الفنون| إعادة تشكيل الأفكار، التعبير عن الهوية

08 كانون الثاني/يناير 2008

من أجل الحياة

 

بقلم ليندا هوغان

كنت فتاة خجولة، هادئة، ولم أطمح أبداً في أن أصبح كاتبة أو أن أؤكد هويتي الأصلية والتي كانت واضحة لي ولأختي عندما كنا في أوكلاهوما مع جدنا وجدتنا الهنديين. فنحن نتحدر من أجداد ارتبطوا بالحصان والعربة ولم يكن ذلك منذ زمن طويل. فرائحة أشجار الجوز الأميركية ما تزال في أنفي. وبعدئذ في الخمسينات والستينات أخذني عمي في دينفر لمشاهدة مهرجان الهنود الذي كان يقام حينها في ملاعب المدارس الصغيرة.  ولكن بعد الحرب لم نكن نفكر في حياتنا الهندية كشيء ذي قيمة، ولم يثر التاريخ اهتمامنا، فنحن كنا نعيش في عوالم وأماكن أخرى.  ومع ذلك كنت في داخلي متمسكة بالقيم التقليدية. لم أكن أعلم حينئذ أنني سأصبح امرأة هندية ذات ذهنية تقليدية. دخلت ذلك الطور مثلما ينمو الشخص في هيئته وكما تنمو الأشجار دون قصد مسبق أو خطة.

كما أنني لم أكن أدري أنني سوف أصبح كاتبة، فحقيقة انتمائي إلى أميركا أخرى كانت منذ البداية أساساً لكتاباتي.

عندما كنت فتاة، وعلى الرغم من كوني خجولة وغير مستعدة للدخول في المجادلات، فقد تمكنت في أحد الأيام أن أقول لمعلمة مدرسة الأحد الدينية، التي كانت مؤمنة بأننا في دار الرب، بأنني أشعر بوجود الله عندما أجلس تحت شجرة، فهناك مع الشجرة أحسست بحب الأرض وأنا أشتم عبق التراب الناعم بينما تنمو حافات العشب حتى أثناء جلوسي.

كنت طفلة عندما استخدمت كلمات دفاعاً عن شجرة وربما كانت أول مجادلة لي ضمن مسار حياتي الهادئة والآن أدرك بأننا ننمو أيضاً في كلماتنا.

وأثناء كتابتي هذه المقالة، أجلس تحت شجرة وأثناء جلوسي هنا فقد راقبت طقس مزاوجة للطائر الطنان والنحل الحائم على شجر البيلسان العطري وأزهار الثوم وكذلك ثعلباً نحيلاً فوق التلة المطلة.

لم أكن أعلم، حين كنت أعتقد أن الرب هو شجرة، أن أجدادي في ليلة طردهم من مسيسيبي إلى أوكلاهوما عبر "طريق الدموع" شوهدوا وهم يلمسون أوراق الأشجار وسيقانها وهم يبكون.  فالشاهد على طردهم إلى أوكلاهوما، منطقة الهنود، كتب واصفاً إياهم: صديقاتهم القدامى، الأشجار.

وفي هذا اللغز البشري نما بداخلي تاريخ وذاكرة حملت من الوراء السحيق معرفة الأجداد.

حين أعود بالذاكرة إلى الوراء أستطيع القول إنني كنت شاعرة في القلب ولم أكن بحاجة إلى الكلمات في البداية.  كنت مراقبة ثم تطورت لأدخل حياة الكتابة.  فعملي كان وما يزال وسيلة للبقاء في العالم وهو اعتراف بأننا نعيش في عالم حسن. فمن خلال عملي أحاول رؤية العالم كاملاً من جديد. فرواياتي بشكل خاص تمنح المواطنين الهنود الكرامة والحقيقة في عالم من القوالب كما تمنحهم الكمال الروحي.  وأظهر أننا موجودون تماماً أمام وقبل وفي خلفية أميركا، واعترف دائماً بذكاء الكبار واحترم العالم.  إنه عمل مشبع بالأمل وأحاول أن أحدد فيه الإدراك التقليدي الهندي للكون والذي يضم أبراجاً تسمى: البط السابح والجاموس والتي تختلف عن الأبراج الغربية.  كما أنني أدرك أيضاً أهمية أصغر جذر لنبات لأنه يضيف شيئاً إلى عالمنا. إن كتابتي أكبر مني، ففيها تيارات أعماق الأرض وأمواج المحيط واكتشافات أجهلها:

