الفنون| إعادة تشكيل الأفكار، التعبير عن الهوية

08 كانون الثاني/يناير 2008

زجاجة حليب أميركية

 

بقلم تشارلز جونسون

تحت الكرة الزجاجية في غرفة معيشة منزلي ثمة أثر لأربعة قرون من تاريخ أسرتي في قارة أميركا الشمالية. أنا متأكد من أن كل من زار دارنا لا بد أن يشعر أنه أغرب تذكار ولغز يصعب حله في الماضي الأميركي، نسيج من الزمن والأرواح المنسية، أمارس عليه في أغلب الأحيان تفسيراتي الخاصة، سابراً طيات دلالاته المختلفة مثلما يفعل المرء مع لوح ممسوح. أحاول أن أتصور (كما يفعل علماء الآثار مع أدوات حصلوا عليها من بومبي أو كسرات فخار من مخلفات شعوب الإنكا) العالم الأميركي-الإفريقي المفعم بالأمل والصراع والبطولة والإمكانيات المؤجلة طويلاً، والذي يشكل خلفية لهذا الشيء الذي يبلغ عمره 80 سنة.

إن ما يستقر بغموض تحت الزجاج هو زجاجة حليب سميكة وضبابية ومخدشة جداً حفر عليها: "سعة باينت واحد. هذه الزجاجة ملك لشركة ألبان جونسون في إيفانستون، الينوي  ومعبأة من قبلها.  تغسل وتعاد."

إن جونسون الموقر الذي كان يملك تلك الزجاجة هو عم والدي الراحل وليام الذي ولد عام 1892 في منطقة ريف ولاية ساوث كارولينا عند نهاية مرحلة إعادة البناء قرب البلدة الصغيرة أبيفيل وقبل ثلاث سنوات فقط من خطاب بوكر ت. واشنطن الشهير في اتفاق أتلانتا (ونشر كتاب اتش. جي. ويلز آلة الزمن The Time Machine.)  وكان قومه يعيشون قريباً من الأرض إذ كانوا يزرعون ويقضون الشتاء في الصيد، وينتجون كل ما يحتاجونه.  وكانوا يحصلون على الماء من بئر. والاستجابة لنداء الطبيعة منتصف الليل كان يعني الخروج والسير وحيداً إلى مرحاض خارجي ذي رائحة كريهة وبخطى حذرة لتجنب الأفاعي.  وكانوا يجعلون أولادهم يعملون في سن الخامسة، إذ كانوا يجلبون الأشياء للبالغين والصبية الأكبر سناً أثناء عملهم.  في حياتهم اليومية لم تكن الأشياء سهلة المنال أو مضمونة وأنا مقتنع من أن العم ويل كان قد تأثر إلى حد كبير ببرنامج بوكر ت. واشنطن الشهير والمتعلق بالاعتماد على الذات "وفلسفته الخاصة بفرش الأسنان" (أي النظافة والعناية الدقيقة بكافة الأشياء الشخصية والحرفية).  لقد تأثر بذلك وربما بتباهي ثورو المتسم بالتحدي في كتابه  وولدن: "لدي من الصنائع بعدد الأصابع".

مثلما هو شأن العديد من السود الذين هاجروا إلى الشمال بعد الحرب العالمية الأولى فإنه سافر إلى شيكاغو واستقر في إيفانستون، الضاحية الهادئة، دون أن يجلب معه شيئاً أكثر من ظهره القوي وسرعة بديهة وتوق متأجج للنجاح رغم الضغوط العنصرية خلال فترة جم كراو. وفي إيفانستون اكتشف بأن شركات الحليب التي يملكها البيض لا تقوم بإيصاله للسود.  ولأنه كان دائم التفاؤل ويفضل العمل المجهد والذي يجعل يديه تتسخان على الشكوى، والبناء على التذمر فقد واجه العم ويل العنصرية بتأسيس شركة ألبان جونسون. وعملت الشركة بصورة جيدة موصلة الحليب كل صباح لسكان إيفانستون السود إلى أن أوقف الكساد الكبير نشاط الشركة.

