجربة الأميركية أو جزء منها: مضطربة (في حالتي)، وهي تجربة معقدة مزدوجة للمواطنة والهوية الوطنية والإقليمية المفرّقة، وهي مكونات تمّ إحداث التوافق بينها بصورة غير تامة من خلال دفعة كبيرة من المثالية السياسية التي تتفهم الكثير في الوقت الذي تحاول فيه قمع واضطهاد أقل عدد ممكن. (وربما كان عليّ أن أوافق على أن المهاجر وأنا نشترك في أمور أكثر مما تصورت). وهكذا، كيف أغنت تجربتي الكتب التي ألفت؟
لربما كان الأفضل من ذلك أن نقول كيف كان يمكن لها أن تغني ما كتبت، ذلك أن تتبع التعبير الأدبي من جانب من الخيال الإنساني إلى الجانب الآخر، من الجانب الذي لا يكون فيه إلا مجرد حالة عشوائية مفعمة بالإحساس عبوراً إلى الجانب الذي يصبح فيه شيئاً (قصة)، أمر ترجيحي، غالباً ما يكون خادعاً. وبالفعل، فإن قدرتي غير الكافية على التمييز بين مقاصدي وبين إنجازاتي الفعلية، وبين تطلعي إلى ما كتبته فعلاً "لأبرهن" على نفوذي وتأثيري، وتفهمي الكامل ككاتب لما كتبت مقارنة بتفهم القارئ لها – هذه كلها لا تجعل مني ناقداً ذاتياً غير ذي مصلحة أو ناقداً قادراً على التمييز.
لذلك، أشعر بالأمان لأن أقول أشياء قليلة فقط.
لقد كتب القاصّ التشيكي ميلان كونديرا في رسالة إلى زميله الأميركي فيليب روث قائلاً "إن القاصّ يعلّم القارئ فهم العالم كسؤال ... وفي عالم [استبدادي] مبني على حقائق مؤكدة مقدسة، فإن القصة تكون ميتة." وهكذا وتوافقاً مع تجربتي الأميركية (وهي ليست استبدادية إطلاقاً، بل هي موضع نقاش، معقدة، غامضة، متنوعة، غير متناغمة في أحيان كثيرة بحيث تصل إلى نقطة تكون فيها قلقة بدرجة عميقة)، حاولت باستمرار أن أكتب قصصاً وروايات تشهد على طبيعة البشر كما تتجلّى في تلك النار المطهّرة للتنوع وعدم التناغم والاستجواب – محبّون يسعون نحو الأجواء الحميمة ولا يجدونها، التفاهم المشترك، التعاطف، جبر الخواطر، آباء وأبناء، وأبناء وأمهات ينظر أحدهم للآخر بتشوّق، ولكن دون وصول للكمال، عبر فجوات من سوء الفهم، متصارعين مع التعبيرات غير الدقيقة عن الحب، محاولين مقابلة الآخر وجهاً لوجه حتى يقولون ما يجب أن يقال. وهذه كانت الظروف – مضطربة، مليئة بالتنافس، شائكة، لا حق للغير فيها – التي تمكنت في ظلها من أن أتبيّن ماذا يعني أن أكون أميركياً: فالحقوق المدنية وصراعاتها وفيتنام، كلتاهما قسمّت الأسر، والحملة المكارثية التي أدّت إلى عزل الكثيرين من مناصبهم قسّمت الأمة، والمرحلة التي تلت فترة الكساد التي تبعتها الحرب العالمية الثانية والازدهار الذي عم في الخمسينيات من القرن العشرين.
كأمر ثان، نهضت – وكان هذا ملائماً لتجربتي في الموطن الذي ترعرعت فيه – إلى تبنّي الحاجة إلى وإطلاق الحرية في الكتابة عن شخصيات متنوعة وتبنيها، شخصيات ليست لي (نساء، أعراق أخرى، جنسيات أخرى، أطفال) في محاولة مني للإجابة عن السؤال الأميركي الأساسي الذي تفرضه بصورة خاصة مواطنيتي: كيف يتسنى أن نكون على هذه الدرجة من الاختلاف، ثم من التشابه؟ وقد كتبت قصصاً حتى أجعل من هذه المسألة الغامضة شيئاً محتملاً، مثيراً للاهتمام، وحتى ساراً وجميلاً.
عملت أيضاً على إدماج السياسة بدرجة قليلة في الحياة الحميمة الواقعية للمشاركين فيها. وعلى هذا المستوى بالتأكيد، وهو المستوى الذي نراه لدى أسرة صغيرة في مدينة أميركية صغيرة، بعيدة عن مراكز السلطة والخطابات العامة، رأيت لأول مرة كيف تتم عملية سن القوانين التي تفصل بين الصحيح والخاطئ. مع أنني، في لحظة ما بالفعل، لم يكن ليتسنّى لي التخطيط لهذا الأمر، فقد تخليت عن الجنوب كموضوع لقصصي، متتبعاً فضولي فقط، ومفترضاً أن ذكائي المحلي سيترجم إلى جمهور أميركي أكبر، وحاولت أن أجعل البلاد بمجملها مسرحاً لأعمالي، آملاً أن تغدو موضوعاً لهذه الأعمال.
أخيراً، ولم يكن علي في هذا أن أتساءل حول من يغني من – فككاتب كنت دائماً أثق بأميركا كبيئة ووضعية يمكن للأحداث والأفعال التي تعتبر إنسانية عالمياً ولدوافعها ونتائجها الأخلاقية أن تصوّر فيها وتفهم على أنها مهمة من أي منظور على هذا الكوكب. فالتجربة الإنسانية الأميركية، وإن لم تكن أنموذجاً لبقية العالم، تبدو على الأقل تجربة معقولة مقبولة، جديرة بالملاحظة. إن نسبة تأثيرات الفرد أمر مقلق وهو في غاية الأهمية للفرد بصورة تبعث على الغثيان. وأصل إلى هذه النهاية وأنا أشعر ببهجة خفية، لأقول نعم، لو لم تؤثر فيّ هذه التأثيرات على مدى هذه السنين، لما كان حالي وما صدر مني هو ذاته. ومع ذلك، بالطبع، لما كان حالي موجودا أصلاً. فأنت لا تستطيع أن تزيل شرطاً أساسياً من المعادلة وتحظى بالمعادلة ذاتها. فبوباي لا يمكن أن يكون قائد طيارة نفاثة أو بائع سندات ويكون في الوقت ذاته بوباي الذي نحب.
واليوم هناك كاتب في الشيشان يكتب عن تأثير الشيشان في مجمل أعماله. وهو يكتب الأشياء ذاتها التي كتبتها أنا، أو أشياء أفضل منها، جيد، أنا أقول. لأنه إذا كانت جميع هذه السنوات التي كنتها أميركياً أعدتني فقط لأتبين شبهي، وقرابتي، وزمالتي مع شخص لن أعرفه أبداً، وجعلتني قادراً على أن أعيش حكمة الأدب الأغلى – فعندها يغدو كوني أميركياً وكاتباً أيضاً قد خدمني بصورة جيدة حقاً.
ولد ريتشارد فورد في مدينة جاكسون بولاية مسيسيبي، في العام 1944، ونشأ وترعرع هناك وفي ليتل روك، عاصمة ولاية آركنسا. وقد التحق بالمدارس الحكومية، وجامعة مشيغان التابعة للولاية، وجامعة كاليفورنيا، وكلية الحقوق في جامعة واشنطن. وقد ألف خمس روايات، منها كاتب الأخبار الرياضية The Sportswriter، الحياة البرية Wildlife، ويوم الاستقلال Independence Day. كما كتب ثلاث مجموعات قصصية، منها روك سبرنغز Rock Springs، وكثرة من الخطايا A Multitude of Sins. وكتب العديد من المقالات، وهو يسهم كثيراً في الكتابة في مجلة نيويوركر وفي صحيفة نيويورك تايمز.
لقد تم تكريم أعمال السيد فورد بمنحه جائزة الاستحقاق في فئة الرواية التي تمنحها الأكاديمية الأميركية للفنون والآداب، وهي الأكاديمية التي ينتمي إليها السيد فورد. كما حازت أعماله أيضاً على جائزة بوليتزر للقصة، وجائزة فوكنر للقصة، التي تمنحها الجمعية الدولية للشعراء والكتاب المسرحيين والمحررين وكتاب المقالات والروائيين وجائزة مالامود للتميز في القصة القصيرة التي تمنحها أيضاَ الجمعية المذكورة. وترجمت رواياته وقصصه القصيرة إلى 23 لغة. ومن فرنسا، حصل على وسام الفنون والآداب. وهو متزوج من كريستينا ويعيشان في نيو أورلينز.