مرة في غابة الشجر الأحمر سمعت قرعاً كقرع الطبل أو دقة القلب تخرج من الأرض والشجر والريح.  تيار أعماق الأرض ذلك أثار نوعاً من الإدراك داخلي، أحد الأقارب .. وشوقاً .. أفكر بالناس الذين أتوا قبلي وكيف أدركوا مواقع النجوم في السماء، مراقبين الشمس السابحة لفترة طويلة وبدقة كافية ليشاهدوا كيف أن زاوية معينة للضوء تلمس حجراً فقط مرة كل عام.  ومن غير سفر مكتوب كانوا يعرفون آلهة كل ليلة، والتفاصيل الصغيرة الدقيقة للعالم من حولهم والوجود الشاسع من فوق … إنه عالم من الانتباه الدقيق للعناصر، لكل الأشياء المتفاعلة، مصغية لما يتحدث في الدم.  وأي كان الطريق الذي أسلكه، فأنا أسير في أرض العديد من الآلهة، وهي تحب وتأكل بعضها البعض.  الليلة أصغي لطريق أعمق. فجأة كل أسلافي خلفي.  يقولون لي: لا تتحركي، انظري أصغي.  أنت ثمرة حب الآلاف.

(مقتطفة من " المشي" Walking)

 

أصبحت امرأة تكتشف طريقها من خلال الكتابة.  تناولت لغة عالم أكبر من البشر ومن خلاله أصبح عملي ككاتبة ينتقل باستمرار بين الشعر والمقالة والقصة. أصبحت القصص تزداد أهمية لي مثلما غدت دراستي المستمرة للأدب الاحتفالي للعديد من القبائل التي تحتوي كل منها معرفة في غاية التعقيد وفهماً للعالم وللقيم.

في جميع الموروث المتناقل وآراء الشعوب الأصلية القديمة في كافة أرجاء العالم، هنالك علاقة مدركة ومحفوظة في الذاكرة بين البشر والكون. وموقع الإنسان هو جزء من اللغز العظيم. فالثقافات التي بقيت على مدى 20000–60000 سنة لا يمكن أن تكون خاطئة، هكذا قررت.

لكن الأهم من ذلك، فقد توجب علي أن أتعلم كيف أنتظر، وأصغي واتبع كما في المقالة أعلاه.  توجب عليّ أن أتعلم، كما الآن، جالسة تحت شجرة ليتبلور العمل أو ألهم به.

في روايتي السلطة Power، تجد بطلة الرواية نفسها مضطرة إلى الاختيار بين العوالم التي تستطيع سكناها، عوالم الكبار وخبراتهم العظيمة، أو عالم أميركا.  إنها تعرف الهندسة واللغة الإنجليزية والعالم الأميركي، ولكن عليها أن تقرر إن كانت ستترك هذا العالم من أجل عالم الكبار الذين يعيشون في مجتمعهم الخاص بهم وبأساليب حياتهم:

في المدرسة نسمع بالنجوم المنكمشة على الداخل، التي تسقط نحو الداخل مثلما أفعل أنا الآن، ولكن دون وجود مكان ألمسه، لا قعر للسقوط الداخلي… أهمس لنفسي أثناء سيري ونور القمر يلمسني، "أغادر هذا العالم.  أغادر الحرب والخوف.  أغادر النجاح والفشل، والممتلكات، وغرف الضياء التي كانت يوماً ما نهراً، والآن في تناقص."