مع فشل ذلك المشروع عمل العم ويل ضمن فريق بناء حتى تعلم خفايا المهنة فأنشأ مشروعه الثاني: شركة جونسون للبناء والتي استمرت حتى السبعينات (من القرن العشرين) وأنشأت كنائس (كنيسة سبرنغ فيلد المعمدانية)، ومباني الشقق ومساكن في مجمل مناطق الساحل الشمالي والتي ما زالت قائمة حتى اليوم وبعد وفاة عم والدي عام 1989 عن عمر بلغ 97 سنة كأماكن يعيش فيها الناس ويعبدون خالقهم.  وفي الحقيقة ومع نجاح مشروعه الثاني استطاع أن يعد إخوته في الجنوب بفرص عمل لأبنائهم وبناتهم إن جاؤوا إلى الشمال.  فوافق والدي على عرضه والتقى بأمي بعد فترة وجيزة من استقراره في ايفانستون والتي بدأت بعدها سلسلة من الأسباب والنتائج لتقود بعد 54 سنة إلى هذا التأمل حول كيف أن كوني أميركياً قد صاغ حياتي كروائي وكاتب قصة وناقد أدبي وفيلسوف وأستاذ جامعي ورسام محترف للصور المتحركة الكارتون (فمثلاً تم تصوير عمي في الفصل السابع من روايتي الأخيرة الحالم Dreamer بصورة المتعهد الأسود التخيلي روبرت جاكسون الذي تملأ منجزاته المعمارية إيفانستون).

بتعبير بسيط، فلقد نشأت في بلدة كنت في كل يوم فيها أدخل مباني أنتجتها عبقرية وعرق وعطاء فريق جدي الكامل من البناة السود والذي استخدم في إحدى المرات سابقاً والدي وعمي. وهكذا لم أشك أبداً يوم كنت طفلا،ً ولا لمرة واحدة، في الدور الهام الذي لعبه قومي منذ القرن السابع عشر في بناء أميركا على كافة المستويات: المادية والثقافية والاقتصادية والسياسية.  (ومن ناحية أمي، بوسعي تعقب نسب العائلة إلى جيف بيترز الذي عمل حوذياً في مدينة نيو أورلينز، والذي كان قد ولد عام 1812). وبما أنني نشأت في إيفانستون والتحقت بمدارس مختلطة (بالبيض والسود) منذ ثلاثينات القرن العشرين، فقد أدركت – بفضل والدي ومن هم أكبر مني سناً والمعلمين – بأن الديمقراطية الأميركية كانت عبارة عن "عمل متواصل،" كما أنها دعوة للنضال (كما أعتقد بأن بنجامين فرانكلين وصفها مرة): تجربة طليقة في الحرية التي تنتقل مثل مصباح من جيل أسود إلى الجيل الذي يليه لتنقيتها وتحقيقها.  علمني الكبار بأن العنصرية صفة متنحية مصيرها سلة المهملات الخاصة بالتطور البشري وهي دون كل من يفهم حقاً الروح الحقيقية لأميركا.

أما بالنسبة  لويل جونسون، حسناً إليكم هذا: أتذكره أصلعاً داكن البشرة كبير البطن يرتدي بنطلوناً ذا حمالة وعميد الأسرة (الدور الذي انتقل إلى والدي لاحقاً)، وكان له مقعد محجوز في كنيستنا (إذ كان يتبرع كثيراً للكنيسة).  كان يتابع أنباء المساء على شاشة تلفازه الأسود والأبيض وكأنه مصدر الإلهام والوحي (فكل نصر خلال حركة الحقوق المدنية كان يجعله مبتهجاً بالتقدم الذي يحرزه السود في الخمسينات ومطلع الستينات). وكان يحب رؤية أولاد أخيه وأبنائهم حين يأتون للغداء في منزله المكون من طابقين الذي صممه وبناه بنفسه (وكان يسكن بالطبع في الطابق العلوي المريح، ويؤجر الطابق الأرضي لصالون تجميل ودكان حلاق. أما مكتبه المملوء بالخرائط والمخططات المصورة وأدوات المسح الأرضي المبهمة [بالنسبة لي] فكان في الطابق السفلي تحت الطابق الأرضي).  أتذكره يوم غنى لي أغنية كان قد أعدها لشركة الألبان الخاصة به وحتى هذا اليوم أؤنب نفسي أنني نسيتها.  لكنني أشكر تلك القوى أيا كانت لتسليمي زجاجة الحليب الوحيدة تلك، التي كانت محفوظة داخل جدار بناية وسط إيفانستون في الثلاثينات (من الواضح أن من امتلكها لم "يغسلها ويعيدها").  ولقد اكتشفها مصور أبيض عندما كانوا يعيدون تصميم البناية عام 1975.  احتفظ بها ثم أعادها لي في النهاية كهدية في عام 1994 مقابل نسخة موقعة من روايتي الممر الأوسط Middle Passage بعد أن ألقيت كلمة افتتاحية في جامعة نورث ويسترن (في البداية طلبوا ذلك من الرئيس كلينتون ولكنه عندما لم يجب طلبوا ذلك مني) والتي كان المصور يغطيها.  فعندما ذكرت عم والدي قال مع نفسه: الزجاجة عندي في المنزل.

كلما سرت داخل صالة المعيشة في منزلي ومررت جنب زجاجة الحليب الخاصة بعمي ويل أتذكر النبرة الإلحاحية التي تطغي على صوته وهو ينصح أولاد أخيه: "تعلموا فهو أهم ما يمكنكم أن تفعلوه.  فافتقاري لذلك هو الشيء الوحيد الذي أبطأ مسيرتي."  كان يفهم وجعلنا ندرك من خلال حالته الشخصية أنه ورغم أن السود قد تحملوا اضطهاداً مريراً فإن أميركا قد بنيت على المبادئ والمثل والتشريعات (إعلان الاستقلال والدستور) التي تضطرها أبداً إلى إصلاح الذات.  فتلك هي الأسس التي كان يدرك بأنها تطور السود من الأميركيين وبقوله بأن الفرص التي حرم منها ستكون في انتظارنا ولكن بشرط أن نكون متعلمين ومثابرين.

صورته عن أميركا كما علمت لاحقاً يشترك فيها معظم، إن لم يكن، جميع المهاجرين الجدد من الأفارقة والآسيويين والروس الذين حظيت بلقائهم والحديث معهم.  لم أكن أقيّم تماماً الطريقة التي كان الأجانب ينظرون بها إلى السمات الإيجابية للحياة الأميركية أو أن أدرك أنها تعكس معتقدات عائلتي نفسها حتى دخلت الكلية والتقيت بطالب صحافة من غانا يدعى فورتشوناتا ماسا والذي قال لي في نهاية الستينات: "الشيء الذي أحبه كثيراً في أميركا هو أنك إن أردت تعلم أي شيء فهناك شخص ما هنا يمكنه أن يعلمك."

بتلك الكلمات لخص صديقي بلطف حياة ابن الوطن.  (وكان بوسعه إضافة فضائل أخرى للحياة الأميركية كدعم البحث العلمي الذي يقود إلى اكتشافات في كل أسبوع تقريباً في مجالات العلم والتكنولوجيا الجديدة، إضافة إلى نظام سياسي يثير إعجاب العالم، وتعزيز سليم للمنافسة التي تحثنا على أن نكون أفضل ما يمكن.)

ارتكزت موهبتي في المدرسة الابتدائية على الرسم أما الكتابة فقد كنت ألهو بها.  كتبت مذكرات ويوميات منذ أن كان سني 12 عاما، ونشرت أولى قصتين لي في عام 1965 في الملحق الأدبي لجريدة مدرستي الثانوية ولكن الرسم كان مستحوذاً على مخيلتي ويجلب لي مديح المعلمين.  وفي سن 14 سنة أخبرت والديّ بأني أريد أن أصبح رسام صور متحركة (كارتون) ورسام صور توضيحية مما أقلق والديّ لأن مثل هذا القرار غير العملي قد يهدم مستقبلي المالي، فقال بنبرة وقورة: "ولدي، لا يسمحون للسود بذلك." كنت أعرف بالطبع أنه مخطئ.  فوالدي كان قد وصل الصف الخامس فقط (أما أمي فقد أنهت الدراسة الثانوية ومشتركة في ثلاثة نواد لقراءة الكتب).  ولذلك لم يكن والدي يعرف عن الفنانين السود، مثل رسام الكارتون السياسي العظيم أولي هارنغتون، أو سيمس كامبيل، الذي ظهرت أعماله في مجلتي اسكواير وبليبوي، أو موري تيرنر أو جورج هيريمان، مبتدع كارتون كريزي كات Krazy Kat (القلة من الناس كانوا يعرفون في الحقيقة أن هيرمان أسود لأنه طوال حياته كان الناس يظنونه أبيضاً). إن كلمات والدي النابعة من خلفية طفولته التي عانت من التمييز ضد الزنوج حفزتني لإرسال رسالة إلى رسام كارتون في نيويورك كنت قد قرأت عنه في مجلة ريدرز دايجست Reader's Digest وهو لورنس لاريار، فقد كان رسام كارتون مجلة باريد Parade في الستينات وكان قد عمل في ستوديو دزني كما عمل محرراً للكتاب السنوي أفضل رسوم كارتون هذه السنة Best Cartoons of the year، وهو مؤلف أكثر من 100 كتاب، بعضها روايات غامضة حققت أفضل المبيعات.  أخبرته بما قاله والدي وخلال أسبوع واحد أرسل لي لاريار جواباً مفرحاً: "والدك مخطئ.  وبوسعك أن تفعل ما تريد بحياتك.  وكل ما تحتاجه هو معلم جيد."  وباختصار فإن لورنس لاريار وهو يهودي متحرر (والذي غير اسمه الأخير في الأربعينات) وكان يغضب جيرانه بدعوته فنانين سود إلى منزله في لونغ أيلاند حيث كان يعلمهم، أصبح معلمي.  (وبعد رؤية رسالة لاريار شجعني والدي ودفع أجور دراستي).  وبعد سنتين كنت أنشر صوراً توضيحية لفهرس شركة في شيكاغو تبيع ألعاباً سحرية وحصلت على جائزتين في مسابقة قومية أقامتها منظمة صحفية لرسامي الكارتون في المدارس الثانوية.  وخلال السنوات السبع اللاحقة بين 1965 و1972 نشرت أكثر من 1000 صورة كارتونية ورسم توضيحي إضافة إلى كتابين في الفن الهزلي لدى السود: Black Humor (1970)  و نصف ساعة بعد الزمن القومي Half Past Nation Time (1972).  وبينما كنت أدرس لنيل شهادة البكالوريوس في الصحافة في جامعة ساوذرن الينوي، أعددت وساهمت في إنتاج مسلسل تلفزيوني بعنوان شقة تشارلي Charlie’s Pad (1970)، والذي كنت من خلاله أعلم الآخرين كيفية الرسم واستمر عرض المسلسل في محطات التلفزيون في أرجاء البلاد وكندا لمدة عقد من السنين تقريباً.  وأفضل ما في تلك الجهود الموجهة لليافعين يمكن الاطلاع عليه في كتاب بول ماندلبوم الكلمات الأولى: كتابات مبكرة لكتاب معاصرين مفضلين First Words: Earliest Writing From Favorite Contemporary Authors (1993) وكتاب توني بولدن بعنوان أخبر جميع الأطفال بقصتنا Tell All the children our Story (2001) وكتاب جون مكنالي أضحكني: مختارات هزلية لكتاب ملونين Humor me: An Anthology of Humor by Writers of Color (2002).

لقد ثبتت صحة بعد نظر فورتشوناتا ماسا وعم والدي من جديد عندما شرعت عام 1970 بكتابة الروايات بصورة جادة، مقدماً ست روايات خلال سنتين قبل قراري بأنني بحاجة إلى معلم جيد، يفهم ويرغب في استكشاف وتوسيع الرواية الفلسفية الأميركية للقرن العشرين. وشاء الحظ وأنا أنهي دراسة الماجستير في الفلسفة وقد بدأت بكتابة روايتي السابعة الإيمان والشيء الخير Faith and the Good Thing أن يصبح جون غاردنر الروائي وأستاذ الكتابة الفلسفية الراحل معلمي وصديقي مقدماً لي إرشاداً أدبياً لامعاً من 1972 وحتى وفاته بحادث دراجة بخارية بعد عشرة أعوام.  وبصفتي معلماً على مدى 26 عاماً، أعرف أكثر من أي شيء آخر بأنه ومنذ الستينات أصبح توفر المعرفة أهم سمة عظيمة للديمقراطية الأميركية، تلك الديمقراطية التي تمكّن وتحرر مواطنيها.  إنها هبة كبيرة وتتطلب جهودا خاصة، وأنني وعدت عم والدي: "نعم سيدي سأتعلم".  لقد اعتمدت على هذه الفضيلة في الحياة الأميركية عندما بدأت عام 1967 التدريب في الفنون الصينية في شيكاغو ثم في مدارس أخرى في نيويورك وسان فرانسيسكو وسياتل واشتركت مع صديق في إدارة الأستوديو الخاص بنا، الذي أطلقنا عليه اسم  Choy Li Fut kung-fu لمدة عشرة أعوام، وعندما حصلت على شهادة الدكتوراه من جامعة نيويورك الحكومية في ستوني بروك مخصصاً رسالتي، وعنوانها الوجود والعرق: كتابات السود منذ 1970 لتكوين ظاهرية جمالية للرواية السوداء.  وبعد حصولي على زمالة ماك آرثر قبل أربع سنوات، قررت تعميق نزعتي الدائمة للبوذية وذلك بتعلم اللغة السنسكريتية، ليس في جامعة، بل بدراسة النصوص المقدسة للهندوسية وأدفياتا فيدانتا في النص الأصلي بالأبجدية الديفانغارية Devangari مع كاهن فيداوي يعيش في بورتلاند بولاية أوريغون ويقدم دروساً خاصة.  وكما جاء على لسان فورتشيوناتا، فإن كل ما ترغب في تعلمه يتوفر في أميركا. ومع هذه الحرية لا بد من ملاحظة هي: لأننا نتمتع بمثل هذه الحرية فإننا نضطر طوال حياتنا أن نعطي الآخرين حرية أكبر.

وهكذا، فقد نظرت إلى حياتي الأميركية على الدوام كمغامرة تعلم ونمو وخدمة.  في هذه البلاد لا أحد أو مجموعة بيضاء كانت أم سوداء تستطيع أن تطلب مني ألا أحلم أو أن تراقبني أو تمنعني من العمل حتى تصبح تلك الأحلام الخاصة بالخلق الفني وتطوير الذات حقيقة ملموسة.  حاول البعض ذلك بالطبع ولكن في أميركا أعرف أن عواطفنا تحدد إمكانياتنا.  في بعض الأحيان عندما أعمل في وقت متأخر من الليل وأنزل من مكتبي في الطابق الثاني إلى الأسفل حيث المطبخ لأتناول قدح شاي طازجا، أشاهد زجاجة الحليب الخاصة بعم والدي فوق المنضدة الصغيرة وأحاول تصور مشهد العم ويل جونسون في الصباح الباكر قبل شروق الشمس وهو يحمل زجاجات الحليب مصلصلة كهذه عبر الشوارع الهادئة الخالية ومن عتبة منزل أسرة سوداء إلى أخرى مسرعاً لإحراز تقدم وليحفر مكاناً لنفسه ولأحبته في وجه الصفقة الجديدة (برنامج الرئيس فرانكلين روزفلت للانتعاش الاقتصادي والإصلاح الاجتماعي) وعالم ينجرف نحو الحرب وأتساءل كيف أن أحلام هذا الرجل الطويل والوسيم والنشيط كانت مشدودة بقوة إلى تلك الزجاجات الصغيرة.  ترى هل أخبره الرجال السود الآخرون أنه مجنون في محاولته منافسة شركات الألبان الخاصة بالبيض؟ هل أرقه القلق في الليالي كأي متعهد أو فنان من أنه لن يجني سوى الخيبة من جهده وعرقه والحليب المسكوب؟ إن حصل ذلك فلا ضير منه لأن أميركا تضمن له فرصة أن يحلم من جديد.

 

نال تشارلز جونسون، الحاصل على زمالة مكارثر MacArthur للعام 1998، جائزة الكتاب القومية National Book Award عن روايته الممر الأوسط Middle Passage عام 1990، كما حصل على جائزة الأدب للعام 2002 من الأكاديمية الأميركية للفنون والآداب.  ونشر ثلاث روايات أخرى: الحالم Dreamer (1998)، حكاية قطيع الثيران Oxherding Tale (1982)، والإيمان والشيء الخير Faith and the Good thing (1974) — إضافة إلى مجموعتي قصص: صبي الساحر The Sorcerer’s Apprentice (1986) وقابض الروح Soul Catcher (2001).

من بين مؤلفاته العديدة كتاب كنغ: سيرة مارتن لوثر كنغ بالصور الفوتوغرافية King: The Photobiography of Martin Luther King (بالاشتراك مع بوب آدلمان، 2000)، أفارقة في أميركا: رحلة أميركا عبر العبودية Africans in America (بالاشتراك مع باتريشيا سميث، 1998)، الوجود والعرق: كتابة السود منذ 1970 Being and Race: Black Writing Since 1970 (1988)، والرجال السود يتحدثون Black Men Speaking (بالاشتراك مع جون ماكلوسكي، 1997)، إلى جانب كتابين من الرسومات.

ظهرت كتابات جونسون في العديد من المنشورات في داخل أميركا وخارجها، كما ترجمت إلى سبع لغات.  ونال جائزة الفنون من المجلس المشترك للفنون، وذلك تكريماً لأعماله مدى الحياة، إلى جانب العديد من الجوائز الأخرى.  وفي عام 1999 نشرت جامعة إنديانا كتاباً عن أعماله بعنوان أسمي نفسي فناناً: كتابات بقلم تشارلز جونسون وعنه I Call Myself an Artist: Writings By and About Charles Johnson. وبالإضافة إلى أنه ناقد أدبي وكاتب سينمائي وفيلسوف ومحاضر دولي ورسام للصور المتحركة في رصيده أكثر من 1000 لوحة منشورة، فإنه يشغل كرسي أستاذية إس ولسون وغريس بولاك المخصص للغة الإنجليزية في جامعة ولاية واشنطن بمدينة سياتل.  وبوسعك زيارة موقعه على شبكة الإنترنت، وهو: WWW.previewport.com

 

" واجه العم ويل العنصرية بتأسيس شركة ألبان جونسون وعملت الشركة بصورة جيدة موصلة الحليب كل صباح لسكان إيفانستون السود إلى أن أوقف الكساد الكبير نشاط الشركة."

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي