08 كانون الثاني/يناير 2008
باراتي موخيرجي
نشرت أول قصة قصيرة لي عندما كنت في سن المراهقة في كالكوتا. وكانت تتحدث عن أيام نابوليون الأخيرة في سانت هيلينا. وقد أتبعت تلك القصة بقصة عن ماري أنطوانيت وهي تنتظر المقصلة، وبقصص أخرى عن شخصيات متنوعة من التاريخ الروماني. وكانت هذه "التوهجات" الأولى شهادات على المعايير غير المرنة للتعليم البريطاني للفتيات من الأسر "النخبة" الملتحقات بمدرسة إيرلندية تتبع الدير. وكان منهاج كامبردج لما وراء البحار يتجاوز الحدود والقارات، فلو كنا في هونكونغ، أو جوهانسبرغ، أو أديليد، أو بورت – أوف-سبين- أو حيثما كانت المعايير المحلية غير موجودة أو متراخية، لكنا قد تلقينا ذات الثقافة وانتهينا متشابهين.
النقطة الأساسية كانت أن كالكوتا (أو أي مكان آخر) لم يكن لها/له وجود. فلم نعش حياة مثيرة للاهتمام. وكانت ثقافاتنا مخجلة بصورة غامضة، غير مناسبة قطعاً كموضوع لأدب جاد.
قرأنا جين أوستن، بالطبع، وفرجينيا وولف. وغدونا ضليعين في الأدب الفكتوري، وحفظ بعضنا العديد من أعمال شكسبير غيباً. ومن أجل التسلية، قرأنا أعمال الكتّاب الروس والفرنسيين، وللملذات التي تورث الذنوب، انغمسنا في قراءة القصص التي كانت تفضلها أمهاتنا والتي كنا نستعيرها من المكتبة. حاول أن تفكر بأسماء مثل مونيكا ديكنز ودافني دو مورييه. أما "الأدب الأميركي" فكان لنا بمثابة اجتماع لفظين متناقضين، فالأميركيون هم الغرباء تماماً المنصرفون بدرجة كبيرة إلى انتاج ومشاهدة الأفلام بحيث لا يحفلون إطلاقاً بالكتب.
بعد ذلكّ، وكأنه أمر لا مراء فيه، دخل حياتنا كتاب دبلنرز Dubliners (أهل دبلن). وكان دعوة مختلفة، شيئاً مستعجلاً ومقلقاً. لقد انفتح باب وكان عليّ أن أدخل. والكتابة (بخلاف القراءة) لم تكن مجرد شيء آمن وزخرفي. إذ أردت، فجأة، أن أفعل لكالكوتا ما فعله جويس لدبلن. فقد كانت مدينتي كالكوتا تعج بالنفاق والبؤس المقموع. وخرجت من عباءة نابوليون ودخلت تحت مظلة ناريندرا.
أذكر هذه المواقف المحرجة التي مضى عليها زمن طويل حتى أسجل نقطة مؤداها أنني اعتبرت نفسي كاتبة في مرحلة مبكرة من عمري. ولا أشك بأنني ربما أصبحت كاتبة لو تزوجت "الشاب المناسب" الذي اختاره والدي ولم يغادر الهند أبداً. والكاتبة التي أصبحتها، مع ذلك، تتصل بدرجة أكبر بقدومي إلى أميركا وورشة الكتاب في جامعة أيوا، وزواجي من طالب زميل (وهو كندي ولد في أميركا)، والانتقال معه للعيش في كندا لمدة 14 عاماً. وقد عدنا إلى الولايات المتحدة الأميركية عندما كنا، كلينا، في الأربعين من العمر.
كان عنوان الأطروحة التي قدمتها في أيوا "المرآة المحطمة"، وكانت كل قصة منها دراسة مستوحاة من "أرابي" حول ما شهدته كالكوتا من آمال لم تتحقق، رتبت بعناية وكأنما هي سلسلة من الطقوس. وقد نشرت إحداها في مجلة أميركية فصلية، واستحقت رسالة استفسار من ناشر في بوسطن. وعندها كنت قد رزقت بطفل ونصاب كامل من الدروس لنيل درجة الدكتوراه. وما أن حصلت على الشهادة حتى قلت للمحررة إنني سأكتب لها رواية. وما تبع ذلك هو ابنة النمر The Tiger's Daughter، التي نشرتها دار هوتون – ميفلين عام 1972. واعتقدت عندها أنها بداية سيرتي المهنية الأميركية ككاتبة، ولكنها في الحقيقة كانت نهاية ذلك "المشروع" الهندي الذي حظي بالرعاية لمدة طويلة.
بسبب التحديدات المفروضة على تأشيرة الدخول الأميركية، كان هناك عدد قليل من الهنود في أميركا عام 1961 عندما وصلتها كطالبة، وبسبب القيود التي وضعتها الحكومة الهندية على تحويل العملة، لم يكن هناك تقريباً أي نساء هنديات في مجال الفنون. وقد يصعب أن نتصور اليوم أنه لم يكن آنئذ مجتمع هندي في أميركا، لم تكن هناك نماذج تحتذى، ولا قرّاء، ولم يكن هناك محررون مستعدون لتلقي أعمال من كاتبة هندية مهاجرة. وبعد أكثر من عقد من السنوات، أخبرني وكيلي الثاني أنه ليس أمامي مستقبل ككاتبة إذا ما استمريت في الإصرار على الكتابة عن الهجرة المتناقصة في نيوجرزي لا عن الأحداث المثيرة لدى الطبقة العليا في كالكوتا.
لعل هذا هو السبب في تعلقي بشدة بفكرة مكانتي غير المغمورة التي تتطلع للبروز في التيار العام للكتابة في أميركا. وربما احتاج الأمر لدى النقاد والمراجعين أن يمدوا أبصارهم أكثر من المعتاد كي يروني، وغيري من الكتاب ممن هم في مثل حالتي، كشيء آخر مختلف عن كوني "هندية" أو "هندية – أميركية" أو "آسيوية". ويضيق صدري بدرجة أكبر بالعداء الذي يبديه العلماء الهنود والعلماء الأميركيون المولودون في الهند من المتخصصين في علوم ما بعد الاستعمار، الذين يطلقون قذائف هجومهم بصورة غريزية على كل ما فيه ملامح أميركية بارزة. (وفكرتهم السائدة بينهم مؤداها أنه إذا كانت أميركا، أو الغرب بصورة عامة، نصبت نفسها باعتبارها قمة التطور الاجتماعي والسياسي، فإنه من واجب جميع من ولدوا في ظل الاستعمار عندها أن يعارضوا أميركا والغرب بكل وسيلة يستطيعونها). وقد كانت الراهبات في المدرسة التي التحقت بها في كالكوتا والتابعة للدير من ذات النمط من التفكير يدفعن إلى المناقضة والمعارضة، دون أن يستفدن من النظرية التي سادت في مرحلة ما بعد الماركسية.
كتبت روايتي الثانية الزوجة The Wife (هوتون – ميفلين، 1975) عندما كنت في إجازة تفرّغ علمي في كالكوتا. وكنت آنئذ مواطنة كندية تعيش في مونتريال وأستاذة في جامعة ماكغيل، أكتب أيضاً في الوقت نفسه نصف مسرد هو أيام وليال في كالكوتا Days and Nights in Calcutta (تبلدي، 1977) مع زوجي، كلارك بليز. وقضينا المدة 1974-1975 ونحن نسكن مع أسرتي المشتركة في كالكوتا، يحيط بنا جميع أقاربنا، وأنا أتحدث لغتي الأم لأول مرة خلال عشر من السنوات – وتوصلت إلى نتيجة عميقة. فأنا لم أعد هندية عقلاً وروحاً. وثقل التقاليد، وحتى تلك الآراء المتنوعة التي تحاول الأسرة المحبة فرضها، لم تعد محتملة لي. وفي أحاديث لا تنتهي مع أصدقائي القدامى من أيام الدراسة، وأبويّ وشقيقاتي، تبينت أنني ابتعدت عنهم خطوة أو خطوتين. وغدا جلياً لي – وهذا أيضاً باب جديد فتح أمامي – أنني كاتبة مهاجرة تسير على نهج وتقليد المجموعات (الأوروبية) الأخرى الأقدم. فقد تعلمت من هنري روث (أطلق عليه اسم النوم) وروايات وقصص بيرنارد مالامود أكثر مما تعلمته من أي كاتب هندي.
كما أن هناك نقطة مباشرة بصورة أكبر من هذا (حيث أن كندا بدأت بإظهار ردود فعل في وجه الحضور الفجائي للعديد من الهنود في وسط مجتمعها)، وهي أنني غدوت أثمن الحماية التي يوفرها الدستور الأميركي للحقوق المدنية، وألاحظ غياب مثل هذه الضمانات في ذلك الوقت في كندا والمملكة المتحدة. وانتقلنا إلى الولايات المتحدة الأميركية عام 1980.
على الرغم من أن صيرورتي أميركية كان لها ثمنها (إذ لم نتمكن أنا وزوجي من التدريس في المدينة ذاتها في الوقت ذاته بوظيفتين متقاربتين، كما كان الحال في مونتريال)، إلا أن هذه الصيرورة أعطتني في النهاية الصوت والسلطة للحديث من وسط مجتمع، ومن أجل وعي متصاعد. فخلال السنوات الأربع عشرة التي قضيتها في كندا، وصلت إلى الولايات المتحدة الأميركية جالية هندية حية وحتى مزدهرة. وفي عام 1985، نشرت أول مجموعة قصصية لي الظلام Darkness (فايكنغ – بنغوين)، وهي سلسلة من الصور لهنود في مرحلة انتقال بين الاعتزاز باحتباس الموروث الثقافي (النفي/الإبعاد)، والخوف من الاستسلام الثقافي (الهجرة). وفي ذلك الكتاب، توصلت متعثرة إلى موضوعي الحقيقي، "موضوعي العظيم" الشخصي: التحول بكل ما يصاحبه من عظمة غريبة ساخرة. فغالباً ما تشمل الهجرة على الانتزاع من المكان وتنزيل الرتبة الاجتماعية. ويحمل المهاجرون الرضوض، والندوب في الغالب، نتيجة للإشارات التي أضاعوها والعلامات التي أخطأوا في قراءتها. فقد استبدلوا مكانهم الموثوق (الذي ربما كان أحياناً متواضعاً، وأحياناً متسامياً) في مجتمع ثابت بفرصة مجنونة لنيل شيء لا يمكن الإمساك به يدعى السعادة الشخصية. وأنا لا أقول لهم إنهم سيجدونها، فيكفي أنهم يحاولون الوصول إليها.
بهذه الروح، كتبت مجموعة أخرى من القصص، هي الوسيط The Middleman (غروف، 1988)، ورواية هي ياسمين Jasmine (غروف – وايدنفيلد، 1989). ومع ظهور ذلك المجلد الثاني من القصص والرواية التي تبعته، كان موضوع "التحول" قد حررني للكتابة من داخل شخصيات وخلفيات متفرقة. وكانت اهتماماتي الآن بتحول ذي اتجاهين، الاعتراف الذي يكون أحياناً مؤلماً من جانب أبناء وبنات أميركا الأصليين بأن هويتهم تغيرت نتيجة لقدوم هؤلاء المهاجرين "المثيرين" الجدد، وفي الوقت نفسه ملاحظة التحولات التي لا يمكن التنبؤ بها التي أحدثها التأثير الأميركي على المهاجرين الجدد القادمين من شبه القارة الهندية، والشرق الأوسط، وأميركا اللاتينية، والفلبين، وجنوب شرقي آسيا.
أما رواياتي الثلاث التي كتبتها في العقد الأخير، وهي حامل العالم The Holder of the World (نوبف، 1993)؛ اترك الأمر لي Leave It to Me (نوبف، 1997)؛ والبنات المرغوبات Desirable Daughters (هابيريون، 2002)، فإنها تتصدى لأسئلة تبدو لي استمراراً منطقياً للهم الموضوعي ذاته. والآن (و) قد ظهرت وبرزت جلياً "أميركا جديدة" ورسخت نفسها على هذه القارة، كيف يتسنى لها أن تتناغم مع النغمات الأعمق لأميركا، حتى بالنسبة لتاريخ أميركي يبدو، على السطح، وقد نفى حتى وجودها؟ وأولى هذه الروايات تدور معاصرة في أميركا المستعمرة في عقد الخمسينات من القرن السادس عشر، معيدة إلى الأذهان بعض الأشكال المزخرفة الموجالية إلى الرمادية السائدة في الرسالة القرمزية لهوثورن. أما الرواية الثانية فتتناول إرث فيتنام من وجهة نظر يتيم آسيوي، بينما تتناول الرواية الثالثة النتائج غير المقصودة للعولمة، كما تتبدى في التاريخ الممتد لمئة عام لأسرة هندية نموذجية، هنا وفي موطنها الأصلي.
أريد أن أنقّي الجو من الهجوم الذي لا مبرر له على الكتابة الأميركية، لا من الراهبات الإيرلنديات أو المثقفين الهنود هذه المرة، بل من العديد من التقدميين من أهل البلاد الأصليين الحسني النية. وقد يبدو دفاعي قاسياً وقابلاً لسوء الفهم، ففي السبعينات والثمانينات من القرن العشرين سمعنا الكثير من النقد من جمهور القراء (ذلك النوع الرفيع الذهنية الذي يمحض تأييده روتينياً للأعمال المختارة لجائزة نوبل) مؤداه أن الكتاب الأميركيين – باستثناءات قليلة واضحة – تجاهلوا الأحداث المرعبة الهائلة في القرن العشرين. وننتقد – نحن الكتاب الأميركيون – بأننا معنيون فقط بالتنادب حول قضايا الهوية لا أكثر. وعندما تتصدى رواياتنا لأشكال المعاناة، نتهم بأننا نتصرف من منطلق الحسد – القمع. فالكتاب والقراء من البلدان التي يمكن فيها أن يتسبب الكتاب في سجن الكاتب أو نفيه يتساءلون قائلين كيف يتسنى للأكثر حظاً أن يتحدث بمصداقية وأمانة عن الفقر، والافتقار إلى العدالة، والفساد. ما الذي يعرفه الكتاب الأميركيون عن القمع من التقاليد، من الأسرة، من الدين، من الدولة، ومن الغزو الأجنبي؟ فالأميركيون يمكنهم معالجة الافتقار إلى العدالة من خلال قضية ترفع في المحكمة. ويمكننا التخلص من العنف المنزلي بالحصول على الطلاق، كما يمكننا إسقاط الأوغاد في الانتخابات، ويمكننا شراء أرقى ما وصلت إليه المعالجة الطبية لتخفيف قلقنا وتعزيز قيمتنا الذاتية؟
حتى الناقد المتعاطف جزئياً من أميركا اللاتينية أو البلدان التي تحررت من الاستعمار – الناقد الذي لا يتوقع انطلاق مثيل لماركيز أو سولزنتشين من أروقة الأسواق التجارية العملاقة، والذي لا يحتقر هوس صناعة النشر في الولايات المتحدة الأميركية بتوفير دفعة أولى للكاتب بكميات هائلة من الدولارات وبإقامة جولات ومعارض للكتب هي أقرب للسيرك – مثل هذا الناقد سمع وهو يقول: "أميركا، أين كتّابك المهتمون بضميرهم المضروب؟" ألا تشعرين بالخجل أنه ليس لديك ما يماثل ألمان ما بعد الحرب مثل غراس وبل، وجنوب إفريقيين بيض مثل غورديمر وكوتزي، وإسرائيليين مثل غروسمان وأوز، وأولئك الأوستراليين الرائعين مثل مالوف وكينالي؟ (والجواب المختصر هو أن لدينا الكثيرين، ومعظمهم وقع ثقل الافتقار إلى العدالة الاجتماعية والتاريخية على كاهلهم شخصياً، وبصورة تحمل النقيضين. أما الجواب الأطول فهو أنظر تحت السطح الممتد النقي المعتنى به بصورة جيدة. ذلك أن المساحة المصغرة من خيبة الآمال والتطلعات قد تخفي تحتها مجرى هائلاً من الافتقار إلى العدالة).
بكلمات أخرى، ما الذي فعلته، ككاتب، للمجتمعات التي تفتقر إلى المؤسسات والتقاليد الديمقراطية، وإلى معارضة مخلصة، وصحافة حرة، وقضاء مستقل، وجهاز خدمة مدنية أمين نظيف؟ وككاتب رواية، ما هي المسؤوليات التي تستشعرها تجاه البلدان التي خضعت لنير القمع من قبل القوى الاستعمارية، والحرب، والمبادئ الفاسدة، وعدم التسامح الديني والقبلي، والشرطة الفاسدة، والقضاة والسياسيين والصحفيين الفاسدين، وللمجتمعات التي تعاني من الاكتظاظ الزائد، والتعليم غير الكافي، والتي أثخنتها الجراح النفسية، وعانت من ظروف حياتية غير صحية؟ والجواب على هذا: أقل القليل. وككاتبة مقالة، ومواطنة مهتمة بالشأن العام، ومسافرة جابت أنحاء العالم، فإنني أعي تماماً تأثير بلادي في العالم خيراً وشراً. وأعترف بتاريخ أميركا الطويل فيما يتصل بانخراطها في قوى العولمة وتشجيعها لها مما ينتج عنه في كثير من الأحيان انتشار الدمار على رقعة واسعة (أو الصمت والتثبيط النشط الذي يترك الأثر ذاته) وأحاول أن أتحدث وأتصرف وأدلي بصوتي وفقاً لذلك. وفي البلدان التي ليس لديها أدوات موثوقة للإصلاح، فإن الكتّاب غالباً ما يدفعون إلى القيام بدور الشاهد الأول، أو الملاذ الأخير. ولكن في الديمقراطيات الليبرالية ذات المؤسسات الراسخة، فإن كتاب الرواية يمكنهم أن يتمتعوا بنزر يسير من الثقة اليقظة، محررين ذواتهم كي يحتفلوا بالعظمة والأمجاد المتأتية عن الوعي الفردي.
لهذا لم يحصل جويس وبروست ووولف وبورغيس ونابوكوف أبداً على جائزة نوبل. وربما كان هذا هو السبب في أن فارغاس للوسا وكونديرا وأوتس وأبدايك وروث سينتظرون دون جدوى. والأمر ليس أننا جبناء يتطلعون دون إحساس أو أننا نفتقر إلى الضمير، فالكتاب، مع بعض الإستثناءات، قبيلة متجانسة عقلياً. وعلى المستوى العالمي، وجدت كتاباً جادين يحسون بالشك بصورة شاملة تجاه السلطة، ويتمتعون بحس السخرية، ويتعاطفون مع التائهين والحائرين. وهم يستطيبون التعارض والسخف، ويسارعون إلى تقدير عمل الآخر والاعتراف بالقوى المختلفة التي تشكله. وقد لاحظت نادين غورديمر مرة أنها أرادت أن تكتب كوميديات عن الحالة – ولكن الوضع القمعي في جنوب إفريقيا جعل ذلك مستحيلاً.
أراد منتج الأفلام البنغالي، ساتياجيت راي، أن ينتج فنتازيات، وحتى أفلاماً من الخيال العلمي، ولكن كالكوتا مع كل مشكلاتها وكل ما هو ساحر فيها لم تسمح بذلك. إن السعي إلى الملاءمة والانخراط يأخذ من الكاتب على الأقل بقدر ما يعطيه.
وحوالي الوقت الذي وصلت فيه إلى الولايات المتحدة الأميركية قبل 40 عاماً كطالبة دراسات عليا في جامعة أيوا، نشر فيليب روث السابق لأوانه مقالته الشهيرة "كتابة الرواية الأميركية". وتظل محتويات هذه الرسالة ملائمة، لأنه طرح فيها الهموم المسيطرة على جيل جديد من الكتاب الأميركيين: كيف يتنافس الخيال الخاص مع التفاهة، والسخف الهائل، والسوقية، والعنف، والتكرار المفرط في الثقافة الأميركية؟ إن غرابتها في حد ذاتها تهدد بالسخرية من أية محاولة لاختراعها.
هنا نرى فرقاً أساسياً بين الرواية الأميركية والرواية لدى الآخرين جميعاً تقريباً: فهنا ليس من شيء يعطى مفروغ منه، كما أنه ليس دائماً، فكل شيء متقلب يمكن تحديه. وليس هناك تاريخ، ولا حواجز ولا محظورات، ولا فتوى يمكن إطلاقها، وليست هناك شركة سرية لتقرع بابك. (أو إذا ما توقعنا الاعتراضات التي سيثيرها أولئك المنظرون من عهد الاستعمار على هذه التأكيدات العامة – فإذا ما قرعوا بابك وليس هناك من يقول إنهم لم يقوموا بذلك في الماضي وأنهم سيحاولون ذلك ثانية – فلديك على الأقل وسائل الإصلاح).
يعاني العديد من الكتاب في العالم من فائض من المعطيات، الوقائع الموروثة ذات النتائج التي لا ترحم، من الإمكانيات الضيقة والآفاق المقيدة. وهي تثري عملهم الروائي، وتطول المفارقات، وترفع سوية ما يراهن عليه.
يعبر الكتاب الأميركيون عن الحيرة في برية من الحرية، في مملكة واسعة من التمثل الفوري العفوي حيث الفرص بالغة الجودة بحيث أن أفضل طعناتك لن تحظى بأن تدرج في التنديد الإخباري القادم على شبكة أخبار سي إن إن التلفزيونية. أي ساخر مجنون فكر في انتخابات عام 2000 حيث لعبت طريقة للانتخاب سيئة التصميم دوراً أساسياً محورياً في تقرير من يفوز بمنصب رئيس الولايات المتحدة الأميركية؟ هل يمكن لمثل هذا المنعطف الكوميدي أن يتخيل (أحد) حدوثه في أي مكان آخر في العالم؟ وماذا ستكون نتائجه الدموية؟
تتم كتابة الرواية الأميركية في سياق براءة نسبية وهي حقيقة مقيدة ومحررة في آن معاً. وإذا كانت للرواية الأميركية أية ملاءمة واعتبار في العالم فهذا عائد إلى البراءة الناشزة البارزة التي تجليها. وهذا صحيح أيضاً بصورة خاصة عن الروايات التي يؤلفها المهاجرون الهنود، لأن العديدين منا وصلوا بعد الحروب الثقافية والسياسية التي جرت في الستينات من القرن العشرين ولم نخض أبداً معارك الحقوق المدنية أو المقاومة لحرب فيتنام. إننا المستفيدون من الكثير من المعاناة والبطولة، ولم ندع كي نؤدي ما علينا من واجبات. وحتى تتم دعوتنا، فإن براءتنا مؤقتة، وحريتنا ما زالت مشروطة. لقد كنت محظوظة بأن حياتي الكتابية قد تزامنت مع وصول آخرين مثلي – وأنني كنت هنا قبلهم قبل، كيل أكون في استقبالهم. وقد بدأت حياتي المهنية أكتب بالنمط الفكاهي – وهو انعكاس لموروثي من مكونات التعليم الهندي/البريطاني – لأن السنوات المبكرة من الحياة الهندية على هذه القارة بدت حيوية، متفاعلة، جشعة، طموحة، محبة، متقاعسة. وبدا وكأنني أشهد فترة مباركة، جيلاً أو اثنين في حياة مجتمع من المهاجرين، قبل أن تتلاشى بصورة تامة ذكريات العالم القديم، ومعها الأنماط والتنظيمات التي حكمت وحددت التعبير الذاتي لآلاف من السنين. وأنا أعرف متى تغيرت بالنسبة لي. ففي عام 1985، جرى تفجير طائرة إير إنديا في السماء في رحلتها من تورنتو ومونتريال وهي تحمل 329 راكباً وملاحاً على بعد 110 أميال من شاطئ إيرلندا. وحتى حدوث تفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك، ظل هذا الحدث هو الأشد دموية بين الأعمال الإرهابية في العصر الحديث، وما زال حتى اليوم الأقسى من حيث عدد القتلى في حوادث الهجوم على الطائرات. وكان جميع الضحايا تقريباً من الكنديين من أصل هندي. وكذلك كان الخالستاني (الإنفصاليون السيخ) الذين قاموا بالهجوم. وقد عرفنا بعض الضحايا، التي كانت غالبيتهم من الأمهات والأطفال العائدين إلى الوطن لقضاء عطلة الصيف. وقد قضت نخبة جيل، وهم الجيل الأول المولود في كندا، نحبها في ذلك التحطم. وكان المهاجرون الهنود، الذين كانت نسبة الجرائم بينهم منخفضة، ونسبة الإنجاز مرتفعة، وينظر إليهم على أنهم "الأقلية النموذج"، هم أول المتضررين بتلك الموجة الحديثة من الوحشية المعاصرة بعد ان تعرضوا لتلك الضربة الجماعية الإرهابية الهائلة على هذه القارة.
لقد كتبت، أنا وزوجي، تحقيقاً عن المأساة بعنوان الأسى والرعب The Sorrow and the Terror (فايكنغ – بنغوين 1987)، وأثناء قيامنا بإجراء لقاءات مع المنكوبين، والشرطة، والمحامين، وحتى القتلة ومؤيديهم، تغيرت مفاهيم متأملاتي من الهجرة إلى الأبد. فليس الأمر مجرد كتابة فكاهية، وليس مجرد كتابة أدبية، إنه قصة كبيرة، قصة سيكتبها الأميركيون على مدى عقود قادمة.
باراتي موخرجي، كاتبة وأستاذة الإنجليزية في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، وهي معروفة على نطاق واسع ككاتبة قصة وكمعلقة اجتماعية. وأحدث رواياتها هي البنات المرغوبات Desirable Daughters (هايبيريون، 2002). أما رواياتها الأخرى، فهي: حامل العالم The Holder of the World (1993)، ياسمين Jasmine (1989)، الزوجة Wife (1975)، ابنة النمر The Tiger's Daughter (1971). ونجد قصصها القصيرة في مجموعة بعنوان الوسيط وقصص أخرى The Middleman and Other Stories (1988)، وفي الظلام Darkness (1985). أما كتبها غير الروائية فتشمل الأسى والرعب: الإرث الكابوسي لمأساة إير إنديا The Sorrow and the Terror: The Haunting Legacy of the Air India Tragedy مع كلارك بليز (1987)، و أيام وليال في كالكوتا Days and Nights in Calcutta مع كلارك بليز (1986).
حصلت موخرجي على شهادة الدكتوراه في اللغة الإنجليزية والأدب المقارن من جامعة إيوا عام 1969. وفي السبعينات من القرن العشرين درست في جامعة ماكغيل، في مونتريال، كندا. وانتقلت إلى الولايات المتحدة الأميركية عام 1980، ودرست في عدة كليات، وهي تقوم بالتدريس في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، منذ عام 1989. ومعظم كتاباتها تسرد مناحي متنوعة من تجارب المهاجرين. وقد ولدت في عام 1940 في كالكوتا، الهند في أسرة مهنية، وتلقت تعليماً كلاسيكياً وفق التقاليد البريطانية كما تخبرنا في مقالتها. وبين عامي 1948 و1951 عاشت مع أسرتها في إنجلترا. وتخرجت من جامعة كالكوتا عام 1959، وحصلت على درجة الماجستير في اللغة الإنجليزية والثقافة الهندية القديمة عام 1961. وزارت جامعة أيوا عام 1961 للمشاركة في ورشة عمل للكتّاب، وقد غيرت هذه الزيارة حياتها بحيث جعلتها تركز على ما كانت تحلم أن تكونه: كاتبة محترفة. وخططت موخرجي للعودة إلى الهند، ومع ذلك وأثناء وجودها في أيوا التقت كلارك بليز وتزوجته، وهو الكاتب الكندي/الأميركي، وضمن هذا القرار، من بعد، أن تكون حياتها جزءاً من عالمين. ويكتب أحد النقاد قائلا: "لقد رسخت موخرجي نفسها عضواً ذا سلطة في المشهد الأدبي الأميركي، عضواً تعكس أعماله التي تعيش في ذاكرة الناس اعتزازها بتراثها الهندي، واحتفاءها في الوقت ذاته بالارتباط بأميركا بصورة وثيقة".