بدأ هذا الكتاب كمشروع بحث، فقد كنت ضمن لجنة من الهنود تعمل على إعادة كتابة "قانون الكائنات المهددة بالانقراض." كانت هناك حادثة مثيرة للجدل هي قيام رجل من قبيلة سيمينول بقتل نمر أسود مهدد بالانقراض في فلوريدا.  ذهبت إلى فلوريدا لقراءة سجلات المحكمة، مخططة لكتابة مقال لدورية قانونية.  ولكن ما طرق سمعي وأنا في منتزه إيفرغليدز القومي، كان صوت تلك الشخصية الرئيسية أوميشتو، أحد الأصوات التي يسمعها الكتّاب واتبعت ما أرادت قوله.

بهذه الطريقة، تتحول كتابتي إلى بحث وأعثر على لغة وكلمات لما لا يمكن التعبير عنه باللغة العادية، وظلالاً دلالية، ودرجات من الحب ولحظات من الحكمة التي لا تنبع مني بل من آلاف السنين من التعلم والوجود.  وعندما وضعت أولى كلماتي المفتقرة للمعرفة على الصفحة فعلت ذلك لإعطاء صوت من أجل ولمن لا صوت له، سواء أكان حيواناً مهدداً بالانقراض في كتاب السلطة Power، أو شخصيات تاريخية كالمرأة لوزن Lozen، أو رجل الاستراتيجية العسكرية جيرونيمو Geronimo في المرأة التي تراقب العالم.  أريدهم أن يعرفهم العالم، وأن يكونوا مهمين، ولا يتم نسيانهم.

هذا الصباح بينما أجلس تحت شجرة، تغادر العناكب الوليدة.  تشرق الشمس على خيوطها الحريرية.  طيور السنونو تطير من الطين إلى أعشاشها المصنوعة من الصلصال وبالعكس عبر عالم ترسمه خرائطها.  أستطيع سماع الشهيق العميق للخيول وراء الأشجار.  على أحدها تجمد الحرفان U  و S داخل الفراء تعقبها رموز ستمنحها الهوية دائماً وتعلنها وتقص حكايتها.  هي الأخرى جزء آخر من أميركا، مخلوقات جمعت من البرية.  وللخيول الهندية تاريخ مشابه لنا.  العسكر يجمع القبائل وينقلها جميعاً إلى أوكلاهوما ولإعاقة حركتهم تم قتل جميع خيولهم وأحياناً بالآلاف.  إنه جزء من التاريخ الذي يجعلني أيضاً أكتب:

 

الإنجذاب:

مستانغ، مهرة السهول الأميركية

الليلة بعد أن تلاشى ضجيج النهار

تقف تحت القمر،

صخرة رمادية تلمع.

إنها منسجمة مع الأرض

منتمية لها.

 

لها وجه غامق هادئ

أظلافها الصخر الأسود

تنتمي للأرض

كما اعتادت أن تكون،

أعشابا طويلة

مثلما يعقب العشب المطر

أو تطأ الريح سهول الخريف

أو في الشتاء الآن عندما

يتغير فراؤها ويصبح ثلجاً

أو يتغير لون شعر بطونها

بلون شجر صفصاف الماء الأحمر عند الجدول

سيقانها سوداء كالشجر.

 

هذه الخيول

كأنها ظل

 مكسور.

 

عندما نسير معاً

فوق الأعشاب الطويلة، أحسها

كأنني أسير برفقة لغز،

مع الجمال، والقوى الشرسة،

وكأننا ولوهلة نفس الحيوان

ونتذكر بعضنا منذ الماضي.

 

أو في بعض الأحيان أجلس فوق الأرض

وأرقب الريح تعبث بعرفها وذيلها

وموجات العشب اليابس

جميعاً في ذات الطريق

وتذكرني

كيف أتيت عبر هذا الطريق الطويل

خلال الزمن

لأجدها.

 

في بعض الأيام أشدو لها

متذكرة رجل كيووا

الذي غنى لتغطية صراخ المهرات

التي قتلها الأميركان

الأغنيات التي أعرفها في نومي.

 

في بعض الليالي، أسمعها في الخارج،

واعتقد أنها بالنسبة للأرض

ما أمثله أنا بالنسبة لها

من الانتماء.

 

في بعض الأحيان يبدو وكأننا نعرف بعضنا

منذ زمن يسبق رحلاتنا هنا

سراً أغني لها، الأغنيات القديمة

تلك التي أنطقها في نومي.

 

لكن في الليلة الماضية، ماتت رضيعتها

بعد صلة الدم والحركة

لكثير من الشهور

الليلة أجلس على القش

وأرقب بينما يتدفق الحليب من حلماتها

ليتساقط على الأرض.  أنظف وجهها. 

لقد قطعت مسافة طويلة عبر الزمن

لأجدها

وهذه أول مرة

أرى حصاناً يبكي.

 

تقول الريح، اصدح بالغناء، إذن،

اصدح بالغناء.

 

أحب العالم.  أحب كل شيء يعيش فوقها.  ولهذا أكتب، مثلما أفعل هذا الصباح تحت الشجرة. إنه عالم من الغموض والجمال، وهذا هو ما يمنحني الكلمات، وتلك الكلمات تأتي من الأرض، لغة الأرض، تذكر ما نسي من العالم، كما أسماها الكاتب ميريدل لوسور.  أكتب لأكون شخصاً واحداً يساعد على جعل العالم وحياة البشر وغيرهم متناغمة مع بعض، لجعلها متكاملة ثانية.  أفعل هذا من أجل المستقبل.  أفعل هذا من أجل الحياة.

 

تتحدر الكاتبة ليندا هوغان من قبيلة تشيكاسو، وهي إحدى قبائل سكان الولايات الأصليين، أو الهنود الحمر، وهي مؤلفة عدة كتب تشمل مساكن: تاريخ روحي للعالم الطبيعي Dwellings: A Natural History of The Natural World (منشورات نورتون، 1995)، رواية السلطة Power (نورتون)، وروايتي الروح اللئيمة Mean Spirit) والعواصف الشمسية Solar Storms (سايمون وشوستر).  وقد رشحت روايتها الروح اللئيمة لجائرة بوليتزر، كما رشحت مجموعتها الشعرية كتاب الأدوية The Book of Medicine لجائزة نادي نقاد الكتب القومي National Book Critics Circle Award.

حصلت هوغان على العديد من الجوائز وبضمنها منحة من الوقفية القومية للفنون وزمالة غوغنهايم وجائزة مؤسسة لانان وجائزة الكتابات المسرحية لمتحف القبائل المتحضرة الخمس. وفي العام 1998، نالت جائزة جماعة الكتاب المحليين للأمريكيتين تكريماً لإنجازاتها على مدى الحياة.  كما كتبت مسلسلاً تلفزيونياً وثائقياً عن تاريخ الحرية الدينية للهنود الأميركيين بعنوان لكل شيء روح Everything Has A Spirit يمكن مشاهدته على شبكة PBS. وهي واحدة من ثلاث كاتبات هنديات قام متحف سميثسونيان القومي للهنود الأميركيين بتكليفهن بتأليف كتاب بمناسبة الافتتاح الكبير للمتحف. ويتناول الجزء الخاص بالكاتبة هوغان التقاليد وكيفية انتقالها إلى الزمن الحاضر. كما اشتركت مع برندا بيترسون في تحرير كتاب بعنوان الطبيعة الحميمة: الرباط  بين النساء والحيوانات Intimate Nature: The Bond Between Women and Animals، الصادر عن دار بالانتاين، وكذلك كتاب التنفس العذب للنباتات The Sweet Breathing of Plants، الصادر عن منشورات فرار شتراوس وجيرو.  وصدر لها كتابان آخران في يونيو/حزيران 2000: المرأة التي تراقب العالم: مذكرات أحد السكان الأصليين The Woman Who Watches Over The World: A Native Memoir، عن دار نورتون للنشر، وكتاب الرحلة الغامضة للحوت الرمادي The Mysterious Journey of the Gray Whale ضمن سلسلة كتب ناشيونال جيوغرافك National Geographic.  وهي منشغلة الآن في كتابة رواية أخرى ومجموعة شعرية ورعاية حصانين.

 

"إنه عمل مشبع بالأمل وأحاول أن أحدد فيه الإدراك التقليدي الهندي للكون والذي يضم أبراجاً تسمى: البط السابح والجاموس والتي تختلف عن الأبراج الغربية."

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي